الخميس، 24 سبتمبر 2026

أيهما أفضل.. زعيم قوي أم مؤسسة قوية؟

أيهما أفضل.. زعيم قوي أم مؤسسة قوية؟
د. جاسم الجزاع


عند قراءتنا للتاريخ القديم نجد أنه عندما مات الإسكندر المقدوني الأكبر، لم يترك خلفه مؤسسة قوية قادرة على إدارة الإمبراطورية التي صنعها بقوته وبأسه، بل ترك مساحة واسعة وفراغا كبيرا ينتظران من يملأهما، ولهذا سرعان ما تنازع قادته من بعده على إرثه، وتفتت إمبراطوريته الكبرى رغم اتساعها وقوة جيوشها، فالمشكلة لم تتمركز في شخص الإسكندر، بل المعضلة تكمن في أن الدولة كانت مرتبطة بشخصه أكثر مما كانت مرتبطة بنظام يستطيع البقاء بعده زمنا طويلاً.


وكثيرًا ما تُختصر قوة الدول في صورة زعيم قوي، من صفاته أنه سريع القرار، وحاضر في كل تفاصيل المشهد، وقادر على فرض النظام والهيبة وإنهاء الخلافات بكلمة واحدة منه، وخاصة تتجلى هذه الصفات في لحظات الأزمات، فيبدو هذا النوع من الزعماء ضرورة لا غنى عنها ـ إذ تحتاج الدولة أحيانًا إلى من يحسم الأمر ولا يطيل النقاش، وإلى من يتحمل مسؤولية القرار بدل أن يلقيها على الآخرين.

وهنا تكون المشكلة.. حين تتحول قوة الزعيم من وسيلة لحماية الدولة إلى بديل عن الدولة نفسها، فقوة الزعماء تقوم غالبًا على شخص الزعيم، في حضوره، كاريزميته، وقدرته على الإقناع، وقدرته على صناعة شبكة الولاءات من حوله، ولذلك قد تكون هذه القوة فعالة وسريعة، لكنها تظل مرتبطة بشخصه وحياته وصحته ومزاجه، فإذا غاب الزعيم أو رحل من الدنيا، غاب معه استقرار الدولة، وظهرت الخلافات التي كان وجوده يؤجلها أو يخفيها.


أما قوة المؤسسات، فهي لا تقوم على وجود شخص واحد، بل على قوة القواعد والإجراءات وتوزيع الصلاحيات بين المعنيين والهيكل التنظيمي الداخلي وعلاقة المؤسسات مع الأطراف الخارجيين، والمؤسسة القوية لا تحتاج إلى شخص ذي عبقرية دائمة على رأسها، بقدر ما تحتاج إلى أن تمتلك نظامًا يحفظ الاستمرار، ويمنع القرار من أن يتحول إلى نزوة شخصية، ويجعل انتقال السلطة أقل اضطرابًا وأكثر سلاسة، فقد تكون المؤسسة أبطأ إيقاعاً من سرعة القائد أو الزعيم، لكنها أكثر قدرة على البقاء والاستمرار، وأقل تعرضًا للانهيار عند غياب الأفراد.

فالقيادي القوي يستطيع أن يبني مشروعًا قوياً، لكن المؤسسة القوية بنظامها الداخلي وقوانينها تستطيع أن تحمي المشروع بعد غياب القيادي الذي صنعه، وتستطيع أن لا تجعل ما فعلته أيادي القيادي والزعيم الملهم عبارة عن محطة عابرة في مسيرة المؤسسة تنتهي بوفاته وتنهار بعده.

لذلك ليس المطلوب أن تكون دولنا وأنظمتنا بلا زعماء أقوياء، فالدول تحتاج بالطبع إلى القيادي الاستثنائي وصاحب الرؤية والقرار الشجاع، لكن هناك فرقا بين زعيم يبني دولته ومؤسسته ويزرع فيها بذور الاستمرار عن طريق تقوية مؤسساته من الداخل وبين زعيم غرق في زهو إنجازاته وانشغل بصورته وحده، ونسي أن يجاوب على التساؤل التالي: كيف أجعل الدولة قادرة على الاستمرار من دوني ومن بعدي؟

فقد أدرك جورج واشنطن أن قوة الدولة لا تُقاس بقدرته على البقاء طويلاً في السلطة، فغادر الرئاسة طوعًا، وأسهم في بناء نظام سياسي جعل مؤسسات الدولة أقوى من مؤسسها، وقادرة على الاستمرار بعد رحيله، فالزعيم الحق هي الذي يصنع المؤسسات الراسخة في ديمومتها ومناط ذلك عدم الارتهان للأشخاص.


* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق