‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصطفى لطفي المنفلوطي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصطفى لطفي المنفلوطي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 20 أكتوبر 2025

دمعة على الإسلام



دمعة على الإسلام

مصطفى لطفي المنفلوطي

... أي عين يجمل بها أن تستبقي في محاجرها قطرة واحدة من الدمع، فلا تريقها أمام هذا المنظر المحزن، منظر أولئك المسلمين، وهم ركَّع سجَّد على أعتاب قبر، ربما كان بينهم مَنْ هو خير مِنْ ساكنه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته؟!

أيُّ قلب يستطيع أن يستقرَّ بين جنبي صاحبه ساعة واحدة، فلا يطير جزعًا حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر من المشركين إشراكًا بالله؛ وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة وكثرة المعبودات ؟!

لِمَ يَنْقِم المسلمون التثليث من المسيحيين؟ لِمَ يحملون لهم في صدورهم تلك المُوجِدَةَ وذلك الضغن؟ وعلام يحاربونهم؟ وفيم يقاتلونهم، وهم لم يبلغوا من الشرك بالله مبلغهم، ولم يغرقوا فيه إغراقهم؟!

يدين المسيحيون بآلهة ثلاثة، ولكنهم يشعرون بغرابة هذا التعدد، وبعده عن العقل، فيتأولون فيه ويقولون: إن الثلاثة في حكم الواحد. أما المسلمون فيدينون بآلاف من الآلهة أكثرها جذوع أشجار، وجثث أموات، وقطع أحجار، من حيث لا يشعرون !

كثيرًا ما يضمر الإنسان في نفسه أمرًا وهو لا يشعر به، وكثيرًا ما تشتمل نفسه على عقيدة خفية لا يحس باشتمال نفسه عليها، ولا أرى مثلًا أقرب من المسلمين الذين يلتجؤون في حاجاتهم ومطالبهم إلى سكان القبور، ويتضرعون إليهم تضرعهم للإله المعبود؛ فإذا عتب عليهم في ذلك عاتب، قالوا: إنا لا نعبدهم، وإنما نتوسل بهم إلى الله، كأنهم يشعرون أن العبادة ما هم فيه، وإن أكبر مظهر لألوهية الإله المعبود أن يقف عباده بين يديه ضارعين خاشعين، يلتمسون إمداده ومعونته، فهم في الحقيقة عابدون لأولئك الأموات من حيث لا يشعرون.

جاء الإسلام بعقيدة التوحيد؛ ليرفع نفوس المسلمين، ويغرس في قلوبهم الشرف والعزة والأنفة والحمية، وليعتق رقابهم من رقِّ العبودية، فلا يذلُّ صغيرهم لكبيرهم، ولا يهاب ضعيفُهم قويَّهم، ولا يكون لذي سلطان بينهم سلطان إلَّا بالحقِّ والعدل، وقد ترك الإسلام بفضل عقيدة التوحيد ذلك الأثر الصالح في نفوس المسلمين في العصور الأولى، فكانوا ذوي أنفة وعزة، وإباء وغيرة، يضربون على يد الظالم إذا ظلم، ويقولون للسلطان إذا جاوز حده [غير] سلطانه: قف مكانك، ولا تَغْلُ في تقدير مقدار نفسك، فإنما أنت عبد مخلوق، لا ربٌّ معبود، واعلم أنَّه لا إله إلا الله.

هذه صورة من صور نفوس المسلمين في عصر التوحيد، أمَّا اليوم وقد داخل عقيدتهم ما داخلها من الشرك الباطن تارة، والظاهر أخرى- فقد ذلَّت رقابهم، وخفقت رؤوسهم، وضرعت نفوسهم، وفترت حَمِيَّتهم، فرضوا بخطة الخسف، واستناموا إلى المنزلة الدنيا، فوجد أعداؤهم السبيل إليهم، فغلبوهم على أمرهم، وملكوا عليهم نفوسهم وأموالهم ومواطنهم وديارهم؛ فأصبحوا من الخاسرين.

والله لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم، ولن يبلغوا ما يريدون لأنفسهم من سعادة الحياة وهناءتها إلا إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة التوحيد، وإنَّ طلوع الشمس من مغربها، وانصباب ماء النهر في منبعه أقرب من رجوع الإسلام إلى سالف مجده، ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني، كما يقفون بين يدي الله، ويقولون للأول كما يقولون للثاني: أنت المتصرف في الكائنات، وأنت سيد الأرضين والسموات.

إنَّ الله أغير على نفسه من أن يسعد أقوامًا يزدرونه، ويحقرونه، ويتخذونه وراءهم ظهريًّا، فإذا نزلت بهم جائحة، أو ألمت بهم مُلمَّة ذكروا الحجر قبل أن يذكروه، ونادوا الجذع قبل أن ينادوه...

يا قادة الأمة ورؤساءها، عَذَرْنا العامة في إشراكها وفساد عقائدها، وقلنا: إنَّ العامي أقصر نظرًا، وأضعف بصيرة من أن يتصور الألوهية إلا إذا رآها ماثلة في النصب والأضرحة والقبور، فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب الله، وتقرؤون صفاتِه ونعوتَه، وتفهمون معنى قوله تعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ}[النمل: 65]، وقوله مخاطبًا نبيه: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا}[الأعراف: 188]، وقوله:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}.[الأنفال: 17].

إنَّكم تقولون في صباحكم ومسائكم وغدوكم ورواحكم:



وكلُّ خير في اتباع من سلف

وكلُّ شرٍّ في ابتداع من خلف


فهل تعلمون أنَّ السلف الصالح كانوا يجصصون قبرًا، أو يتوسَّلون بضريح؟ وهل تعلمون أنَّ واحدًا منهم وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو قبر أحد من أصحابه وآل بيته، يسأله قضاء حاجة، أو تفريج هَمٍّ؟ وهل تعلمون أنَّ الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله، وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين؟

وهل تعلمون أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل نهى عنها عبثًا ولعبًا؟ أم مخافة أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟

وأيُّ فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبور، ما دام كلٌّ منها يجرُّ إلى الشرك، ويفسد عقيدة التوحيد؟

والله ما جهلتم من هذا، ولكنكم آثرتم الحياة الدنيا على الآخرة؛ فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتكم، وانتقاض أمركم، وسلط عليكم أعداءكم، يسلبون أوطانكم، ويستعبدون رقابكم، ويخربون دياركم، والله شديد العقاب.

المصدر: 

كتاب (مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي الكاملة)، 

دار الجيل- بيروت، 1404هـ، 1984م، (1/313) بتصرف.

 الدرر السنية

الاثنين، 8 سبتمبر 2025

الدعوة*

الدعوة*

 مصطفى لطفي  المَنْفَلُوطي

ما من قائم يقوم في مجتمع من هذه المجتمعات البشرية داعيًا إلى ترك ضلالة من الضلالات، أو بدعة من البدع، إلا وقد آذن نفسه بحرب لا تُخمَد نارها، ولا يخبو أوارها حتى تهلك، أو يهلك دونها.

ليس موقف الجندي في معترك الحرب بأحرج من موقف المرشد في معترك الدعوة، وليس سلب الأجسام أرواحها، بأقرب منالًا من سلب النفوس غرائزها وميولها. ولا يظنُّ الإنسان بشيء مما تملك يمينه ظنَّه بما تنطوي عليه جوانحه من المعتقدات، وأنه ليبذل دمه صيانة لعقيدته، ولا يبذل عقيدته صيانة لدمه، وما سالت الدماء، ولا تمزقت الأشلاء في موقف الحروب البشرية، من عهد آدم إلى اليوم إلا حماية للمذاهب، وذودًا عن العقائد.

لذلك كان الدعاة في كلِّ أمة أعداءها وخصومها؛ لأنهم يحاولون أن يرزؤُها في ذخائر نفوسها، ويفجعونها في أعلاق قلوبها.

الدعاة أحوج الناس إلى عزائم ثابتة، وقلوب صابرة على احتمال المصائب والمحن التي يلاقونها في سبيل الدعوة؛ حتى يبلغوا الغاية التي يريدونها أو يموتوا في طريقها.

الدعاة الصادقون لا يبالون أن يُسميهم الناس خونة أو جهلة أو زنادقة أو ملحدين، أو ضالين، أو كافرين؛ لأن ذلك ما لا بد أن يكون.

الدعاة الصادقون يعلمون أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم، عاش بين أعدائه ساحرًا كذابًا، ومات سيد المرسلين؛ فهم يحبون أن يكونوا أمثال هؤلاء العظماء أحياءً وأمواتًا.

سيقول كثير من الناس: وما يغني الداعي دعاؤه في أمة لا تحسن به ظنًّا، ولا تسمع له قولًا، إنَّه يضرُّ نفسه من حيث لا ينفع أُمّته، فيكون أجهل الناس، وأحمق الناس.

هذا ما يوسوس به الشيطان للعاجزين الجاهلين، وهذا هو الداء الذي ألمَّ بنفوس كثير من العلماء، فأمسك ألسنتهم عن قول الحق، وحبس نفوسهم عن الانطلاق في سبيل الهداية والإرشاد، فأصبحوا لا عمل لهم إلا أن يكرروا للناس ما يعلمون، ويعيدوا عليهم ما يحفظون، فجُمِّدت الأذهان، وتبلّدت المدارك، وأصبحت العقول في سجنٍ مظلم، لا تطلع عليه الشمس، ولا ينفذ إليه الهواء.

الجهل غشاء سميك يغشي العقل، والعلم نارٌ متأججة تلامس ذلك الغشاء فتحرِقه رويدًا رويدًا، فلا يزال العقل يتألّم لحرارتها، ما دام الغشاء بينه وبينها، حتى إذا أتت عليه انكشف له الغطاء، فرأى النار نورًا، والألم لذة وسرورًا.

لا يستطيع الباطل أن يصرع الحقَّ في ميدان؛ لأنَّ الحقَّ وجود والباطل عدم، إنما يصرعه جهل بعض العلماء بقوته، ويأسهم من غلبته، وإغفالهم النداء به، والدعاء إليه.

محال أن يهدم بناء الباطل فرد واحد في عصر واحد، وإنما يهدمه أفراد متعددون، في عصور متعددة، فيهزه الأول هزة تباعد ما بين أحجاره، ثم ينقض الثاني منه حجرًا، والثالث آخر… وهكذا حتى لا يبقى منه حجر على حجر.

الجهلاء مرضى، والعلماء أطباء، ولا يجمل بالطبيب أن يحجم عن العمل الجراحي فرارًا من إزعاج المريض، أو خوفًا من صياحه وعويله، أو اتقاء لسبِّه وشتمه، فإنَّه سيكون غدًا أصدق أصدقائه، وأحبَّ الناس إليه.

وبعد؛ فقليل أن يكون الداعي في الأمة الجاهلة حبيبًا إليها إلا إذا كان خائنًا في دعوته، سالكًا سبيل الرياء والمداهنة في دعوته، وقليل أن ينال حظَّه من إكرامها وإجلالها، إلا بعد أن تتجرع مرارة الدواء، ثم تشعر بحلاوة الشفاء.

الدعاة في هذه الأمة كثيرون ملء الفضاء، وكظة 

{-الكظة: البطنة-} الأرض والسماء، ولكن لا يكاد يوجد بينهم داع واحد؛ لأنَّه لا يوجد بينهم شجاع واحد!

أصحاب الصحف وكتاب الرسائل والمؤلفون وخطباء الجامع وخطباء المنابر، كلُّهم يدعون إلى الحقِّ، وكلُّهم يعظون وينصحون، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولكن لا يوجد بينهم من يستطيع أن يحمل في سبيل الدعوة ضرًّا، أو يلاقي في طريقها شرًّا.

رأيت الدعاة في هذه الأمة -إلا من رحم الله- أربعة:

رجلًا يعرف الحقَّ، ويكتمه عجزًا وجبنًا؛ فهو ساكت طول حياته، لا ينطق بخير ولا شرٍّ.

ورجلًا يعرف الحقَّ وينطق به؛ ولكنه يجهل طريق الحكمة والسياسة في دعوته، فيهجم على النفوس بما يزعجها وينفرها، وكان خيرًا له لو صنع ما يصنعه الطبيب الماهر الذي يضع الدواء المرَّ في (برشامة)؛ ليسهل تناوله وازدراده.

ورجلًا لا يعرف حقًّا ولا باطلًا؛ فهو يخبط في دعوته خبط الناقة العشواء في بيدائها، فيدعو إلى الخير والشرِّ، والحقِّ والباطل، والضارِّ والنافع في موقف واحد، فكأنَّه جواد امرئ القيس الذي يقول فيه:

مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا.

– ورجلًا يعرف الحقَّ، ويدعو الأمة إلى الباطل دعوة المجدِّ المجتهد، وهو أخبث الأربعة وأكثرهم غائلة؛ لأنَّه صاحب هوى، يرى أنَّه لا يبلغ غايته منه، إلا إذا أهلك الأمة في سبيله، فهو عدوها في ثياب صديقها؛ لأنَّه يوردها موارد التلف والهلاك، باسم الهداية والإرشاد، فليت شعري من أي واحد من هؤلاء الأربعة تستفيد الأمة رشدها وهداها؟!

ما أعظم شقاء هذه الأمة، وأشد بلاءها! 

فقد أصبح دعاتها -إلا من رحم الله- في حاجة إلى دعاة، ينيرون لهم طريق الدعوة، ويعلمونهم كيف يكون الصبر والاحتمال في سبيلها، فليت شعري متى يتعلمون ثم يرشدون؟

 

المصدر: كتاب “مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله الكاملة”، دار الجيل – بيروت، 1404هـ، 1984م، [1/295]- بتصرُّف

الخميس، 23 فبراير 2023

الحرية

 الحرية

مصطفى لطفي المنفلوطي 
(ت: 1342هـ -1924م)
 
استيقظت فجر يوم من الأيام على صوت هرَّة تموء [المواء: صوت الهرة] بجانب فراشي وتتمسح بي، وتلح في ذلك إلحاحاً غريباً، فرابني أمرها، وأهمني همها، وقلت: لعلها جائعة. فنهضت، وأحضرت لها طعاماً فعافته، وانصرفت عنه، فقلت: لعلها ظمآنة. فأرشدتها إلى الماء فلم تحفل به، وأنشأت تنظر إليَّ نظرات تنطق بما تشتمل عليها نفسي من الآلام والأحزان؛ فأثَّر في نفسي منظرها تأثيراً شديداً، حتى تمنيت أن لو كنتُ سليمانَ أفهم لغة الحيوان؛ لأعرف حاجتها، وأفرج كربتها، وكان باب الغرفة مُرْتَجاً [أي: مقفلاً]، فرأيت أنها تطيل النظر إليه، وتلتصق بي كلما رأتني أتجه نحوه، فأدركت غرضها وعرفت أنها تريد أن أفتح لها الباب، فأسرعت بفتحه، فما وقع نظرها على الفضاء، ورأت وجه السماء، حتى استحالت حالتها من حزن وهمٍّ إلى غبطة وسرور، وانطلقت تعدو في سبيلها، فعدت إلى فراشي وأسلمت رأسي إلى يدي، وأنشأت أفكر في أمر هذه الهرة، وأعجب لشأنها وأقول: ليت شعري هل تفهم هذه الهرة معنى الحرية؛ فهي تحزن لفقدانها، وتفرح بلقياها؟ أجل، إنها تفهم معنى الحرية حق الفهم، وما كان حزنها وبكاؤها وإمساكها عن الطعام والشراب إلا من أجلها، وما كان تضرُّعها ورجاؤها وتمسحها وإلحاحها إلا سعياً وراء بلوغها.
وهنا ذكرت أن كثيراً من أسرى الاستبداد من بني الإنسان لا يشعرون بما تشعر به الهرة المحبوسة في الغرفة، والوحش المعتقل في القفص، والطير المقصوص الجناح من ألم الأسر وشقائه، بل ربما كان بينهم من يفكر في وجهة الخلاص، أو يتلمس السبيل إلى النجاة مما هو فيه، بل ربما كان بينهم من يتمنى البقاء في هذا السجن، ويأنس به، ويتلذذ بآلامه وأسقامه.
من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها: أن يكون الحيوان الأعجم أوسع ميداناً في الحرية من الحيوان الناطق، فهل كان نطقُه شؤماً عليه وعلى سعادته؟ وهل يجمل به أن يتمنى الخرس والبله ليكون سعيداً بحريته ...؟!
يحلق الطير في الجو، ويسبح السمك في البحر، ويهيم الوحش في الأودية والجبال، ويعيش الإنسان رهين المحبسين: محبس نفسه، ومحبس حكومته من المهد إلى اللحد.
صنع الإنسان القوي للإنسان الضعيف سلاسل وأغلالاً، وسماها تارة ناموساً وأخرى قانوناً؛ ليظلمه باسم العدل، ويسلب منه جوهرة حريته باسم الناموس والنظام.
صنع له هذه الآلة المخيفة، وتركه قلقاً حذراً، مروع القلب، مرتعد الفرائص، يقيم من نفسه على نفسه حراساً تراقب حركات يديه، وخطوات رجليه، وحركات لسانه، وخطرات وهمه وخياله؛ لينجو من عقاب المستبد، ويتخلص من تعذيبه، فويل له ما أكثر جهله! وويح له ما أشد حمقه! وهل يوجد في الدنيا عذاب أكبر من العذاب الذي يعالجه؟ أو سجن أضيق من السجن الذي هو فيه؟
ليست جناية المستبد على أسيره أنه سلبه حريته، بل جنايته الكبرى عليه أنه أفسد عليه وجدانه، فأصبح لا يحزن لفقد تلك الحرية، ولا يذرف دمعة واحدة عليها.....
 
كان يأكل ويشرب كل ما تشتهيه نفسه وما يلتئم مع طبيعته، فحالوا بينه وبين ذلك، وملؤوا قلبه خوفاً من المرض أو الموت، وأبوا أن يأكل أو يشرب إلا كما يريد الطبيب، وأن يقوم أو يقعد أو يمشي أو يقف أو يتحرك أو يسكن إلا كما تقضي به قوانين العادات والمصطلحات.
لا سبيل إلى السعادة في الحياة، إلا إذا عاش الإنسان فيها حرًّا مطلقاً، لا يسيطر على جسمه وعقله ونفسه ووجدانه وفكره مسيطر إلا أدب النفس.
الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس، فمن عاش محروماً منها عاش في ظلمة حالكة، يتصل أولها بظلمة الرحم، وآخرها بظلمة القبر.
الحرية هي الحياة، ولولاها لكانت حياة الإنسان أشبه شيء بحياة اللُّعب المتحركة في أيدي الأطفال بحركة صناعية.
ليست الحرية في تاريخ الإنسان حادثاً جديداً، أو طارئاً غريباً، وإنما هي فطرته التي فُطر عليها ...
إن الإنسان الذي يمدّ يديه لطلب الحرية ليس بمتسوِّل ولا مستجد، وإنما هو يطلب حقًّا من حقوقه التي سلبته إياها المطامع البشرية، فإن ظفر بها فلا منة لمخلوق عليه، ولا يد لأحد عنده.
المصدر: كتاب (مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي الكاملة، دار الجيل- بيروت، 1404هـ، 1984م، (1/127) بتصرف.

الأربعاء، 26 أكتوبر 2022

الدَّفِينُ الصَّغِير

الدفين الصغير من كتاب النظرات للمنفلوطي


الآنَ نفَضْتُ يدي من تراب قبرك يا بني، وعدتُ إلى منزلي كما يعود القائدُ المنكسر من ساحةِ الحرب لا أملِك إلا دمعة لا أستطيعُ إرسالها، وزَفْرة لا أستطيع تصعيدَها؛ ذلك لأن اللهَ الذي كتَب لي في لوح مقاديره هذا الشقاءَ في أمرك، فرزقني بك قبل أن أسأَلَه إياك، ثم استلبك مني قبل أن أستعفيَه منك - قد أراد أن يتممَ قضاءه فيَّ، وأن يجرِّعَني الكأسَ حتى ثمالتها، فحرَمني حتى دمعةً أرسلها، أو زفرة أصعِّدها، حتى لا أجد في هذه، ولا تلك ما أتفرَّج به مما أنا فيه؛ فله الحمد راضيًا وغاضبًا، وله الثناء منعِمًا وسالبًا، وله مني ما يشاءُ من الرِّضا بقضائه، والصبر على بلائه.

 

رأيتُك يا بني في فراشك عليلاً فجزِعْتُ، ثم خِفتُ عليك الموت ففزِعْتُ، وكأنما كان يخيَّلُ إلي أن الموت والحياة شأنٌ من شؤون الناس، وعملٌ من الأعمال التي تملِكها أيديهم، فاستشرت الطبيبَ في أمرك، فكتب لي الدواء، ووعَدني بالشفاء، فجلست بجانبك أصبُّ في فمك ذلك السائلَ الأصفر قطرةً قطرة، والقدَر ينتزع من بين جنبيك الحياةَ قطعةً قطعة، حتى نظرتُ فإذا أنت بين يدي جثةٌ باردة لا حراك بها، وإذا قارورة الدواء لا تزال في يدي، فعلمتُ أني قد ثكِلْتُك، وأن الأمر أمرُ القضاء، لا أمر الدواء.

 

سأنام يا بنيَّ بعد قليل على فِراشٍ مثلِ فراشك، وسيُعالج مني المقدار ما عالَج منك، وأحسب أن آخرَ ما سيبقى في ذاكرتي في تلك الساعة من شؤون الحياة وأطوارها، وخطوبها وأحداثها، هو الندمُ العظيم الذي لا أزال أكابد ألَمَه على تلك الجُرَع المريرة التي كنت أجرِّعُك إياها بيدي، وأنت تجُود بنفسك فيربَدُّ وجهك، وتختلج أعضاؤك، وتدمَعُ عيناك، وما لك يد فتستطيع أن تمدَّها إليَّ لتدفعَني عنك، ولا لسان فتستطيع أن تشكو إليَّ مرارة ما تذوق.

 

لقد كان خيرًا لي ولك يا بني أن أكِل إلى الله أمرَك في شفائك ومرضك، وحياتك وموتك، وألا يكون آخرُ عهدك بي يوم وداعك لهذه الدنيا تلك الآلامَ التي كنتُ أجشِّمُك إياها؛ فلقد أصبحتُ أعتقد أنني كنتُ عونًا للقضاء عليك، وأن كأس المنية التي كان يحملها لك القدرُ في يده لم تكُنْ أمرَّ مذاقًا في فمك من قارورة الدواء التي كنت أحمِلُها لك في يدي.


ما أسمَجَ وجهَ الحياة من بعدك يا بني! وما أقبَحَ صورةَ هذه الكائنات في نظري، وما أشدَّ ظُلمةَ البيت الذي أسكنه بعد فِراقِك إياه! فلقد كنتَ تطلُع في أرجائه شمسًا مشرقة تضيء لي كلَّ شيء فيه، أما اليوم فلا ترى عيني مما حولي أكثرَ مما ترى عينُك الآن في ظلمات قبرِك.

 

بكى الباكون والباكيات عليك ما شاؤوا، وتفجَّعوا ما تفجَّعوا، حتى إذا استنفدوا ماءَ شؤونهم، وضعُفت قُواهم عن احتمال أكثرَ مما احتملوا، لجؤوا إلى مضاجعهم فسكنوا إليها، ولم يبقَ ساهرًا في ظلمة هذا الليل وسكونه غيرُ عينين قريحتين، عين أبيك الثاكل المسكين، وعين أخرى أنت تعلَمُها.

 

لقد طال عليَّ الليلُ حتى مللتُه، ولكنني لا أسأل اللهَ أن ينفرج لي سواده عن بياض النهار؛ لأن الفجيعةَ التي فُجِعْتُها بك يا بنيَّ لم تُبْقِ بين جنبيَّ بقيةً أقوى بها على رؤية أثر من آثار حياتك، فليت الليلَ باقٍ حتى لا أرى وجه النهار، بل ليت النهار يضيء؛ فقد مللتُ هذا الظلام.

 

دفنتُك اليوم يا بني، ودفنتُ أخاك من قبلك، ودفنتُ من قبلكما أخويكما؛ فأنا في كل يوم أستقبل زائرًا جديدًا، وأودع ضيفًا راحلاً، فيا لله لقلب قد لاقى فوق ما تلاقي القلوبُ، واحتمل فوق ما تحتمل من فوادح الخطوب!

 

لقد افتَلَذ كلٌّ منكم يا بَنيَّ من كبدي فِلذةً؛ فأصبحتْ هذه الكبدُ الخرقاء مزقًا مبعثرة في زوايا القبور، ولم يبقَ لي منها إلا ذماء قليل لا أحسبه باقيًا على الدهر، ولا أحسب الدهرَ تاركه دون أن يذهب به كما ذهب بأخواته من قبل.

 

لماذا ذهبتم يا بَنِيَّ بعدما جئتم؟ ولماذا جئتم إن كنتم تعلَمون أنكم لا تقيمون؟


لولا مجيئُكم ما أسفتُ على خلوِّ يدي منكم؛ لأنني ما تعودتُ أن تمتد عيني إلى ما ليس في يدي، ولو أنكم بقيتم بعدما جئتم ما تجرَّعت هذه الكأسَ المريرة في سبيلكم.

 

لقد كنت أرضى من الدهر في أمركم أن يتزحزح لي عن طريقي التي أسير فيها، وأن يزويَ وجهه عني فلا أراه ولا يراني، ولا يُحسِن إلي ولا يسيء، ولا يتقدم إليَّ بخير ولا شر، ولا يتراءى لي مبتسمًا، ولا مقطبًا، ولا ضاحكًا ولا باكيًا، لو أنه رضي مني بذلك، ولكنه كان أذكى قلبًا، وأنفَذَ بصرًا، من أن يفوته العلم بأنني ما كنت أبكي على النعمة لو لم تكن في يدي، وما كنت أجدُ مرارة فقدانها، لو لم أذُقْ حلاوة وجدانها، وكان لا بد له أن يجري في سنة الشقاء الذي أخذ على نفسه أمام الله أن يجريَها بين عباده، فلمَّا عجَز عن أن يدخُل إليَّ من باب الطمع، دخل إليَّ من باب الأمل؛ فهو يمنحني المنحةَ، فأغتبطُ بها حِقبة من الدهر، حتى إذا علِم أن بذرة الأمل التي غرسها في نفسي قد نَمَتْ وأزهرت، وأنني قد استعذَبْتُ طعم النعمة التي آتاني، كرَّ عليَّ فانتزَعها من يدي أنعَمَ ما أكونُ بها كما تُنتزع الكأسُ الباردة من يد الظامئ الهيمان؛ ليعظُمَ وقوعُ السهم في كبدي، ويفدح سلب النعمة من يدي، ولولا ذلك ما نال مني منالاً، ولا وجد إليَّ سبيلاً.

 

يا بنيَّ، إنَّ قدرَ الله لكم أن تتلاقوا في روضة من رياض الجنة، أو على شاطئ غدير من غدرانها، أو تحت ظلال قصر من قصورها، فاذكُروني مثلَما أذكركم، وقِفُوا بين يدي ربكم صفًّا واحدًا كما يقف بين يديه المصلون، ومدُّوا إليه أكفَّكم الصغيرة كما يمدها السائلون، وقولوا له: اللهم إنك تعلَمُ أن هذا الرجلَ المسكين كان يحبنا، وكنا نحبه، وقد فرَّقت الأيامُ بيننا وبينه؛ فهو لا يزال يلاقي من بعدِنا من شقاء الحياة وبَأْسَائِها ما لا طاقةَ له باحتماله، ولا نزال نجد بين جوانحنا من الوَجْد به، والحنين إليه، ما ينغِّصُ علينا هناءَ هذه النعمة التي ننعَمُ بها في جوارك، بين سمعِك وبصرك، وأنت أرحم بنا وبه من أن تعذِّبَنا عذابًا كثيرًا، فإما أن تأخذنا إليه أو تأتي به إلينا، لا... بل لا تطلبوا منه ألا أن يأتيَ بي إليكم؛ فإن الحياةَ التي كرهتُها لنفسي لا أرضاها لكم، فعسى أن يستجيب الله من دعائكم ما لَمْ يستجب من دعائي، فيرفع هذا الستارَ المُسبَل بيني وبينكم، فنلتقي كما كنا.

المصدركتاب: النظرات.

مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن محمد حسن لطفي المَنْفَلُوطي (المتوفى: 1343هـ).





الأحد، 11 يناير 2015

رسالة مصطفى لطفى المنفلوطى، للسوريين الكرام

 رسالة مصطفى لطفى المنفلوطى، للسوريين الكرام

أهناء أم عزاء ؟!


مصطفى لطفي المنفلوطي

فارَق مِصْرَ على أثَر الدستور العثماني كثيرٌ مِن فضلاءِ السوريِّين بعدما عمَروا هذه البلادَ بفضائلِهم ومآثرهم، وصيَّروها جنةً زاخرةً بالعلوم والآداب، ولقَّنوا المصريين تلك الدروسَ العاليةَ في الصِّحافة والتأليف والترجمة، وبعدما ما كانوا فينا سُفراءَ خيرٍ بين المدنية الغربية والمدنية الشرقية، يأخُذون من كمال الأُولى ليتمِّموا ما نقَص من الأخرى، وبعدما علَّموا المصريَّ كيف ينشَطُ في العمل, وكيف يجِدُّ ويجتهد في سبيل العيش, وكيف يثبُتُ ويتجلَّدُ في معركةِ الحياةِ.

قضَوْا بيننا تلك البرهةَ من الزمان يُحسِنون إلينا فنسيء إليهم, ويعطِفون علينا فنسمِّيهم تارة: دُخَلاء، وأخرى: ثُقَلاء، كأنَّما كنا نحسَبُ أنهم قومٌ من شذَّاذ الآفاقِ، أو نفايات الأمم، جاؤوا إلينا يُصادروننا في أرزاقنا، ويتطفَّلون على موائدنا، ولو أنصفناهم لعرَفْناهم وعرَفْنا أن أكثرَهم من بيوتاتِ المجدِ والشَّرف, وإنما ضاقت بهم حكومةُ الاستبدادِ ذرعًا، وكذلك شأنُ كلِّ حكومة

مستبدَّة مع أحرارِ النفوس، وأُباةِ الضَّيم، فأحرَجَتْ صدورَهم، وضيَّقت عليهم مذاهبَهم، ففرُّوا من الظلمِ تاركين وراءَهم شَرَفًا يَنْعَاهم، ومجدًا يبكي عليهم، ونزَلوا بيننا ضيوفًا كرامًا، وأساتذة كبارًا، فما أحسنَّا ضيافتَهم، ولا شكَرْنا لهم نعمتَهم.

وبعدُ، فقد مضى ذلك الزمنُ بخيرِه وشرِّه، وأصبحنا اليوم كلما ذكَرْناهم خفقَتْ أفئدتُنا مخافةَ أن يلحقَ باقيهم بماضيهم، فلا نعلَمُ أنشكُرُ للدستور أنْ فرَّج عنهم كربتَهم، وأمَّنهم على أنفسِهم، وردَّهم إلى أوطانِهم، أم ننتقمُ منه أنْ كان سببًا في حرماننا منهم بعد أُنْسِنا بهم، واغتباطِنا بحُسْنِ عِشرتِهم، وجميل مودتِهم؟ ولا ندري هل نحن بين يدَيْ هذا النظامِ العثمانيِّ الجديد في هَنَاءٍ أم في عَزاءٍ؟

فيا أيُّها القومُ المودَّعون، والكرامُ الكاتبون.


اذكُرونا مِثْلَ ذِكْرانا لكم
رُبَّ ذِكْرى قرَّبَتْ مَن نزَحا

واذكُروا صَبًّا إذا غنَّى بكم
شرِب الدَّمْعَ وعاف القَدَحَا.


المصدر:كتاب النظرات.

الجمعة، 30 مايو 2014

كلمات من ذهب



كلمات من ذهب

كتبها مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله تعالى عام 1943.

استيقظت فجر يوم من الأيام على صوت هرَّة تموء بجانب فراشي وتتمسح بي، وتلح في ذلك إلحاحاً غريباً، فرابني أمرها، وأهمني همها، وقلت: لعلها جائعة. فنهضت، وأحضرت لها طعاماً فعافته، وانصرفت عنه، فقلت: لعلها ظمآنة. فأرشدتها إلى الماء فلم تحفل به، وأنشأت تنظر إليَّ نظرات تنطق بما تشتمل عليها نفسي من الآلام والأحزان؛ فأثَّر في نفسي منظرها تأثيراً شديداً، حتى تمنيت أن لو كنتُ سليمانَ أفهم لغة الحيوان؛
لأعرف حاجتها، وأفرج كربتها، وكان باب الغرفة مقفلاً، فرأيت أنها تطيل النظر إليه، وتلتصق بي كلما رأتني أتجه نحوه،
فأدركت غرضها وعرفت أنها تريد أن أفتح لها الباب، فأسرعت بفتحه،

فما وقع نظرها على الفضاء، ورأت وجه السماء، حتى استحالت حالتها من حزن وهمٍّ إلى غبطة وسرور، وانطلقت تعدو في سبيلها، فعدت إلى فراشي وأسلمت رأسي إلى يدي، وأنشأت أفكر في أمر هذه الهرة، وأعجب لشأنها وأقول:
ليت شعري هل تفهم هذه الهرة معنى الحرية؛ فهي تحزن لفقدانها، وتفرح بلقياها؟
أجل، إنها تفهم معنى الحرية حق الفهم، وما كان حزنها وبكاؤها وإمساكها عن الطعام والشراب إلا من أجلها، وما كان تضرُّعها ورجاؤها وتمسحها وإلحاحها إلا سعياً وراء بلوغها.

وهنا ذكرت أن كثيراً من أسرى الاستبداد من بني الإنسان لا يشعرون بما تشعر به الهرة المحبوسة في الغرفة، والوحش المعتقل في القفص، والطير المقصوص الجناح من ألم الأسر وشقائه، بل ربما كان بينهم من يفكر في وجهة الخلاص، أو يتلمس السبيل إلى النجاة مما هو فيه، بل ربما كان بينهم من يتمنى البقاء في هذا السجن، ويأنس به، ويتلذذ بآلامه وأسقامه.

من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها: أن يكون الحيوان الأعجم أوسع ميداناً في الحرية من الحيوان الناطق، فهل كان نطقُه شؤماً عليه وعلى سعادته؟ وهل يجمل به أن يتمنى الخرس والبله ليكون سعيداً بحريته ...؟!

يحلق الطير في الجو، ويسبح السمك في البحر، ويهيم الوحش في الأودية والجبال، ويعيش الإنسان رهين المحبسين: محبس نفسه، ومحبس حكومته من المهد إلى اللحد.

صنع الإنسان القوي للإنسان الضعيف سلاسل وأغلالاً، وسماها تارة ناموساً وأخرى قانوناً؛ ليظلمه باسم العدل، ويسلب منه جوهرة حريته باسم الناموس والنظام.صنع له هذه الآلة المخيفة، وتركه قلقاً حذراً، مروع القلب، مرتعد الفرائص، يقيم من نفسه على نفسه حراساً تراقب حركات يديه، وخطوات رجليه، وحركات لسانه، وخطرات وهمه وخياله؛ لينجو من عقاب المستبد، ويتخلص من تعذيبه، فويل له ما أكثر جهله! وويح له ما أشد حمقه!
وهل يوجد في الدنيا عذاب أكبر من العذاب الذي يعالجه؟ أو سجن أضيق من السجن الذي هو فيه؟

ليست جناية المستبد على أسيره أنه سلبه حريته، بل جنايته الكبرى عليه أنه أفسد عليه وجدانه، فأصبح لا يحزن لفقد تلك الحرية، ولا يذرف دمعة واحدة عليها.....

كان يأكل ويشرب كل ما تشتهيه نفسه وما يلتئم مع طبيعته، فحالوا بينه وبين ذلك، وملؤوا قلبه خوفاً من المرض أو الموت، وأبوا أن يأكل أو يشرب إلا كما يريد الطبيب، وأن يقوم أو يقعد أو يمشي أو يقف أو يتحرك أو يسكن إلا كما تقضي به قوانين العادات والمصطلحات.

لا سبيل إلى السعادة في الحياة، إلا إذا عاش الإنسان فيها حرًّا مطلقاً، لا يسيطر على جسمه وعقله ونفسه ووجدانه وفكره مسيطر إلا أدب النفس.

الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس، فمن عاش محروماً منها عاش في ظلمة حالكة، يتصل أولها بظلمة الرحم، وآخرها بظلمة القبر.

الحرية هي الحياة، ولولاها لكانت حياة الإنسان أشبه شيء بحياة اللُّعب المتحركة في أيدي الأطفال بحركة صناعية.

ليست الحرية في تاريخ الإنسان حادثاً جديداً، أو طارئاً غريباً، وإنما هي فطرته التي فُطر عليها .

إن الإنسان الذي يمدّ يديه لطلب الحرية ليس بمتسوِّل ولا مستجد، وإنما هو يطلب حقًّا من حقوقه التي سلبته إياها المطامع البشرية، فإن ظفر بها فلا منة لمخلوق عليه، ولا يد لأحد عنده.

الأحد، 27 أكتوبر 2013

الدعوة



الدعوة

مصطفى لطفي المنفلوطي

ما من قائم يقوم في مجتمع من هذه المجتمعات البشرية داعيًا إلى ترك ضلالة من الضلالات، أو بدعة من البدع، إلا وقد آذن نفسه بحرب لا تخمد نارها، ولا يخبو أوارها حتى تهلك، أو يهلك دونها.
ليس موقف الجندي في معترك الحرب بأحرج من موقف المرشد في معترك الدعوة، وليس سلب الأجسام أرواحها، بأقرب منالًا من سلب النفوس غرائزها وميولها.. ولا يضنُّ الإنسان بشيء مما تملك يمينه ضنَّه بما تنطوي عليه جوانحه من المعتقدات، وأنه ليبذل دمه صيانة لعقيدته، ولا يبذل عقيدته صيانة لدمه، وما سالت الدماء، ولا تمزقت الأشلاء في موقف الحروب البشرية، من عهد آدم إلى اليوم إلا حماية للمذاهب، وذودًا عن العقائد.
لذلك كان الدعاة في كلِّ أمة أعداءها وخصومها؛ لأنهم يحاولون أن يرزؤوها في ذخائر نفوسها، ويفجعونها في أعلاق قلوبها.
الدعاة أحوج الناس إلى عزائم ثابتة، وقلوب صابرة على احتمال المصائب والمحن التي يلاقونها في سبيل الدعوة؛ حتى يبلغوا الغاية التي يريدونها أو يموتوا في طريقها.

الدعاة الصادقون لا يبالون أن يسميهم الناس خونة أو جهلة أو زنادقة أو ملحدين، أو ضالين، أو كافرين؛ لأن ذلك ما لا بد أن يكون.
الدعاة الصادقون يعلمون أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم، عاش بين أعدائه ساحرًا كذابًا، ومات سيد المرسلين ... فهم يحبون أن يكونوا أمثال هؤلاء العظماء أحياء وأمواتًا.
سيقول كثير من الناس: وما يغني الداعي دعاؤه في أمة لا تحسن به ظنًّا، ولا تسمع له قولًا، إنَّه يضرُّ نفسه من حيث لا ينفع أمته، فيكون أجهل الناس، وأحمق الناس.
هذا ما يوسوس به الشيطان للعاجزين الجاهلين، وهذا هو الداء الذي ألمَّ بنفوس كثير من العلماء، فأمسك ألسنتهم عن قول الحق، وحبس نفوسهم عن الانطلاق في سبيل الهداية والإرشاد، فأصبحوا لا عمل لهم إلا أن يكرروا للناس ما يعلمون، ويعيدوا عليهم ما يحفظون، فجمدت الأذهان، وتبلدت المدارك، وأصبحت العقول في سجن مظلم، لا تطلع عليه الشمس، ولا ينفذ إليه الهواء.
الجهل غشاء سميك يغشي العقل، والعلم نار متأججة تلامس ذلك الغشاء فتحرقه رويدًا رويدًا، فلا يزال العقل يتألم لحرارتها، ما دام الغشاء بينه وبينها، حتى إذا أتت عليه انكشف له الغطاء، فرأى النار نورًا، والألم لذة وسرورًا.
لا يستطيع الباطل أن يصرع الحقَّ في ميدان؛ لأنَّ الحقَّ وجود والباطل عدم، إنما يصرعه جهل [بعض] العلماء بقوته، ويأسهم من غلبته، وإغفالهم النداء به، والدعاء إليه.
محال أن يهدم بناء الباطل فرد واحد في عصر واحد، وإنما يهدمه أفراد متعددون، في عصور متعددة، فيهزه الأول هزة تباعد ما بين أحجاره، ثم ينقض الثاني منه حجرًا، والثالث آخر. وهكذا حتى لا يبقى منه حجر على حجر.

الجهلاء مرضى، والعلماء أطباء، ولا يجمل بالطبيب أن يحجم عن العمل الجراحي فرارًا من إزعاج المريض، أو خوفًا من صياحه وعويله، أو اتقاء لسبِّه وشتمه، فإنَّه سيكون غدًا أصدق أصدقائه، وأحبَّ الناس إليه.
وبعد: فقليل أن يكون الداعي في الأمة الجاهلة حبيبًا إليها إلا إذا كان خائنًا في دعوته، سالكًا سبيل الرياء والمداهنة في دعوته، وقليل أن ينال حظَّه من إكرامها وإجلالها، إلا بعد أن تتجرع مرارة الدواء، ثم تشعر بحلاوة الشفاء.

الدعاة في هذه الأمة كثيرون ملء الفضاء، وكظة [الكظة: البطنة] الأرض والسماء، ولكن لا يكاد يوجد بينهم داع واحد؛ لأنَّه لا يوجد بينهم شجاع واحد!
أصحاب الصحف وكتاب الرسائل والمؤلفون وخطباء الجامع وخطباء المنابر، كلُّهم يدعون إلى الحقِّ، وكلُّهم يعظون وينصحون، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولكن لا يوجد بينهم من يستطيع أن يحمل في سبيل الدعوة ضرًّا، أو يلاقي في طريقها شرًّا.
رأيت الدعاة في هذه الأمة [إلا من رحم الله] أربعة:
- رجلًا يعرف الحقَّ، ويكتمه عجزًا وجبنًا، فهو ساكت طول حياته، لا ينطق بخير ولا شرٍّ.
- ورجلًا يعرف الحقَّ وينطق به، ولكنه يجهل طريق الحكمة والسياسة في دعوته، فيهجم على النفوس بما يزعجها وينفرها، وكان خيرًا له لو صنع ما يصنعه الطبيب الماهر الذي يضع الدواء المرَّ في (برشامة)؛ ليسهل تناوله وازدراده.
- ورجلًا لا يعرف حقًّا ولا باطلًا، فهو يخبط في دعوته خبط الناقة العشواء في بيدائها، فيدعو إلى الخير والشرِّ، والحقِّ والباطل، والضارِّ والنافع في موقف واحد، فكأنَّه جواد امرئ القيس الذي يقول فيه:
مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا
- ورجلًا يعرف الحقَّ، ويدعو الأمة إلى الباطل دعوة المجدِّ المجتهد، وهو أخبث الأربعة وأكثرهم غائلة؛ لأنَّه صاحب هوى، يرى أنَّه لا يبلغ غايته منه، إلا إذا أهلك الأمة في سبيله، فهو عدوها في ثياب صديقها؛ لأنَّه يوردها موارد التلف والهلاك، باسم الهداية والإرشاد، فليت شعري من أي واحد من هؤلاء الأربعة تستفيد الأمة رشدها وهداها؟!
ما أعظم شقاء هذه الأمة، وأشد بلاءها! فقد أصبح دعاتها [إلا من رحم الله] في حاجة إلى دعاة، ينيرون لهم طريق الدعوة، ويعلمونهم كيف يكون الصبر والاحتمال في سبيلها، فليت شعري متى يتعلمون ثم يرشدون؟

المصدر: كتاب (مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي الكاملة)، دار الجيل- بيروت، 1404هـ، 1984م، (1/295)- بتصرف.

الأحد، 6 أكتوبر 2013

الدعوة


الدعوة
مصطفى لطفي المنفلوطي

ما من قائم يقوم في مجتمع من هذه المجتمعات البشرية داعيًا إلى ترك ضلالة من الضلالات، أو بدعة من البدع، إلا وقد آذن نفسه بحرب لا تخمد نارها، ولا يخبو أوارها حتى تهلك، أو يهلك دونها.
ليس موقف الجندي في معترك الحرب بأحرج من موقف المرشد في معترك الدعوة، وليس سلب الأجسام أرواحها، بأقرب منالًا من سلب النفوس غرائزها وميولها.. ولا يضنُّ الإنسان بشيء مما تملك يمينه ضنَّه بما تنطوي عليه جوانحه من المعتقدات، وأنه ليبذل دمه صيانة لعقيدته، ولا يبذل عقيدته صيانة لدمه، وما سالت الدماء، ولا تمزقت الأشلاء في موقف الحروب البشرية، من عهد آدم إلى اليوم إلا حماية للمذاهب، وذودًا عن العقائد.
لذلك كان الدعاة في كلِّ أمة أعداءها وخصومها؛ لأنهم يحاولون أن يرزؤوها في ذخائر نفوسها، ويفجعونها في أعلاق قلوبها.
الدعاة أحوج الناس إلى عزائم ثابتة، وقلوب صابرة على احتمال المصائب والمحن التي يلاقونها في سبيل الدعوة؛ حتى يبلغوا الغاية التي يريدونها أو يموتوا في طريقها.


الدعاة الصادقون لا يبالون أن يسميهم الناس خونة أو جهلة أو زنادقة أو ملحدين، أو ضالين، أو كافرين؛ لأن ذلك ما لا بد أن يكون.
الدعاة الصادقون يعلمون أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم، عاش بين أعدائه ساحرًا كذابًا، ومات سيد المرسلين ... فهم يحبون أن يكونوا أمثال هؤلاء العظماء أحياء وأمواتًا.
سيقول كثير من الناس: وما يغني الداعي دعاؤه في أمة لا تحسن به ظنًّا، ولا تسمع له قولًا، إنَّه يضرُّ نفسه من حيث لا ينفع أمته، فيكون أجهل الناس، وأحمق الناس.
هذا ما يوسوس به الشيطان للعاجزين الجاهلين، وهذا هو الداء الذي ألمَّ بنفوس كثير من العلماء، فأمسك ألسنتهم عن قول الحق، وحبس نفوسهم عن الانطلاق في سبيل الهداية والإرشاد، فأصبحوا لا عمل لهم إلا أن يكرروا للناس ما يعلمون، ويعيدوا عليهم ما يحفظون، فجمدت الأذهان، وتبلدت المدارك، وأصبحت العقول في سجن مظلم، لا تطلع عليه الشمس، ولا ينفذ إليه الهواء.
الجهل غشاء سميك يغشي العقل، والعلم نار متأججة تلامس ذلك الغشاء فتحرقه رويدًا رويدًا، فلا يزال العقل يتألم لحرارتها، ما دام الغشاء بينه وبينها، حتى إذا أتت عليه انكشف له الغطاء، فرأى النار نورًا، والألم لذة وسرورًا.
لا يستطيع الباطل أن يصرع الحقَّ في ميدان؛ لأنَّ الحقَّ وجود والباطل عدم، إنما يصرعه جهل [بعض] العلماء بقوته، ويأسهم من غلبته، وإغفالهم النداء به، والدعاء إليه.
محال أن يهدم بناء الباطل فرد واحد في عصر واحد، وإنما يهدمه أفراد متعددون، في عصور متعددة، فيهزه الأول هزة تباعد ما بين أحجاره، ثم ينقض الثاني منه حجرًا، والثالث آخر. وهكذا حتى لا يبقى منه حجر على حجر.


الجهلاء مرضى، والعلماء أطباء، ولا يجمل بالطبيب أن يحجم عن العمل الجراحي فرارًا من إزعاج المريض، أو خوفًا من صياحه وعويله، أو اتقاء لسبِّه وشتمه، فإنَّه سيكون غدًا أصدق أصدقائه، وأحبَّ الناس إليه.
وبعد: فقليل أن يكون الداعي في الأمة الجاهلة حبيبًا إليها إلا إذا كان خائنًا في دعوته، سالكًا سبيل الرياء والمداهنة في دعوته، وقليل أن ينال حظَّه من إكرامها وإجلالها، إلا بعد أن تتجرع مرارة الدواء، ثم تشعر بحلاوة الشفاء.


الدعاة في هذه الأمة كثيرون ملء الفضاء، وكظة [الكظة: البطنة] الأرض والسماء، ولكن لا يكاد يوجد بينهم داع واحد؛ لأنَّه لا يوجد بينهم شجاع واحد!
أصحاب الصحف وكتاب الرسائل والمؤلفون وخطباء الجامع وخطباء المنابر، كلُّهم يدعون إلى الحقِّ، وكلُّهم يعظون وينصحون، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولكن لا يوجد بينهم من يستطيع أن يحمل في سبيل الدعوة ضرًّا، أو يلاقي في طريقها شرًّا.
رأيت الدعاة في هذه الأمة [إلا من رحم الله] أربعة:
- رجلًا يعرف الحقَّ، ويكتمه عجزًا وجبنًا، فهو ساكت طول حياته، لا ينطق بخير ولا شرٍّ.
- ورجلًا يعرف الحقَّ وينطق به، ولكنه يجهل طريق الحكمة والسياسة في دعوته، فيهجم على النفوس بما يزعجها وينفرها، وكان خيرًا له لو صنع ما يصنعه الطبيب الماهر الذي يضع الدواء المرَّ في (برشامة)؛ ليسهل تناوله وازدراده.
- ورجلًا لا يعرف حقًّا ولا باطلًا، فهو يخبط في دعوته خبط الناقة العشواء في بيدائها، فيدعو إلى الخير والشرِّ، والحقِّ والباطل، والضارِّ والنافع في موقف واحد، فكأنَّه جواد امرئ القيس الذي يقول فيه:
مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا
- ورجلًا يعرف الحقَّ، ويدعو الأمة إلى الباطل دعوة المجدِّ المجتهد، وهو أخبث الأربعة وأكثرهم غائلة؛ لأنَّه صاحب هوى، يرى أنَّه لا يبلغ غايته منه، إلا إذا أهلك الأمة في سبيله، فهو عدوها في ثياب صديقها؛ لأنَّه يوردها موارد التلف والهلاك، باسم الهداية والإرشاد، فليت شعري من أي واحد من هؤلاء الأربعة تستفيد الأمة رشدها وهداها؟!
ما أعظم شقاء هذه الأمة، وأشد بلاءها! فقد أصبح دعاتها [إلا من رحم الله] في حاجة إلى دعاة، ينيرون لهم طريق الدعوة، ويعلمونهم كيف يكون الصبر والاحتمال في سبيلها، فليت شعري متى يتعلمون ثم يرشدون؟



المصدر: كتاب (مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي الكاملة)، دار الجيل- بيروت، 1404هـ، 1984م، (1/295)- بتصرف.

الاثنين، 24 يونيو 2013

الإسلام والمسيحية

الإسلام والمسيحية

مصطفى لطفي المنفلوطي

... في أيِّ عصر من عصور التاريخ، كانت الديانة المسيحية 
مبعث العلم ومطلع شمس المدنية والعمران ؟
أفي العصر الذي كانت تدور فيه رحى الحرب الدموية بين الأرثوذكس والكاثوليكية تارة، وبين الكاثوليك والبروتستانت تارة أخرى بصورة وحشية فظيعة اسودَّ لها لباس الإنسانية، وبكت الأرض منها والسماء ؟
أم في العصر الذي كانت إرادة المسيحي فيه صورة من إرادة الكاهن الجاهل؛ فلا يعلم إلا ما يعلِّمه إياه، ولا يفهم إلا ما يلقيه إليه، فما كان يترك له الحرية حتى في الحكم على نفسه بكفر أو إيمان، وبهيمية أو إنسانية، فيكاد يتخيل أنَّ له ذَنَبًا متحركًا وخيشومًا طويلًا، وأنَّه يمشي على أربع إذا قال له الكاهن : أنت كلب، أو قال له: إنَّك لست بإنسان؟ 

أم في العصر الذي كان يعتقد فيه المسيحي أنَّ دخول الجمل في سَمِّ الخياط أقرب من دخول الغني في ملكوت السموات ؟
أم في العصر الذي كان يحرِّم فيه الكاهن الأعظم على المسيحي أن ينظر في كتاب غير الكتاب المقدس، وأن يتلقَّى علمًا في مدرسة غير مدرسة الكنيسة ؟
 أم في العصر الذي ظهرت فيه النجمة ذات الذنب فذعر لرؤيتها المسيحيون ورفعوا إلى البابا عرائض الشكوى فطردها من الجو فولت الأدبار ؟! 

أم في العصر الذي أهدى فيه الرشيد العباسي الساعة الدقاقة إلى الملك شارلمان فلما رآها الشعب المسيحي، وسمع صوتها، فرَّ من وجهها ظنًّا منه أنَّها تشتمل على الجنِّ والشياطين ؟!
 أم في العصر الذي أُلِّفت فيه محكمة التفتيش لمحاكمة المتهمين بمزاولة العلوم، فحكمت في وقت قصير على ثلاثمائة وأربعين ألفًا بالقتل حرقًا أو صلبًا ؟
أم في العصر الذي أحرق فيه الشعب المسيحي فتاة حسناء بعدما كشط لحمها وعرق عظمها؛ لأنَّها تشتغل بعلوم الرياضة والحكمة؟ 

هذا الذي نعرفه أيها الفيلسوف التاريخي من تاريخ العلم والعرفان والمدنية والعمران في العصور المسيحية، ولا نعلم أكانت تلك المسيحية التي كان هذا شأنها، وهذا مبلغ سعة صدرها صحيحة في نظرك أم باطلة، وإنما نريد أن نستدلَّ بالمسيحيين على المسيحية، وإن لم نقف على حقيقتها، كما فعلت أنت في استدلالك بالمسلمين على الإسلام وإن لم تعرف حقيقته وجوهره، على أنَّ استدلالنا صحيح واستدلالك باطل، فإنَّ المدنية الحديثة ما دخلت أوربا إلا بعد أن زحزحت المسيحية منها لتحتل محلها كالماء الذي لا يدخل الكأس إلا بعد أن يطرد منها الهواء؛ لأنَّه لا يتسع لهما، فإن كان قد بقي أثر من آثار المسيحية اليوم في أكواخ بعض العامة في أوربا، فما بقي إلا بعد أن عفت عنه المدنية، ورضيت بالإبقاء عليه، لا باعتبار أنَّه دين يجب إجلاله وإعظامه، بل باعتبار أنَّه زاجر من الزواجر النفسية التي تستعين الحكومات بها وبقوتها على كسر شِرَّة النفوس الجاهلة، فلا علاقة بين المسيحية والتمدين الغربي من حيث يستدل به عليها، أو باعتبار أنَّه أثر من آثارها، ونتيجة من نتائجها، ولو كان بينه وبينها علاقة ما افترقت عنه خمسة عشر قرنًا ، كانت فيها أوربا وراء ما يتصوره العقل من الهمجية والوحشية والجهل، فما نفعتها مسيحيتها، ولا أغنى عنها كهنوتها. 
أما المدنية الإسلامية فإنها طلعت مع الإسلام في سماء واحدة من مطلع واحد في وقت واحد، ثم سارت إلى جانبه كتفًا لكتف، ما ينكر من أمرها، ولا تنكر من أمره شيئًا، فالمتعبد في مسجده، والفقيه في درسه، والمعرب في خزانة كتبه، والرياضي في مدرسته، والكيمائي في معمله، والقاضي في محكمته، والخطيب في محفله، والفلكي أمام إسطرلابه، والكاتب بين محابره وأوراقه، إخوة متصافون، وأصدقاء متحابون، لا يختصمون ولا يقتتلون، ولا يكفر بعضهم بعضًا، ولا يبغي أحد منهم على أحد.

أيها الفيلسوف التاريخي: إن كان لابد من الاستدلال بالأثر على المؤثر فالمدنية الغربية اليوم أثر من آثار الإسلام بالأمس، والانحطاط الإسلامي اليوم ضربة من ضربات المسيحية الأولى. وإليك البيان :
جاء الإسلام يحمل للنوع البشري جميع ما يحتاج إليه في معاده ومعاشه، ودنياه وآخرته، وما يفيده منفردًا، وما ينفعه مجتمعًا. 
هذَّب عقيدته بعدما أفسدها الشرك بالله والإسفاف إلى عبادة التماثيل والأوثان، وإحناء الرؤوس بين أيدي رؤساء الأديان، وأرشده إلى الإيمان بألوهية إله واحد، لا يشرك به شيئًا، ثم أرشده إلى تسريح عقله ونظره في ملكوت السموات والأرض؛ ليقف على حقائق الكون وطبائعه، وليزداد إيمانًا بوجود الإله وقدرته وكمال تدبيره، ليكون اقتناعه بذلك اقتناعًا نفسيًّا قلبيًّا، فلا يكون آلة صماء، في يد الأهواء تفعل به ما تشاء.
 ثم أرشده إلى مواقف تذكِّره بربه وتنبِّهه من غفلته، وتطرد الشرور والخواطر السيئة عن نفسه، كلما ابتغت إليها سبيلًا، وهي مواقف العبادات ثم أطلق له الحرية في القول والعمل ... وعرَّفه قيمة نفسه بعدما كان يجهلها، وعلمه أنَّ الإنسانية لا فرق بين فقيرها وغنيها ووضيعها ورفيعها وضعيفها وقويها، وأنَّ الملك والسوقة، والشريف الهاشمي، والعبد الزنجي، أمام الله والحقِّ سواء، وأنَّ الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، والنفع والضرَّ، والثواب والعقاب، والرحمة والغفران، بيد الله وحده لا ينازعه منازع، ولا يملكها عليه أحد من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين.
 ثم نظر في أخلاقه فأرشده إلى محاسنها، ونفَّره من مساوئها حتى علَّمه آداب الأكل والشرب، والنوم والمشي، والجلوس والكلام، والتحية والسلام ثم دخل معه منزله، فعلَّمه كيف يبرُّ الابن أباه، ويرحم الوالد ولده. ويعطف الأخ على أخيه، ويكرم الزوج زوجته، وتطيع الزوجة زوجها، وكيف يكون التراحم والتواصل بين الأقرباء وذوي الرحم.
 ثم نظر في شؤونه الاجتماعية، ففرض عليه الزكاة التي لو جُمعت ووُضعت في مواضعها المشروعة لما كان في الدنيا بائس ولا فقير، وندبه إلى الصدقة ومساعدة الأقوياء للضعفاء، وعطف الأغنياء على الفقراء.
 ثم شرع له الشرائع للمعاملة الدنيوية. ووضع له قوانين البيع والشراء، والرهن والهبة والقرض والتجارة والإجارة والمزارعة والوقف والوصية والميراث؛ ليعرف كلُّ إنسان حقَّه، فلا يغبن أحد أحدًا.
 ثم قرَّر له عقوبات دنيوية، تمنعه أن يبغي بعضه على بعض بشتم أو سبٍّ أو قتل أو سرقة أو انتهاك حرمة أو مجاهرة بمعصية أو شروع في فتنة أو خروج على أمير أو سلطان.

 ثم نظر في شؤونه السياسية، فقرَّر الخلافات وشروطها، والقضاء وصفاته، والإمارة وحدودها، وقرَّر كيف يعامل المسلمون مخالفيهم في الدين البعيدين عنهم والنازحين إليهم، وذكر مواطن القتال معهم، ومواضع المسالمة لهم.

وجملة القول: إنَّ الدين الإسلامي ما غادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولا ترك الإنسان يمشي في ميدان هذه الحياة خطوة من مهده إلى لحده، إلا مدَّ يده إليه، وأنار له مواقع أقدامه، وأرشده إلى سواء السبيل. 

طلعت هذه الشمس المشرقة في سماء العرب فملأت الكون نورًا وإشراقًا، واختلف الناس في شأنها ما بين معترف بها، ومنكر لوجودها، ولكنهم كانوا جميعًا سواء في الانتفاع بنورها، والاستنارة بضيائها، على تفاوت في تلك الاستنارة، وتنوُّع في ذلك الانتفاع. 
طلعت هذه الشمس المشرقة فتمشت أشعتها البيضاء إلى أوربا من طريق أسبانيا وجنوب إيطاليا وفرنسا، فأبصرها عدد قليل من أذكياء الغربيين، فانتبهوا من رقدتهم، واستيقظوا من سباتهم، ورأوا من جمال المذاهب الإسلامية، وشرائع الكون ونظامه، وقواعد الحرية والمساواة ما لفت نظرهم إلى المقابلة بين المجتمع الغربي الخامل الضعيف، والمجتمع الشرقي النابه اليقظ، فقالوا : أيمكن أن يعيش الإنسان حرًّا على ظهر المسكونة، لا يستعبده ملك، ولا يسرقه كاهن ؟
 أيمكن أن يبيت المرء ليلة واحدة في حياته هادئًا في مضجعه، مطمئنًا في مرقده، لا يروعه دولاب العذاب، ولا سيف الجلاد ؟ أيمكن أن تملك النفس حريتها في النظر إلى نظام العالم وطبائعه ودراسة العلوم الكونية ومزاولتها ؟
أيمكن أن يطلع فجر المدنية على هذا المجتمع الغربي، فيمحو ظلمته التي طال عهدنا بها حتى غشيت أبصارنا، فما يكاد يرى بعضنا بعضًا؟

كانت هذه الخواطر المترددة في عقول أولئك الأذكياء هي الخطوة الأولى التي مشتها أوربا في طريق المدنية والعمران، بفضل الإسلام وشرائعه، التي عرفها هؤلاء الأفراد من مخالطة المسلمين في أوربا، ومطالعة كتبهم، ومناظرة حضارتهم ومدنيتهم، ثم أخذوا يعلمونها للناس سرًّا، ويبثونها في نفوس تلاميذهم شيئًا فشيئًا، ويلقون في سبيل نشرها عناء شديدًا، واستمرَّ هذا النزاع بين العلم والجهل قرونًا عدة، حتى انتهى أمره بالثورة الفرنسية، فكانت هي القضاء الأخير على الوحشية السالفة والهمجية القديمة. 

أيها الفيلسوف التاريخي: إنَّك لا بدَّ تعلم ذلك حقَّ العلم؛ لأنه أقلُّ ما يجب على المؤرخ أن يعلمه، كما تعلم أنَّ المدنية الإسلامية إذا وسعت غيرها فأحرى بها أن تسع نفسها، ولكن التعصب الديني قد بلغ من نفسك مبلغه، فما كفاك أن أنكرت فضل صاحب الفضل عليك، حتى أنكر عليه فضله في نفسه ! 
لا حاجة بي أن أشرح لك المدنية الإسلامية أو أسرد لك أسماء علمائها وحكمائها ومؤلفاتهم في الطبيعة والكيمياء والفلك والنبات والحيوان والمعادن والطب والحكمة والأخلاق والعمران، أو أعدِّد لك مدارسها ومجامعها ومراصدها في الشرق والغرب، أو أصف لك مدنها الزاهرة، وأمصارها الزاخرة، وسعادتها وهناءتها، وعزتها وسطوتها، فأنت تعرف ذلك كلَّه إن كنت مؤرخًا كما تقول. 
غير أني لا أنكر ما لحق بالمسلمين في هذه القرون الأخيرة من الضعف والفتور، وما أصاب جامعتهم من الوهنوالانحلال، ولكن ليس السبب ذلك الإسلام كما نتوهم، بل المسيحية التي سرت عدواها إليهم على أيدي قوم من المسيحيين أو أشباه المسيحيين، لبسوا لباس الإسلام، وتزيُّوا بزيِّه، ودخلوا بلاده، وتمكنوا من نفوس ملوكه الضعفاء، وأمرائه الجهلاء، فأمدوهم بشيء من السطوة والقوة، تمكنوا به من نشر مذاهبهم السقيمة، وعقائدهم الخرافية بين المسلمين حتى أفسدوا عليهم مذاهبهم وعقائدهم، وأوقعوا الفتنة فيهم، وحالوا بينهم وبين الاستمداد من روح الإسلام وقوته، فكان من أمرهم بعد ذلك ما كان. 

المصدر: كتاب (مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي الكاملة)، دار الجيل- بيروت، 1404هـ، 1984م، (1/183) بتصرف.

السبت، 6 أبريل 2013

دمعة على الإسلام

دمعة على الإسلام



... أي عين يجمل بها أن تستبقي في محاجرها قطرة واحدة من الدمع، فلا تريقها أمام هذا المنظر المحزن، منظر أولئك المسلمين، وهم ركَّع سجَّد على أعتاب قبر، ربما كان بينهم مَنْ هو خير مِنْ ساكنه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته؟!
أيُّ قلب يستطيع أن يستقرَّ بين جنبي صاحبه ساعة واحدة، فلا يطير جزعًا حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر من المشركين إشراكًا بالله؛ وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة وكثرة المعبودات ؟!
لِمَ يَنْقِم المسلمون التثليث من المسيحيين؟ لِمَ يحملون لهم في صدورهم تلك المُوجِدَةَ وذلك الضغن؟ وعلام يحاربونهم؟ وفيم يقاتلونهم، وهم لم يبلغوا من الشرك بالله مبلغهم، ولم يغرقوا فيه إغراقهم؟!
يدين المسيحيون بآلهة ثلاثة، ولكنهم يشعرون بغرابة هذا التعدد، وبعده عن العقل، فيتأولون فيه ويقولون: إن الثلاثة في حكم الواحد. أما المسلمون فيدينون بآلاف من الآلهة أكثرها جذوع أشجار، وجثث أموات، وقطع أحجار، من حيث لا يشعرون !
كثيرًا ما يضمر الإنسان في نفسه أمرًا وهو لا يشعر به، وكثيرًا ما تشتمل نفسه على عقيدة خفية لا يحس باشتمال نفسه عليها، ولا أرى مثلًا أقرب من المسلمين الذين يلتجؤون في حاجاتهم ومطالبهم إلى سكان القبور، ويتضرعون إليهم تضرعهم للإله المعبود؛ فإذا عتب عليهم في ذلك عاتب، قالوا: إنا لا نعبدهم، وإنما نتوسل بهم إلى الله، كأنهم يشعرون أن العبادة ما هم فيه، وإن أكبر مظهر لألوهية الإله المعبود أن يقف عباده بين يديه ضارعين خاشعين، يلتمسون إمداده ومعونته، فهم في الحقيقة عابدون لأولئك الأموات من حيث لا يشعرون.
جاء الإسلام بعقيدة التوحيد؛ ليرفع نفوس المسلمين، ويغرس في قلوبهم الشرف والعزة والأنفة والحمية، وليعتق رقابهم من رقِّ العبودية، فلا يذلُّ صغيرهم لكبيرهم، ولا يهاب ضعيفُهم قويَّهم، ولا يكون لذي سلطان بينهم سلطان إلَّا بالحقِّ والعدل، وقد ترك الإسلام بفضل عقيدة التوحيد ذلك الأثر الصالح في نفوس المسلمين في العصور الأولى، فكانوا ذوي أنفة وعزة، وإباء وغيرة، يضربون على يد الظالم إذا ظلم، ويقولون للسلطان إذا جاوز حده [غير] سلطانه: قف مكانك، ولا تَغْلُ في تقدير مقدار نفسك، فإنما أنت عبد مخلوق، لا ربٌّ معبود، واعلم أنَّه لا إله إلا الله.
هذه صورة من صور نفوس المسلمين في عصر التوحيد، أمَّا اليوم وقد داخل عقيدتهم ما داخلها من الشرك الباطن تارة، والظاهر أخرى- فقد ذلَّت رقابهم، وخفقت رؤوسهم، وضرعت نفوسهم، وفترت حَمِيَّتهم، فرضوا بخطة الخسف، واستناموا إلى المنزلة الدنيا، فوجد أعداؤهم السبيل إليهم، فغلبوهم على أمرهم، وملكوا عليهم نفوسهم وأموالهم ومواطنهم وديارهم؛ فأصبحوا من الخاسرين.
والله لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم، ولن يبلغوا ما يريدون لأنفسهم من سعادة الحياة وهناءتها إلا إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة التوحيد، وإنَّ طلوع الشمس من مغربها، وانصباب ماء النهر في منبعه أقرب من رجوع الإسلام إلى سالف مجده، ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني، كما يقفون بين يدي الله، ويقولون للأول كما يقولون للثاني: أنت المتصرف في الكائنات، وأنت سيد الأرضين والسموات.
إنَّ الله أغير على نفسه من أن يسعد أقوامًا يزدرونه، ويحقرونه، ويتخذونه وراءهم ظهريًّا، فإذا نزلت بهم جائحة، أو ألمت بهم مُلمَّة ذكروا الحجر قبل أن يذكروه، ونادوا الجذع قبل أن ينادوه...
يا قادة الأمة ورؤساءها، عَذَرْنا العامة في إشراكها وفساد عقائدها، وقلنا: إنَّ العامي أقصر نظرًا، وأضعف بصيرة من أن يتصور الألوهية إلا إذا رآها ماثلة في النصب والأضرحة والقبور، فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب الله، وتقرؤون صفاتِه ونعوتَه، وتفهمون معنى قوله تعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ}[النمل: 65]، وقوله مخاطبًا نبيه: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا}[الأعراف: 188]، وقوله:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}.[الأنفال: 17].
إنَّكم تقولون في صباحكم ومسائكم وغدوكم ورواحكم:

وكلُّ خير في اتباع من سلف

 
وكلُّ شرٍّ في ابتداع من خلف

 
فهل تعلمون أنَّ السلف الصالح كانوا يجصصون قبرًا، أو يتوسَّلون بضريح؟ 
وهل تعلمون أنَّ واحدًا منهم وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو قبر أحد من أصحابه وآل بيته، يسأله قضاء حاجة، أو تفريج هَمٍّ؟ 
وهل تعلمون أنَّ الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله، وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين؟
وهل تعلمون أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل نهى عنها عبثًا ولعبًا؟ أم مخافة أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟
وأيُّ فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبور، ما دام كلٌّ منها يجرُّ إلى الشرك، ويفسد عقيدة التوحيد؟
والله ما جهلتم من هذا، ولكنكم آثرتم الحياة الدنيا على الآخرة؛ فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتكم، وانتقاض أمركم، وسلط عليكم أعداءكم، يسلبون أوطانكم، ويستعبدون رقابكم، ويخربون دياركم، والله شديد العقاب.

المصدر: كتاب (مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي الكاملة)، دار الجيل- بيروت، 1404هـ، 1984م، (1/313) بتصرف.