وقفات مع آيات (37).. سكرة الموت
قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾.
نعلم أننا سنموت، لكننا نعيش كثيرًا من أيامنا كأن هذه الحقيقة تخص غيرنا. نرتب أعمالنا، ونؤجل واجباتنا، ونطمئن إلى فسحة نرجوها في العمر، حتى يأتي الموت فيقطع التأجيل، ويضع الإنسان أمام ما شغلته الحياة عنه.
وسكرة الموت شدته التي تغشى الإنسان عند مفارقة الحياة. وقد قال النبي ﷺ في مرض وفاته: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات».
وقد عانى منها رسول الله ﷺ، وهو أكرم الخلق على الله. ومن شدة هذه الحال أن القرآن ضرب بها المثل في تصوير فزع المنافقين عند الخطر، فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾.
فالآية تصف خوفهم في الحرب بصورة محسوسة تشبه اضطراب من تغشاه شدة الموت.
ثم يقف بنا القرآن عند فراش المحتضر، وبين أهله الذين ينظرون إليه:
﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾.
ما أشد وقع قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾.
يكون أحب الناس إلينا قريبًا منا، نراه ونلمسه، ونتمنى أن نبذل له كل ما نستطيع. نأخذ بأسباب العلاج ونرجو نفعها، لكننا لا نملك أن نرد الروح إذا جاء الأجل.
وأستحضر هنا لحظة وفاة الوالد، رحمه الله. فقد ألمّت به وعكة صحية شديدة، أُدخل على أثرها العناية المركزة، وكان في غيبوبة، وكنت أنا وأخي نتناوب البقاء عنده.
وفي مساء أحد الأيام، كنت جالسًا ملاصقًا لسريره، وكان الجزء العلوي من جسده مكشوفًا، وقد وُصل بأجهزة المراقبة.
وفجأة رأيت بقعًا داكنة جدًّا تنتشر على جسده، فاضطربت وناديت الممرضة، فأسرعت تستدعي الطبيب.
لم تمض إلا لحظات حتى أحاط عدد من الأطباء بالسرير، وأسدلوا الستائر، وطلبوا مني الابتعاد. ثم سمعت صوت جهاز الإنعاش، وعلمت أنهم يحاولون إنعاش قلبه بالصدمات الكهربائية.
تكررت المحاولات، وأنا في حيرة وذهول. وبعد دقائق خرجوا تباعًا، وأقبل عليّ الطبيب يعزيني قائلًا: “والدك انتقل إلى رحمة الله”.
سارعت إليه، وكشفت عن جسده، فإذا البقع التي رأيتها قد اختفت. وقد خطر لي أن ما شاهدته ربما كان متصلًا بنزع الروح، لكنني لا أعلم تفسيره، ولا أجزم بصلته بذلك.
وبقي في نفسي عجز الإنسان في تلك اللحظة: كنت إلى جواره، قريبًا منه، ولم أملك أن أبقيه معي. رحم الله والدي، وأحسن إليه.
وقد يبقى المحتضر واعيًا، مشغولًا بمصير أهله من بعده. وحين حضر يعقوبَ عليه السلام الموتُ، سأل بنيه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾. كان همه إيمانهم بعد غيابه؛ وهي وقفة تدعونا إلى التفكير فيما نتركه في أهلنا، إلى جانب ما نتركه لهم.
وقد يكون حضور الموت ساعة ندم على عمر مضى في التفريط:
﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾.
يتمنى الرجوع ليعمل ما كان يستطيع عمله، فيأتيه الجواب: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾.
وتبقى التوبة مقبولةً ممن استوفى شروطها قبل الغرغرة ومعاينة الموت؛ قال النبي ﷺ: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر».
ومن شواهد فوات أوانها إقرار فرعون حين أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾،
فجاءه الرد: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. فلا نؤجل الرجوع إلى الله حتى نطلب فرصة كانت بين أيدينا.
ونحن نقرأ هذه الآيات، نوقن بالموت، لكننا لا نعلم متى يحين أجلنا، ولا أين تكون نهايتنا.
فليجعلنا هذا اليقين أحرص على ما بقي من الحياة: نرد حقًا، ونصل رحمًا، ونعتذر عن إساءة، ونبادر بتوبة.
نعمل ونرجو رحمة الله، ونسأله حسن الخاتمة، ونذكر أحبتنا الذين سبقونا بالدعاء.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق