العدوان على المفاهيم!
في لحظات الاضطراب الكبرى، لا تنكشف فقط موازين القوى، بل تنكشف قبلها موازين العقول، وتُختبر صلابة المفاهيم التي نحملها، وما نعيشه اليوم ليس مجرد عدوان إيراني غاشم على الكويت ودول الخليج والمنطقة، بل هو كذلك عدوان موازٍ على المفاهيم ذاتها، ومحاولة لإعادة تشكيل الوعي وفق موازين مختلة.
فحين تضرب الأوطان، لا يكون الخطر في الصواريخ وحدها، بل في العقول التي تبرر، أو تميع، أو تُقارن مقارنة فاسدة، فتُسهم –من حيث تدري أو لا تدري– في إضعاف الجبهة الداخلية وتشويش الوعي العام، ومن يبرر هذا العدوان الإيراني، فإنه لا يقف عند حد الانحراف في الموقف، بل يمارس عدواناً غاشماً على المفاهيم والمبادئ المستقرة، ويؤسس لموازين عقلية هشة وظالمة تفسد ولا تصلح.
ومن أبرز هذه المغالطات، ذلك العبث العقلي الذي يحاول مقارنة الألم بالألم، وكأن مصاب الخليج يُقاس بمصاب غزة أو غيرها، وكأننا في سوق للمآسي نُفاضل فيها بين الدماء والدموع، وهذه مغالطة خطيرة؛ لأن الألم لا يُقارن، والعدوان لا يُبرر بعدوان آخر، وكل أرض تُعتدى لها حق الدفاع، وكل نفس تُزهق هي جرح في جسد الأمة.
إن تحويل القضايا إلى منافسة في الوجع هو تجريد لها من بُعدها الإنساني والشرعي، وهو باب واسع لتفريغ المواقف من مضمونها الأخلاقي، والأسوأ من ذلك أن يأتي من يلبس هذا الخلل لبوس التبرير، فيسوّغ العدوان الإيراني أو يخفف من بشاعته، فيكون بذلك قد انتقل من خطأ في الفهم إلى عدوان صريح على ميزان العدل نفسه.
كما أن من الخلل البيّن أن يُفهم الوقوف ضد العدوان الإيراني الغاشم على أوطاننا على أنه تراجع أو تنازل عن موقفنا الثابت من العدوان الصهيوني الغاشم، وهذا فهم سطحي مضطرب، لأن ثباتنا على قضية لا يعني سكوتنا عن أخرى، وعدونا في أرض لا يُلغي عدونا في أرض أخرى.
نحن لا نبدل المبادئ بحسب الجغرافيا، ولا نُعيد تعريف الظلم وفق هوية المعتدي، بل نقف مع الحق حيث كان، ونرفض العدوان أيًّا كان مصدره، أما من يحاول تبرير العدوان الإيراني هنا بحجة عدوان هناك، فإنه في الحقيقة يهدم أصل المبدأ، ويعبث بثوابت الأمة، ويزرع في الوعي معايير مزدوجة لا تستقيم مع عدل ولا مع عقل.
ومن المغالطات التي تُلبّس على الناس، ترويج فكرة «الحياد» في مثل هذه اللحظات، وكأنه موقف حكيم متزن، بينما هو في حقيقته -في كثير من الأحيان- عجز عن اتخاذ موقف، أو اصطفاف متخفٍّ تحت عباءة الاتزان، فالحياد بين المعتدي والمعتدى عليه ليس عدلاً، وإنما خذلان، والصمت في موضع البيان انحياز، ولو حاول صاحبه تجميله بألفاظ موضوعية أو شعارات عقلانية، ومن يختبئ خلف هذا الحياد ليبرر العدوان الإيراني، فإنه لا يمارس فقط تزييفاً للموقف، بل يشارك في عدوان آخر أشد خطورة، هو العدوان على الوعي نفسه.
ثم تتسع دائرة الخلل لنرى مغالطة أخرى تتعلق بمفهوم الوطنية، حيث يُحاول البعض تصوير الانتصار للوطن والدفاع عنه وكأنه تعصب مذموم، أو انغلاق ضيق، بينما الحقيقة أن حب الوطن والدفاع عنه هو من أوضح معاني الوفاء، ومن أوجب الواجبات حين يُعتدى عليه.
الوطنية الصادقة لا تتعارض مع انتمائنا لأمتنا، بل هي جزء من هذا الانتماء، لأن الأوطان هي أوعية الأمة، وحمايتها حماية لمستقبلها واستقرارها، ومن يهوّن من العدوان الإيراني على وطنه أو يبرره، فإنه لا يخذل أرضه فقط، بل يخذل ميزان الفطرة الذي يقوم على نصرة الحق ورفض الظلم.
وفي مقابل ذلك، تظهر مغالطة «الموضوعية الباردة»، التي يتذرع بها البعض لتبرير مواقف رمادية، فيساوي بين المعتدي والمعتدى عليه، أو يطالب بالتوازن في غير موضعه، فليست الموضوعية أن تُعطي كل طرف نصف الحق، بل أن تُعطي كل ذي حق حقه كاملاً، وأن تُسمي العدوان باسمه دون تردد أو مواربة، أما الحياد المتكلف باسم الموضوعية، فهو في كثير من الأحيان إفراغ للحق من معناه، بل إن تبرير العدوان الإيراني تحت شعار «الموضوعية» ليس إلا محاولة لتزيين الباطل، وهو في حقيقته عدوان فكري على المبادئ قبل أن يكون موقفاً سياسياً.
ولا يغيب عن هذا المشهد مغالطة المصداقية الانتقائية، حيث يُصدّق البعض ما يوافق هواه، ويكذّب ما يخالفه، أو يرفع معايير التحقق حين لا تعجبه الرواية، ويخفضها حين توافق موقفه، وهذه ازدواجية تقتل الثقة، وتُضعف الوعي، وتفتح الباب أمام الإشاعات والتضليل، خاصة في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتنافس فيه الروايات، ومن أخطر صورها أن تُستخدم لتبرير العدوان الإيراني أو التشكيك في وضوحه، فيتحول صاحبها من متلقٍّ مضلل إلى شريك في صناعة الضباب.
وتتجلى صورة أكثر خطورة في مغالطة تلبيس الآراء والأمنيات والرغبات، بل وتغليف الحقد والحسد الدفين بلباس الفتاوى والقداسة الشرعية، فيُستدعى الدين ليكون ستاراً لتبرير مواقف مختلة، وإسكات الأصوات، وتحييد المناصرين للمعتدى عليه، وهنا يبلغ الانحراف ذروته؛ لأن الخلل لم يعد فكرياً مجرداً، بل صار تزييفاً للدين نفسه، وإقحاماً له في غير موضعه، ومن يفعل ذلك، فإنه يمنح المعتدي الإيراني غطاءً زائفاً، ويمنحه حقاً لا يملكه، ويجعل من الباطل كأنه حق باسم الشرع، والدين والشرع من ذلك براء.
ومما يزيد المشهد تعقيداً، مغالطة «تقديس المواقف السابقة»، حيث يرفض البعض مراجعة موقفه أو تصحيحه، فقط لأنه أعلنه سابقاً، فيستمر في الدفاع عنه ولو تبين خطؤه، وكأن التراجع عن الخطأ هزيمة، لا شجاعة، بينما الحقيقة أن الثبات على الخطأ هو الهزيمة بعينها، وأن الرجوع إلى الحق هو أعظم صور القوة.
إن وضوح المفاهيم في مثل هذه اللحظات ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة لحماية الوعي، وصيانة الصف، ومنع الانزلاق إلى فوضى فكرية تُربك المواقف وتُضعف المجتمعات، فنحن لا نحتاج فقط إلى قوة ترد العدوان، بل إلى وعي يضبط البوصلة، ويُميز بين الحق والباطل، ويضع كل قضية في موضعها الصحيح، فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على العقول أيضاً، ومن يبرر العدوان الإيراني يشارك –شاء أم أبى– في عدوان أشد خطراً، لأنه يهدم الأساس الذي تُبنى عليه كل المواقف؛ وضوح الحق، وثبات المبدأ، وعدالة الميزان.
وخير ما يستعين به المسلم في مواجهة هذا العدوان الغاشم على المفاهيم أن يلجأ إلى الله، ويكثر من الدعاء الصادق الذي يثبت القلب ويهدي البصيرة؛ اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق