الخميس، 24 سبتمبر 2026

حسن الخاتمة.. حين تحمل العقيدة الإنسان في لحظاته الأخيرة

 حسن الخاتمة.. حين تحمل

 العقيدة الإنسان في لحظاته الأخيرة



مهند أحمد الحداد
ناشط فلسطيني يُعنى بقضايا الأمة الإسلامية

الكاتب: الامتحان الحقيقي لما استقر في داخل الإنسان يظهر عندما تضيق به الأسباب التي كان يتكئ علي

  • حين تكتب العقيدة وصيتها الأخيرة

في مشهد يتكرر أمامنا كثيرا هذه الأيام، جسد ممدد أنهكه الألم، وأيد من حوله تحاول أن تسعف أو تودع، وبين كل هذا الوجع ترتفع إصبع واحدة نحو السماء. قد تبدو تفصيلا صغيرا في مشهد أكبر منها، لكنها بالنسبة للمسلم تحمل معنى يعرفه جيدا؛ إنها إصبع التوحيد التي اعتاد أن يرفعها في تشهده، وكأن الجسد، حين يعجز اللسان عن الكلام، يتمسك بآخر ما يستطيع التعبير عنه: "لا إله إلا الله ".

كلما رأيت مشهدا كهذا، لا يشغلني الموت وحده بقدر ما يشغلني سؤال آخر: ما الذي يمكن أن يسكن قلب الإنسان طوال حياته، حتى يبقى حاضرا معه عندما تتراجع الدنيا كلها من حوله؟

إن إصبع التوحيد في نهاية الطريق تعيدني دائما إلى بدايته. فإن كنا نرجو أن تكون "لا إله إلا الله " حاضرة معنا في آخر لحظاتنا، فالأولى أن تكون حاضرة في أيامنا العادية؛ في اختياراتنا، وفي خلواتنا، وفي خوفنا ورجائنا

حين يصبح الجسد شاهدا

في اللحظات القاسية تتساقط أشياء كثيرة، وتضعف القوة، ويخفت الصوت، ولا يعود للإنسان متسع للكثير مما كان يشغله من قبل، ويبقى ما رسخ في داخله. لهذا يصعب علي أن أرى الإصبع المرفوعة في مثل هذه المشاهد باعتبارها تفصيلا عابرا، فهي تستدعي معنى عاشه المسلم آلاف المرات في صلاته وذكره: أن الله واحد، وأن هذه الدنيا مهما طالت فهي زائلة، وأن نهاية الطريق إليه سبحانه.

لا خطبة هنا، ولا كلمات منتقاة، ولا مشهد أعد سلفا؛ جسد أنهكه الألم، وإصبع نحو السماء، وصمت يقول الكثير. ولعل وقع هذه الصورة علينا اليوم أشد؛ فنحن نعيش في أرض أثقلتها الحرب، وكثرت فيها مشاهد الوداع، وغاب فيها من الأحبة أكثر مما تحتمله القلوب. أصبحنا نعرف معنى أن يكون الإنسان حاضرا بين أهله، ثم يتحول فجأة إلى اسم وصورة وذكرى ودعاء.

ومع ذلك، يبقى في القلب شيء آخر إلى جانب الحزن: الرجاء. رجاؤنا في رحمة الله، وفي كرمه، وفي الأجر الذي أعده للشهداء، وهذا الرجاء لا يلغي ألم الفقد، ولا يجعل الغياب هينا؛ فمن ذاق فقد عزيز يعرف أن بعض الأماكن تظل فارغة مهما مر عليها الزمن، لكنه يمنح القلب قدرة على أن ينظر أبعد من حدود هذه الدنيا، وأن يؤمن بأن الموت ليس نهاية الحكاية، وأن ما عند الله خير وأبقى.

رسالة بقيت لنا

ربما لهذا لا أرى تلك الإصبع المرفوعة رسالة عن الموت فقط، بل رسالة لنا نحن الذين ما زلنا نملك شيئا من الوقت. نقضي أعمارنا في جمع أشياء كثيرة، وننشغل بمكانتنا وأرزاقنا وخلافاتنا ومخاوفنا، ونحسب لبعض الأمور حسابا أكبر مما تستحق، ثم تأتي لحظة واحدة لتعيد كل شيء إلى حجمه الحقيقي.

ماذا يبقى من ذلك كله عندما يقف الإنسان على آخر عتبات الدنيا؟ السؤال ليس ماذا امتلكنا، بل ماذا امتلك قلوبنا؟

وهذا هو المعنى الذي يعيدني إليه مشهد التوحيد. فـ"لا إله إلا الله " ليست كلمة نحتفظ بها للموت، ولا عبارة نرددها بألسنتنا ثم نمضي. إذا استقرت حقا في القلب، فإنها تعيد ترتيب أشياء كثيرة في حياة الإنسان: خوفه، ورجاءه، وعلاقته بالدنيا، ونظرته إلى الناس وإلى نفسه.

أن تعرف أن الأمر كله لله فحين أن تكون آمنا فهذا شيء، وأن يبقى هذا اليقين معك عندما تضيق الدنيا شيء آخر.

حسن الخاتمة لا يبدأ عند الموت. نرجو أن يكون ثمرة طريق طويل مع الله؛ صلاة لا يعلم بها إلا هو، وذكر في وقت الغفلة، وصدق حين يكون الكذب أسهل، وقلب يجاهد كل يوم حتى لا تصبح الدنيا أكبر همه

حين تحملك العقيدة

لطالما رأيت أن هناك فارقا بين أن تحمل العقيدة، وأن تحملك العقيدة أنت. قد يعرف الإنسان كثيرا، ويحفظ كثيرا، ويتحدث طويلا عن الإيمان، لكن الامتحان الحقيقي لما استقر في داخله يظهر عندما تضيق به الأسباب التي كان يتكئ عليها.

العقيدة التي تحمل صاحبها ليست فكرة مجردة في العقل. إنها التي تمنحه ميزانه حين تختلط الموازين، وترده إلى الله حين تتفرق به الطرق، وتذكره في الخوف بأن الأمر لله، وفي الفقد بأن اللقاء لم ينته، وفي الشدة بأن الدنيا، مهما قست وطالت، ليست الدار الأخيرة.

لهذا فإن إصبع التوحيد في نهاية الطريق تعيدني دائما إلى بدايته. فإن كنا نرجو أن تكون "لا إله إلا الله " حاضرة معنا في آخر لحظاتنا، فالأولى أن تكون حاضرة في أيامنا العادية؛ في اختياراتنا، وفي خلواتنا، وفي خوفنا ورجائنا، وفي الطريقة التي نعيش بها قبل أن نفكر في الطريقة التي سنرحل بها.

قبل أن يأتي ذلك اليوم

حسن الخاتمة لا يبدأ عند الموت. نرجو أن يكون ثمرة طريق طويل مع الله؛ صلاة لا يعلم بها إلا هو، وذكر في وقت الغفلة، وصدق حين يكون الكذب أسهل، وقلب يجاهد كل يوم حتى لا تصبح الدنيا أكبر همه.

ولعل هذا هو أكثر ما يبقى معي بعد كل مشهد من تلك المشاهد: إصبع واحدة مرفوعة إلى السماء، وجسد يودع الدنيا، وسؤال يعود إلينا نحن الأحياء:

على أي معنى نعيش، حتى نتمنى أن يبقى معنا حين يغيب كل شيء؟



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق