الجمعة، 25 سبتمبر 2026

حضارة ثمود بين نعمة التمكين وسُنّة الهلاك

حضارة ثمود بين نعمة التمكين وسُنّة الهلاك

د. علي محمد الصلابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۝٧٤﴾ [الأعراف: 74]:
إن الآية الكريمة تُبيّن لنا تذكيرَ صالحٍ (عليه السلام) لقومه لهم، وأثر النعمة والتمكين في الأرض لثمود، كما نلمح طبيعة المكان الذي كانوا يعيشون فيه، فهو سهل وجبل، وقد كانوا يتّخذون في السهول القصور، وينحتون في الجبال البيوت، فهي حضارة عمرانيّة واضحة المعالم في هذا النصّ القصير.

أ- ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾:
يُذكّرهم صالح (عليه السلام) باستخلاف الله لهم من بعد عاد، وإن لم يكونوا في أرضهم ذاتها، ولكنّهم يبدو أنّهم كانوا أصحاب الحضارة العمرانيّة التالية في التاريخ لحضارة عاد، وأنّ سلطانهم امتدّ خارج الحِجر أيضاً، وبذلك صاروا خلفاء ممكّنين في الأرض، محكّمين فيها.
ب- ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾:
أي: أنزلكم في الأرض منازل صالحة، أي: جعل لكم مساكن صالحة فيها وأزواجاً.
جـ- ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾:
يقول الراغب في مفرداته: السهل ضد الحزَن وجمعه سهول، قال: ﴿مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾، وأسهل: دخل في السهل، وكلمة سهولاً من الفرائد القرآنيّة: من أكثر الألفاظ دلالة على المراد بحروفها السهلة الليّنة الرخوة التي تنمّ عن استواء هذه الأرض وانبساطها وانقيادها لهم، ممّا مكّنهم من بناء القصور فيها، كما أنّ معناها يومئ -من طرْف خفي- إلى سهولة أحوالهم ويُسر معيشتهم وكثرة أرزاقهم وأنّهم كانوا يعيشون في رغد من العيش، كما قال تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ ۝١٤٦ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۝١٤٧ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ۝١٤٨﴾ [الشعراء: 146-148].
وهذا -لا شك- يكون ألصق بحياة من يعيشون في السهول، فالسهول مشهورة بخصوبة تربتها، وكثرة زرعتها ما بين حدائق غنّاء وبساتين فيحاء، وزروع ناضرة، ونخيل باسقة مثمرة، وعيون كثيرة، وجداول رقراقة، ومن ثمّ بنوا القصور الكثيرة في كلّ موضع من تلك السهول المحفوفة بالجنّات والعيون والزروع والنخيل كما هو مدلول ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ سُهُولِهَا﴾ لدى كثير من المفسّرين.
ولذلك قيل: كانوا يسكنون السهول في الصف، والجبال في الشتاء، وهذا يدلّ على أنّهم كانوا مُتنعّمين مُترفين
(نبي الله صالح، الصلابي، ص48).
وتدلّ كلمة ﴿سُهُولِهَا﴾ على تميّز هذه السهول بسمات وخصوصيّات لا توجد في غيرها كما بيّنّا سلفاً. و(سهول) جمع تكسير للكثرة ممّا يدلّ على كثرتها وتنوّعها واتساعها وامتلائها بالخيرات والنعم التي لا تُحصى كما حكاه القرآن عنهم، ممّا يدلّ على تفرّدهم بحضارة عمرانيّة زراعيّة رائعة. كما أنّ لفظ (سهول) أكثر التصاقاً وأشدّ اتصالاً بكلمة (القصور)، فإنّ القصور المبنيّة في الأرض السهلة تكون أمكن وأثبت وأروع وأفخم وأجمل.
وتُشير كلمة ﴿مِنْ سُهُولِهَا﴾ إلى تفرّد موضعها فلم يرد في الذكر الحكيم عن قوم آخرين أنّهم اتخذوا من السهول قصوراً، إلّا قوم صالح وهي خصيصة اختصّوا بها على غيرهم من الأمم، كما أثبتها لهم القرآن في موضع واحد لم يتكرّر
(الأسرار البلاغية في الفرائد القرآنية، سرحان، ص61).
د- ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾:
أي: تتّخذون البيوت من الجبال، والنحت: الأخذ من الشيء لتجعله على صورة مخصوصة، كنحت النحيت والضم والبيت من خشب وحجر ونحوهما، ويكون في الأجسام الصلبة المحتملة لذلك، وقد يتجوّز في غيرها.
- ﴿الْجِبَالَ﴾؛ جمع جبل، وهو الأرض الناتئة على غيرها مرتفعة. والجبال: ضدّ السهول.
- ﴿بُيُوتًا﴾؛ والبيوت جمع بيت، وهو المكان المحدد المتّخذ للسكن، سواء كان مبنيّاً من حجر، أم كان من أثواب الشعر أو صوف، وفعل النحت يتعلّق بالجبال لأنّ النحت يتعلّق بحجارة الجبال.
وانتصب ﴿بُيُوتًا﴾ على الحال من الجبال،
أي: صائرة بعد النحت بيوتاً، لأن الجبل لا يكون حاله حال البيوت وقت النحت، ولكن يصير بيوتاً من النحت.
ومحلّ الامتنان هو أن جعل منازلهم قسمَين:
- قسم صالح للبناء فيه.
- وقسم صالح لنحت البيوت، قيل: كانوا يسكنون في الصيف القصور، وفي الشتاء البيوت المنحوتة في الجبال
(التحرير والتنوير، ابن عاشور، (4/305).
ولقد جمعت الحضارة الثموديّة بين رفاهية العمران وفخامته، وبين إنشاء الحدائق وغرس الجنان.
هـ- ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾:
- ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾؛ نعمه التي لا تُحصى، وما حولكم من الفضل والرزق والقوّة، فتذكّروا نِعم الله عليكم، واشكروها له، بتوحيده، وإفراده بالعبادة، واستعمالها فيما فيه صلاحكم، ولا تستبدلوا الكفر بالشكر، فتعثَوا في الأرض مفسدين.
فدعا صالح (عليه السلام) قومه إلى تَذكّر نِعم الله المتتالية، النعمة تلوَ الأُخرى من النعم العظيمة.
- ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾؛ حذّرهم، ونهاهم عن العُثوّ، وهو أشدّ الفساد؛ أي: لا تتمادَوا في الفساد بالقتل، والشرك والظلم في إهلاك الحرث والنسل، ولا تخربوا الأرض بالفساد والمعاصي، فإنّ المعاصي تدع الديار العامرة بلاقع.
فالإعراض عن عبادة الله تعالى ودينه وشرعه، يؤدّي إلى نشر الفساد، فنعم الله كثيرة والأرض صالحة للعيش الكريم السعيد، فلا تفسدوها بموالاة الشيطان، واتباع الشهوات والملذات والأهواء
(نبي الله صالح، سابق، ص50).
وفي تذكير صالح (عليه السلام) لقومه في الآية الكريمة: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ....﴾، حيث تحدّث العلماء عن تفسيرها، واستخرجوا منها فوائد ودروس ومواعظ وعبَر كثيرة منها:
- قال الشيخ السعدي (رحمه الله):
وبالجملة، فالبنايات للقصور والحصون والدور وغيرها من الأبنية، إمّا أن تتّخذ مساكن للحاجة إليها، والحاجات تتنوّع وتختلف، فهذا النوع من الأمور المباحة، وقد يتوصّل به بالنيّة الصالحة إلى خير. وإمّا أن تكون البنايات حصوناً واقية لشرور الأعداء وثغوراً تحفظ به البلاد ونحوها، ممّا ينفع المسلمين ويَقِيهم الشرَّ، فهذا النوع يدخل في الجهاد في سبيل الله، وهو داخل في الأمر باتخاذ الحذر من الأعداء.
وإمّا أن يكون للفخر والخيلاء، والبطش بعباد الله، وتبذير الأموال التي يتعيّن صرفها في الطرق النافعة، فهذا النوع هو المذموم الذي أنكره الله على عاد وغيرها.
- وقال الشيخ الدكتور محمّد مصطفى الزحيلي -رحمه الله-:
كان قوم ثمود امتداداً لقوم عاد، وكان الله تعالى قد منحهم القوّة والبسطة في الجسم والمال، فشيّدوا المدن، وأقاموا القصور والعمران، ونحتوا الجبال لتكون لهم حصوناً ليأمنوا غوائل الدهر، وفتحوا الطرقات، وغرسوا الحدائق وفجّروا خلالها العيون واعتقدوا أنّهم خالدون في هذه الحياة، وغفلوا عن الله تعالى، بل عبدوا الأصنام والأوثان، فأرسل الله تعالى إليهم نبيّهم صالح (عليه السلام)، ليُسدّد مسيرتهم، ويُصحّح عقيدتهم، ويُرشدهم إلى الطريق السويّ، فأبَوا وأصرّوا على الكفر والعناد.
وأقاموا البناء والعمران، وظنّوا أنّهم خالدون فيها، وآمنون من غوائل الدهر، فلم يُنكر عليهم صالح (عليه السلام) ذلك، ولكن حذّرهم الغفلة، وأمرهم بعبادة الله تعالى.
وهذا شرع الله تعالى -كما مرّ سابقاً في قوم عاد- في طلب البناء والعمران، ولكن لتبقى في مكانتها في الحياة، ولا تؤدّي لإنكار الله تعالى واليوم الآخر.
وهذا ما دعا إليه الإسلام، ونفّذه المسلمون في حضارتهم، ولكنّ البشريّة في معظمها اليوم تسلك منهج عاد وثمود في البناء والانشغال في الدنيا، والتطاول في البنيان وهو ما يجب تجنّبه خشية الدمار والهلاك، والزلازل والأعاصير، وخسران الدنيا والآخرة
(شرعة الله للأنبياء، الزحيلي، ص118).
و- تحريم الإفساد في الأرض:
- ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾؛ إنّ صالح (عليه السلام) ينهى قومه عن التمادي في الفساد، وهذا يُبيّن أنّ ظاهرة الفساد مشكلة اجتماعيّة وسياسيّة وفكريّة ثابتة متأصّلة في المجتمعات الإنسانيّة قديماً وحديثاً.
- والفساد في اللغة: نقيض الصلاح، والمفسدة خلاف المصلحة، والاستفساد خلاف الاستصلاح.
وقال الراغب الأصفهاني:
الفساد خروج الشيء عن الاعتدال، قليلاً كان الخروج أو كثيراً، ويُضادّه الصلاح ويُستعمَل ذلك في النفس والدين.
وعرّفَ الكفويُّ الفسادَ قائلاً:
إنّه أعمّ من الظلم؛ لأنّ الظلم: النقص، فإنّ من سرق مال الغير فقد نقص حقّ الغير، والفساد يقع على ذلك وعلى الابتداع واللهو واللعب.
ومن أهمّ المعاني اللغويّة المستخلفة للفساد المجرّد هي:
− نقيض الصلاح أو الاستصلاح.
− أخذ المال ظلماً.
− خروج الشيء عن الاعتدال قليلاً كان ذلك أم كثيراً.
− أنّه عام يشمل اللهو والابتداع واللعب.
− أنّه شامل لقطع الأرحام.
− أنّه يقع في النفس والبدن، وغير ذلك من المعاني.
وقد عرّف علماءُ التفسير الإفسادَ، فقال الطبريّ (رحمه الله): "الإفساد في الأرض، العمل فيها بما نهى الله جلّ ثناؤه عنه، وتضييع ما أمر الله بحفظه، فذلك جملة الإفساد".
ويعني بما نهى الله عنه: ارتكاب المعاصي، وتضييع ما أمر الله بحفظه، وترك الفرائض والحدود، ونحوها ممّا يترتب على تضييعه فساد وإفساد أمّا ابن كثير -رحمه الله- فقال:
الفساد: الكفر والعمل بالمعصية (نبي الله صالح، الصلابي، سابق، ص53).
إنّ صالح (عليه السلام) حارب الفساد العقديّ والاجتماعيّ والسياسيّ، وكلّ أشكاله، وأنواعه من الشرك، أو الأذيّة للخلق، فرسالة الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) في الأرض، تحارب الفساد، وتتصدّى له، وتعمل على تقليصه، وتخليص الناس منه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
استمرّ صالح (عليه السلام) في دعوته، واستجاب له فئة قليلة من عامة قومه، وأبى أكثرهم، وانضمّوا إلى الأعيان والوجهاء (الملأ)، وتعرّض المؤمنون للأذى والسخرية. وعرضت لنا الآياتُ مشهداً من مشاهد المواجهة بين الفئة الضعيفة المؤمنة، وبين زعماء الكفر والضلال ومن وقف معهم (التفسير الموضوعي (م3/ص95).
المراجع:
• الأسرار البلاغية في الفوائد القرآنية، عبد الله عبد الغني سرحان، دار الحضارة للنشر والتوزيع، 2012م.
• التحرير والتنوير، تفسير التحرير والتنوير، الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، 1983م.
• شرعة الله للأنبياء، محمد مصطفى الزحيلي، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الأولى، 2018م.
• نبي الله صالح، د. علي محمد الصلابي، دار ابن كثير.
• التفسير الموضوعي مجموعة باحثين، إشراف د. مصطفى مسلم، كلية الدراسات العليا والبحث العلمي بجامعة الشارقة، الإمارات، طبعة 1431هـ- 2010م.







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق