مقومات الفقيه المبدع ..
سلمان وسفر أنموذجًا
د. عطية عدلان
باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..
من استقامة الفهم ورجاحة العقل وسلامة الذوق ونقاء الفطرة إلى عمق الفقه وسعته ومرونته؛ شَقَّ الشيخان سلمان العودة وسفر الحوالي طريقهما في التعلم والتعليم والدعوة والتربية والحركة بهذا الدين، ولا أعني بسعة الفقه كثرة المسائل التي يحشدها العالم في ذاكرته أو في صفحات كتبه، وإنّما أعني العلم الذي يتسع لمتطلبات العصر، ويداوي الجرحى ويسعف المرضى ويغيث الملهوف، فكم من عالم يحفظ المتون ويهضم الشروح ولكنّ نصيب القضايا منه قليل وحظ السائل الملهوف منه ضئيل، ولكي يكون المرء واسع العلم بهذا المعنى، ولكي يكون فقيها مبدعا باعثا لا بدّ من توافر جملة من المقومات الرئيسية والميزات النوعية.
مقومات بناء الشخصية العلمية والدعوية والتربوية المبدعة
أذكرها إجمالا ثم أفصل مع الإسقاط على حالة الشيخين سلمان العودة وسفر الحوالي
1- حمل همّ الأمة والاشتغال بقضياها
2- فقه الواقع وحسن التعاطي معه.
3- سلامة وصحة المنبت العلميّ والمحضن الفقهيّ
4- اتباع المنهجية الصحيحة في الطلب
5- دوام الاستقلال والتحرر
6- التجرد والعدل والإنصاف وعدم التعصب للمذهب أو للشيخ
7- التحرك الدائم بالعلم
1- حمل هم الأمة والانشغال بقضاياها: فالعالم الفاعل والفقيه المؤثر هو من يشتغل بقضايا الإسلام والمسلمين؛ وقد كان الشيخان سفر وسلمان من أكبر العلماء المشتغلين بهموم الأمة وقضايا المجتمع المسلم، وكانت دروسهما ومحاضراتهما منفتحة على قضايا العصر، سواء منها العقدية والفقهية التخصصية أو التربوية أو الدعوية أو السياسية أو الاجتماعية أو غيرها، ومن أكبر ما يدل على ذلك عناوين دروسهما ومحاضراتهما العامة التي كانا يلقيانها قبل المحنة الأولى، فبعد أن شرح الشيخ سلمان (بلوغ المرام) في دروس فقهية عامة جمعها بعد ذلك في كتاب كبير، وبعد أن شرح الشيخ سفر العقيدة الصحيحة المرتبطة بواقع الأمة وقضاياها؛ رأيناهما يتعرضان لموضوعات ذات صلة بقضايا الأمة، من مثل: (الداعية والمجتمع) (مزالق في طريق طالب العلم) (آفات طالب العلم) (التطبيع) (التطرف) (حديث الركب) ... إلخ للشيخ سلمان، و(العالم الإسلامي في ظل الوفاق الدولي) و(العبر من سقوط الشيوعية) و(القدس بين الوعد الحق والوعد المفترى) للشيخ سفر، وكذلك الموضوعات التي كانا يطرحانها في الميديا بعد خروجهما من السجن، بل ومؤلفاتهما، ولاسيما الشيخ سلمان، فها هو ينفرد من بين العلماء بكتاب مبكر عن الثورة ويجيب عن الأسئلة الشرعية المتعلقة بها في كتابه: (أسئلة الثورة) ومن قبل أفتيا في قضية الاستعانة بالقوات الأجنبية؛ بما كان سببا في محنتهما؛ حيث أفتيا بعدم الجواز، وناديا بإخراج المشركين من جزيرة العرب.
2- فقه الواقع وحسن التعاطي معه، والاطلاع على مجريات الأحداث؛ فكما قيل: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره" والحقيقة أنّ الشيخين سفر وسلمان - حفظهما الله وكتب لهما الفرج والنجاة - كانا على اطلاع بالواقع كبير، وكانا يحيطان بكثير من مجريات الأمور السياسية، وعلى خبرة واسعة باتجاهات فكرية معاصرة لها تأثير على الثقافة الإسلامية؛ لذلك كانا مسددين في فتاواهما وأجوبتهما، وكانا مع ذلك يتعاطيان مع الواقع برشد ووعي واستقامة، فلا هما خضعا للواقع أو تماهيا معه معرضَيْنِ عن ثوابت الملة، ولا هما تجاهلا الواقع أو تنكرا له هاربَيْنِ منه ولائذَيْنِ بهياكل صماء من وهم القراء.
ومن النماذج البارزة التي تؤكد اعتدال مزاج الشيخ سلمان واستقامة فهمه تجاه الواقع أنّه في كتابه (ضوابط للدراسات الفقهية) أسهب في بيان آفة من آفات الدراسات المعاصرة "فهي تتأثر أحيانًا - من حيث لا تشعر- بالأقاويل والشبهات التي يطلقها أعداء الإسلام عن الإسلام، بحيث يجعل الكاتب همه دفع الشبهات وإبطالها والدفاع عن الإسلام، وموقف الدفاع - دائمًا- موقف ضعف، فيجره الحرص على تبرئة ساحة الإسلام إلى نفي بعض الحقائق الثابتة، أو نسبة بعض الآراء الغربية إلى الإسلام، فمن يدافع عن الإسلام ضد هجوم المستشرقين عن الجهاد، يشتطّ فيزعم أن الحرب في الإسلام دفاع لا هجوم، ويلوي أعناق النصوص، والأحداث التاريخية لكي يقسرها على تأييد ما ذهب إليه، ومن يراجع كتاب "آثار الحرب في الفقه الإسلامي" للدكتور وهبة الزحيلي، أو كتاب (العلاقات الدولية في الإسلام) للشيخ محمد أبي زهرة... وغيرهما كثير وكثير؛ يجد مصداق ذلك، وعمومًا فقد أصبحت قضايا السلم، والحرب، والجزية، والعلاقات الدولية، ومعاملة الذميين والمشركين، وقضايا الحكم والتقنين، والرق، وتعدد الزوجات.. وغيرها؛ لا تُطرق إلا من خلال منطق ضعيف واهن مهزوم". (ضوابط في الدراسات الفقهية ص 28 وما بعدها)
وانظر إليه وهو المتخصص في علوم الفقه والحديث لا يدع ميدان الثورة يفوته حتى يدلي فيه برأي الفقيه الممارس للحياة، ففي كتابه أسئلة الثورة تحدث عن أسباب الثورة من وجهة نظره، وردها إلى:
1- السنة الإلهية: التداول و"حق على الله ألا يرتفع شي مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ"2- غياب المشروع المشترك بين السلطة والرعية
3- ظواهر الفقر والظلم والبؤس والقهر
4- تجمع السلطات في قبضة واحدة
5- الآمال التي تراود الشعوب نتيجة وعي متجدد
6- توفر وسائل التواصل والتأثير والعدوى
7- محاولة تدمير الهوية أو انتهاكها
8- حضور النموذج الذي يمكن محاكاته
9- زوال الخوف أو تجاوز حالة الخوف
10- سنوح الفرصة (راجع: أسئلة الثورة - سلمان العودة - مركز نماء للبحوث والدراسات - ط أولى 2012م - بيروت - لبنان - صــــ41-45)
ثم ينثني ليوضح شهادات من التاريخ على أنّ مواقف التبرير من العلماء لا توقف الثورة، فيقول: "لم يمنع كلام الفقهاء من خروج العباسيين ونجاحهم وقيام دولتهم، وهم كانوا يعلمون أن جماعة الفقهاء ستؤيدهم إذا انتصروا وستتخلى عنهم إذا انهزموا؛ بمنطق: (من اشتدت وطأته وجبت طاعته) وفي هذه الحالة سيكون خروج بقايا الأمويين للمطالبة بدولتهم بغيا يستوجب مقاتلتهم؛ ما لم يكونوا أقوياء ويفلحوا في فرض الأمر الواقع" (أسئلة الثورة - سلمان العودة - مركز نماء للبحوث والدراسات - ط أولى 2012م - بيروت - لبنان - صــــ73)
كذلك من أبعاد فهم الواقع معرفة الواقع التاريخي وربطه بالحاضر، من أمثلة ذلك كلامه في صدد الرد على الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "كما نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بأن يخاطب أهل الكتاب بالدعوة إلى كلمة سواء أن يؤمنوا بالله ورسوله ولا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، ولم يؤمر بالتقريب بينهم ولم يعقد صلى الله عليه وسلم مؤتمراَ للتقريب مع اليهود أو النصارى ولا لإقامة أسس جديدة للتعاون والتفاهم وإزالة الأحقاد والعداوات والإحن، كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يسع إلى تكوين نهضة قومية عربية يجتمع فيها المسلم العربي إلى جوار الوطني العربي إلى جوار النصراني العربي، بل لقد بدأ صلى الله عليه وسلم بحرب العرب المشركين قبل غيرهم، كما أن تجارب التاريخ كلها ومنها ما ذكره الغزالي تؤكد أن هذه ألعوبة أهلية يخادع اليهود والنصارى بها المسلمين لشغلهم عن العمل الجاد، وما جهود المنصرين الهائلة لاكتساح أفريقيا وإندونيسيا ومصر بخافية على أحد" (حوار هادئ مع الشيخ محمد الغزالي ص 36)
وكذلك كان الشيخ سفر الذي أبهر الدنيا في آخر عهده بالكتابة بذلك الكتاب الفذ (المسلمون والحضارة الغربية).
3- المنبت العلميّ والمحضن الفقهي: فالفقيه لا يكون عائم الجذور سطحيّ المنبت، ولا يكون فقيها حتى يضرب جذورة في تربة الفقه ودوائره وحلق العلم وأروقته، ولقد منّ الله على الشيخين سفر وسلمان بالجمع بين الأروقة الأكاديمية في الجامعات وبين المحاضن الفقهية في القصيم ومكة وغيرهما على أيدي جهابذة العلم والفقه، من أمثال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، ولقد هيأ الله لهما هذين المصدرين ليجمعا بين الحسنيين: بين الأكاديميا بشروطها وضوابطها ومنهجياتها المتطورة، وبين المشيخة بعمقها وشمولها ومتابعتها اللصيقة.
لذلك وجدناهما أصيلين مؤصلين، وعريقين عميقين جهبذين، يصح الاتكاء عليهما والتعويل عليهما، فشرح سلمان لبلوغ المرام لا يقل قيمة عن أي شرح من الشروح على كثرتها، بل ربما يزيد على كثير منها، لاسيما في التنزيل والترجيح وحسن التخريج، وكان تناوله للقضايا المعاصر وفتاواه في النوازل والمستجدات في كافة المجالات موفقا ومسددا.
وسوف أضرب أمثلة بسيطة وسريعة على سلامة فقه سلمان ودقة فهمه ورجاحة فكره، من ذلك أنه في شرح بلوغ المرام، وفي صدد شرحه لحديث: (مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ لَهُ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ) فبعد أن تحدث عن الزكاة في ما الصبي والمجنون تحدث عن المضاربة فيه، واشترط أن يختار النشاط الأقل مخاطرة، وهنا ذكر عن الاقتصاديين (كلما زادت المخاطرة زاد الربح) ليكشف عن أن المخاطرة قد تكون غرضا للتاجر الوصي على اليتيم مما يدفعه ذلك أن يخاطر بمال الصبيّ؛ فيتعرض مال الصبي للخطر، فإن ربح فلهما وإن خسر فعلى الصبيّ، ويد المضارب يد أمانة فلا يضمن إذا لم يفرط أو يتعدى، وذكر أن كثيرا من العلماء على أن ولي اليتيم إذا كان تاجرا فلا ينبغي أن يتاجر هو فيه، ثم عقب والذي أميل إليه أن ذلك يتغير بحسب الحال فإذا كان تاجرا كبيرا رائج التجارة فلا بأس .....إلخ
ومن أمثلة ذلك قوله في شرحه لبلوغ المرام بعد أن ذكر وساق أقوال العلماء في حكم تارك الصلاة ما بين من كفره ومن فسقه، قال: "ومن الخطأ البين نقل القول بالتكفير إلى الأعيان، ممن يقع التسرع فيه من بعض المفتين، فيقول: كافر لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يكفن ولا يدفن في مقابر المسلمين ... إلى غير ذلك من العبارات التي ليس لها سند من كتاب ولا سنة ولا قول صاحب ولا إجماع"، وهذا عمق في الفقه ودقة في الفهم وسلامة في التصرف لا يوفق لها إلا من كان منبته الفهي حسنا.
وفي صدد حديثه عن أذان أبي محذورة علق في الهامش بعد تخريجه للحديث، فقال: "عن طريق همام عن عاصم الأحول، وسنده حسن، لكن خالفه معاذ ابن همام (ربما وهم) عن أبيه عن عاصم به، فثنّى التكبير في أوله بدلا من التربيع، ليكون الأذان سبع عشرة كلمة، أخرجه مسلم، وبهذه الرواية أخذ مالك وصاحبا أبي حنيفة، لكنّ هذه الرواية معلة لا تصح، والصواب تربيع التكبير لصحة مخرجها وموافقتها لما جاء في بعض طرقه: "... علمه الأذان تسع عشرة كلمة" ....." ر: شرح بلوغ المرام 2/21 فما أجمل أن يمتزج الفقه في علم الحديث ويتشابكا عبر منظومة أصولية بديعة، وإنه لا يفعل هذا إلا من كان في العلم كريم المنبت عريق المشرب.
وفي سلسلة الغرباء التي تدل على عمق فهمة وهمته العالية واهتماماته الراقية، يقول مفرقا بين التقية الجائزة على وجه الرخصة عند أهل السنة والتقية الواجبة على وجه العزيمة عند الشيعة: " أن التقاة عند أهل السنة حالة مكروهة ممقوتة، يكره عليها المسلم إكراهًا، ويلجأ إليها إلجاء، ولا يداخل قلبه - خلال عمله بالتقاة - أدنى شيء من الرضى، أو الاطمئنان، وكيف يهدأ باله، ويرتاح ضميره، وهو يظهر أمرًا يناقض عَقْدَ قلبه؟ أما الرافضة، فلما للتّقية عندهم من المكانة، ولما لها في دينهم من المنـزلة، ولما لها في حياتهم العملية الواقعية من التأثير، فقد عملوا على "تطبيعها"، وتعويد أتباعهم عليها، وأصبحوا يتوارثون التمدح بها كابرًا عن كابر." (الغرباء 173)
وهذا مثال على الدقة في عرض المسائل النازلة على ميزان المصالح: " فالقضية تدور مع المصلحة العامة: مصلحة الأمة، ومصلحة الفرد، فقد تكون الخلطة واجبة متعينة على فرد أو أفراد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر العلم، وقيادة الأمة، ونفع الخلق في دنياهم وأخراهم، وقد تكون العزلة والانقباض عن فضول الصحبة هي الأمر المتعين لمن يضر نفسه أو غيره بذلك، دون أن يحقق مصلحة أعظم وأكبر من هذا الضرر، وقد يكون أحد الأمرين أرجح من الآخر دون أن يصل الأمر إلى حد الوجوب إذا كان فيه تحصيل مندوب، أو التخلص من مكروه، وقد يستوي الأمران حين لا يكون ثَمَّ مصلحة ولا مفسدة، أو حين تكون المصلحة والمفسدة متعادلتان". (الغرباء 27).
ثم تأمل دقة الفهم واستقامة الميزان الفقهي وهو يناقش الاجتهاد والتقليد في كتابه ضوابط في الدراسات الفقهية ليخرج بجملة من القواعد، أهمها: الأئمة الأربعة وعلماء القرون المفضلة كانوا يعظمون الدليل من الكتاب والسنة لم يكونوا معصومين من الخطأ في الاجتهاد - الخطأ عندهم ناتج عن أسباب علمية بحتة وليس للنفس فيه حظ - الأئمة هم المرجع في معرفة النصوص والحكم عليها واستنباط الحكم الشرعي منها وإن كان هذا لا يمنع من الاجتهاد ممن توافرت فيه الشروط فيما اختلفوا فيه والوصول إلى حكم يخالفهم أو يخالف بعضهم، لكن لا يليق الخروج عن آرائهم فيما وقع في زمانهم - التقليد في حالات كثيرة يعد ضرورة حتى للمجتهد. (راجع ضوابط في الدراسات الفقهية: ص 59 وما بعدها)
وفي نفس الكتاب يتحدث عن ظواهر فقهية يجب أن نبتعد عنها، ويذكر أنواعا من القديم والجديد، ما يدل على دقة الفهم واستقامة الذوق الفقهي، فمثلا يتحدث عن ظاهرة الولع بالصور المستبعدة، فيقول عنها: "فمرض الصور المستبعدة التي من حقها ألا يتعرض لها عاقل، ولربما امتلأت بعض كتب المتأخرين بسقطات وهفوات من هذا القبيل، تظهر فيها المبالغة في الفرض البعيد أو المستحيل، وهذا يتيح لبعض المغرضين، أو الجاهلين؛ الطعن في هذه الكتب، جملة وتفصيلاً؛ بحجة أن ما فيها هو من هذا القبيل، فمن اللازم للفقيه عدم التقحم في التنقيب عن الصور النادرة، التي يمنع العرف والعادة وقوعها، وإن كان وقوعها جائزًا عقلاً، وهذه كانت طريقة سلف هذه الأمة البعيدين عن التكلف" (راجع ضوابط في الدراسات الفقهية: ص 52 وما بعدها)، أمّا سفر فيكفيك لتكتشف دقة فهمه أن تطالع كتابه ظاهرة الإرجاء
4- اتباع المنهجية الصحيحة في الطلب: فكثيرون هم الذين يقرأون ويحفظون، ولكنّ القليل منهم هو الذي يحسن التعلم ويتقن التفقه، والفرق هو المنهجية العلمية المتبعة، فهناك من يقرأ ما يخطر على باله وما يعن لخاطره وما يصادف اهتمامه، ويعتمد فقط على الكتب أو الصفحات الألكترونية، دون نظام ولا منهجية واضحة، فهذا لا يحصل إلا قليلا مختلطا متداخلا غير مرتب ولا منظم، كخبز الشحاذ من كل نوع أرغفة وكسرات غير متناسقة ولا منسجمة، أمّا المنهجية في الطلب فأول شروطها التلمذة، وألا يكون المرْء في طلبه متمحضا للصحف والميديا، ثاني شروطها التدرج وفق ترتيب علمي يعلم الطالب صغار العلم قبل كباره، ويلقنه كلياته قبل تفاصيله، ثالثها الشمول والتوازن، بأن يتلقى المتعلم العلوم بالتوازي ولكن مع توازن يراعي الأولويات ويراعي كذلك المراحل العمرية ... وهكذا، وعلى هذا نشأ الشيخان سر وسلمان نشأتهما العلمية في المحضنين: محضن الأكاديميا ومحضن المشيخة.
5- التحرك الدائم بالعلم: إنّ أهم ما كان يميز علماء السلف أنّهم كانوا متحركين بعلومهم، فكانوا يسافرون للطلب والتعلم، وكانوا يتنقلون للبذل والتعليم، وكانوا يخالطون الناس ويصبرون على أذاهم، وينزلون السوق والميدان ويشهدون الحرب والسلم، ولا يعيشون في أبراج عاجية، وهذا هو الذي حفظ علومهم وجعلها علوما فاعلة ومؤثرة، ................ وهكذا .......
6- التجرد والعدل والإنصاف وعدم التعصب للرأي أو للمذهب: لقد بدا واضحا من اللحظة الأولى أنّ كلا من الشيخ سلمان والشيخ سفر رجل متجرد مخلص عادل حتى في حكمه على الخصوم، فانظر إلى سلمان وهو يوجه النقد للشيخ الغزاليّ في كتابه السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، يصرّ على أن ينصف الرجل حتى لا يغالي فيه من يردون قوله، فيقول: "والشيخ الغزالي يؤمن بالسنة النبوية, ووجوب الأخذ بها, ويرد على منكريها, لذلك عقد في كتاب (مستقبل الإسلام) فصلاً عنوانه (أهل القرآن وأهل الحديث) ردّ فيه على من يسمون أنفسهم بالقرآنيين, وهم أولئك الذين يرفضون السنة ... وبيّن أنه لا غنى لكل مسلم عن السنة النبوية ويستحيل أن يقوم الإنسان حتى بشعائر الإسلام العظام كالصلاة والصيام والحج والزكاة إلا بعد الإيمان بالسنة النبوية لأن القرآن لم يأت بتفاصيل هذه الأشياء ... وتكلم في غير موضع من كتبه عن جهود علماء السنة في حفظ السنة وحمايتها وتمييز صحيحها من سقيمها" (حوار هدئ مع الشيخ محمد الغزاليّ صـــ 88).
وفي مواضع عديدة من كتبه ومحاضراته إذا وجد حسنة حتى عند أعداء المسلمين ذكرها ونبه إلى مصدرها عندنا في الإسلام، فمثلا: في أثناء حديثه عن دفع الزكاة لغير المكتسب الذي لا يجد عملا ولا مال له، يقول: "ولهذا إذا وجد إنسان من هذا القبيل في الدول الغربية - سواء من أبناء تلك البلاد أو المهاجرين - ولم يجد عملا فإنهم يصرفون له مرتبا شهريا حتى يظفر بعمل، وكنت أتعجب من هذا الأمر واقول: سبحان الله! يأتيهم إنسان من بلد بعيد وهو أجنبيّ عنهم - بل مخالف لهم في دينهم في كثير من الأحيان - ومع ذلك يلتزمون بأن يصرفوا له مرتبا، وإذا جاءه مولود يصرف له مرتب أيضا، وهذا لا يوجد في كثير من بلاد العالم الإسلاميّ، مع أن هذا الأمر كان معمولا به في بلاد الأمة الإسلامية في عهودها الأولى؛ فبيت مال المسلمين كان يصرف منه للمحتاجين حتى من أهل الذمة" (شرح بلوغ المرام 3/198). وأمّا سفر فتجلى ذلك عنده في كتابه الأخير.
7- الاستقلال وعدم التبعية والتحرر الدائم؛ فكم من مسألة كان سلمان يقول فيها بالتحريم ثم جهر فيها بعد ذلك بعكس ما كان يقول، بلا حرج ولا تردد ولا تبرير ولا تزوير، مثل مسائل التصوير وغيرها، ولقد رأيناه حرا عزيزا مستقلا، لا يرضخ لأحد ولا يستكين، ففي فتنة حرب الخليج أفتى شيوخه الكبار الذين يجلهم ويحترمهم كابن باز وابن عثيمين بجواز الاستعانة بالقوات الغربية في دفع عدوان صدام، ومع حبه لهم وإعجابه بهم وإجلاله لقدرهم قال كلمة الحق وأفتى هو وإخوانه من أمثال الشيخ سفر فك الله أسرهم جميعا، أفتى بعدم الجواز، وبأن الأمة الإسلامية فقط هي المنوط بها رد البغي، كما قال تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى امر الله فإن فائت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين)، وقد ترتب على ذلك أن اعتقل ومكث في المعتقل ست سنوات، وفصل من الجامعة، وضيق عليه بعد ذلك في الدعوة والحركة والحياة، واندفعت نحوه المدخليه تؤلب عليه وتغري به، وهو ثابت لا يلين، وكذلك سفر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق