‏إظهار الرسائل ذات التسميات عطا المنان بخيت. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عطا المنان بخيت. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 19 مايو 2026

ومن رماد هذه الحرب قد تستيقظ أفريقيا

ومن رماد هذه الحرب قد تستيقظ أفريقيا

دبلوماسى سودانى سابق وباحث فى الشئون الأفريقية.

أحدثت حرب الأربعين يوما على إيران، تداعيات هائلة تأثرت بها كل دول العالم، ربما بقدر لم يكن يتوقعه كثير من الدارسين والإستراتيجيين، فقد أنشبت الحرب أظفارها على جسد الاقتصاد العالمي المتهالك أصلا، وكادت أن ترديه، وكشفت عن كثير من الندوب القاتلة في خارطة العلاقات الدولية بفعل صراع القوى الكبرى الشرس على موارد قوى الهامش.

وما إن انقضى الأسبوع الأول للحرب حتى بدأت قوى المركز في أوروبا وآسيا تتململ؛ خوفا من مآلات الحرب وتأثيراتها السالبة، وكُتب الكثير من المقالات عن آثار الحرب على دول المركز في أوروبا وآسيا، في مجالات الاقتصاد والسياسة والتحولات الاجتماعية، ولعل ذلك مما أسهم في رجحان كفة العقل لوقف تلك الحرب المجنونة.

ولكن في واقع الأمر فإن حرب الأربعين يوما قد أثرت على كل دول العالم وليس دول المركز فحسب، وسيكون لها تداعيات ارتدادية ستظهر بعد نهاية الحرب، وهذا شأن كل الأحداث الكبرى، تولد آثارا هي أشبه بكرة الثلج كلما تدحرجت عظمت وكبرت.

يناقش هذا المقال تداعيات وآثار حرب إيران على القارة الأفريقية، وهو موضوع مهم لم يجد حظه المطلوب من النقاش، يستعرض المقال الآثار السياسية والإستراتيجية والاقتصادية للحرب على أفريقيا، ويجادل بأنه ورغم التحديات السالبة التي فرضتها الحرب على دول القارة الأفريقية، فإنها ولدت فرصا سانحة يمكن أن تفتح أبوابا كبيرة لدول القارة لمزيد من التكامل الإقليمي والقاري، وجذب كثير من المستثمرين لأحضان قارة بكر تمثل مستقبل العالم الاقتصادي.

تحدي الطاقة وسلاسل الغذاء

تأثرت اقتصادات معظم الدول الأفريقية بشكل مباشر، أو غير مباشر بإغلاق مضيق هرمز، حيث ضرب إغلاق المضيق أهم قطاعين وهما قطاع الطاقة وقطاع سلاسل الغذاء، إذ ارتفعت أسعار النفط بشكل رأسي لم يكن في حسابات ميزانيات هذه الدول، وبالتالي اضطرت الدول لرفع أسعار الوقود مما أثر مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن.

أما التأثير الأكثر ضررا، فقد تمثل في توقف صادرات الأسمدة والأمونيا، وهي العمود الفقري للزراعة، وتعتبر دول الخليج وإيران من أكبر المنتجين للأسمدة، ويشير موقع الجزيرة إلى أن إنتاج هذه الدول يقدر بحوالي ثلث الإنتاج العالمي لهذه السلعة الضرورية للزراعة.

وتمر سلسلة الأسمدة عبر مضيق هرمز إلى الدول الأفريقية، وشكل توقفها أكبر مهدد للموسم الزراعي الوشيك في القارة. وللتذكير فقط، فإن الدول الأفريقية سبق أن واجهت أزمة غذاء كبيرة عند اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في العام 2022، بسبب الاعتماد الكبير على القمح المستورد من الدولتين، والأسمدة التي تستورد أساسا من روسيا.

ومع تطاول الحرب الروسية الأوكرانية، تضاعف الاعتماد على الأسمدة المصنعة في دول الخليج وإيران، ولذلك فإن انقطاع سلسلة توريد الأسمدة بتوقف الحركة عبر مضيق هرمز، وارتفاع تكلفة النقل والتأمين، يشكلان كارثة غذائية كبيرة تنذر بفشل الموسم الزراعي للعام 2026-2027، وبالتالي تزايد معدلات الجوع وأزمة الغذاء في الدول الأفريقية.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن شح الغذاء وارتفاع الأسعار لهما تداعيات مباشرة على الأمن والاستقرار الاجتماعي، لأنهما يفرضان عبئا ماليا إضافيا على ميزانية العائلة المحدودة أصلا، ويضعفان القوة الشرائية للقطاعات الهشة في المجتمع، فتزداد مساحة الفقر والحاجة، وانعدام الأمن الغذائي.

وغالبا ما تستغل النقابات العمالية هذه الحالة للثورة على الحكومات عبر الإضرابات والوقفات الاحتجاجية. وبالمقابل تقوم الحكومة باستخدام القوة والقمع لفرض الأمن والنظام، مما يضيق مساحة الحريات العامة، ويغذي محركات الثورة والتمرد.

حالة الشد والجذب بين الدولة والنقابات، وتصاعد أزمات الغذاء وندرة الحاجيات الأساسية، تمثل البيئة المناسبة لثورة جيل "زد"، وقد شهدت القارة ثورات عارمة لهذا الجيل المتمرد في السنوات الأخيرة، كان محركها الأساسي الحاجة للمأكل والعمل والحرية، وأحدثت تحولات سياسية واجتماعية هائلة في دول مثل المغرب، وكينيا، وتنزانيا، ومدغشقر، وغيرها.

تداعيات سياسية وإستراتيجية

أعادت الحرب على إيران دول القارة الأفريقية إلى عهد الانحياز القهري والمحاور التي عرفتها إبان الحرب الباردة، إذ عمدت الولايات المتحدة إلى استخدام الضغط السياسي، عبر أذرعها الطويلة؛ لكسب الدول الأفريقية في حربها مع إيران.

ووجدت دول القارة نفسها أمام معادلة بالغة الحساسية بين علاقاتها مع القوى الكبرى، وبين تجنبها الدخول في صراع لا يعنيها مباشرة. ورغم الضغوط الأمريكية القوية، فإن القادة الأفارقة يمكنهم الاستفادة من السياسة الحكيمة التي اتخذوها إبان الحرب الروسية الأوكرانية، والتي جنبت القارة الوقوع في براثن الاستقطاب والبلقنة.

من جانب آخر، فإن التوتر الراهن في مضيق هرمز، سيؤدي بالضرورة إلى توترات مشابهة على شواطئ البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وحتى السواحل الأفريقية على المحيط الهندي، لا سيما بعد مهاجمة إيران قاعدة دييغو غارسيا الأمريكية البريطانية، الواقعة في جزر "تشاغوس" في عرض المحيط الهندي.

وربما تمتد حالة التوتر حتى خليج غينيا الذي يشهد منذ مدة مواجهات متجددة مع قراصنة النفط وتجار المخدرات والبشر.

من أجل ذلك سيزداد نهم القوى الكبرى، والقوى الصاعدة مثل تركيا والهند، لإيجاد مزيد من القواعد على هذه الشواطئ الإستراتيجية المهمة، بالذات على البحر الأحمر وباب المندب، وقد شهدنا نهاية العام الماضي الحراك السياسي والعسكري الضخم في المنطقة بعد اعتراف إسرائيل الأحادي بإقليم أرض الصومال الانفصالي.

وسبق أن شهدت المنطقة حراكا كبيرا بشأن الطلب الروسي لإيجاد قاعدة على الشاطئ السوداني بالبحر الأحمر، وقد رشحت معلومات مؤخرا أن الولايات المتحدة تواصلت من الحكومة السودانية، للحصول على قاعدة بحرية على البحر الأحمر كذلك.

وليست إرتيريا، وجيبوتي، بمعزل عن هذا التدافع.

كل ذلك يعكس احتدام التنافس الدولي المعلن والخفي للحصول على موضع قدم على شاطئ البحر الأحمر الذي تزداد أهميته الإستراتيجية بسبب أحداث مضيق هرمز.

وهذا التسابق الدولي على هذا الممر الهام يجب أن تستغله الدول المطلة على البحر الأحمر، والاستفادة القصوى من ميزة الموقع في تحسين شروط الشراكات لأقصى درجة ممكنة، باعتباره ورقة رابحة في يدها، عندما تفاوض أية دولة طامحة في الحصول على موطئ قدم إستراتيجي على شواطئها.

وفي ذات الوقت على هذه الدول أن تتحسب للآثار السالبة لوجود قواعد أجنبية على أراضيها، إذ يمكن استغلالها للهجوم على دول أخرى، ما من شأنه تهديد الأمن القومي للدول المضيفة للقواعد، وتهديد الأمن الإقليمي كله.

فرص أمام التكامل الأفريقي

في مقابل هذه التحديات الماثلة، فإن الحرب على إيران، وإغلاق مضيق هرمز، كشفا عن فرص كبيرة أمام الدول الأفريقية، سواء على المستوى القُطري، أم على المستوى الإقليمي والقاري، ونستعرض أهم هذه الفرص:

  • أدى الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط والوقود إلى مكاسب كبيرة للدول الأفريقية المنتجة للنفط، مثل نيجيريا، وأنغولا، والغابون، وليبيا، والجزائر، مما ساعد هذه الدول في تغطية العجز ومواجهة الزيادة غير المحسوبة في أسعار الغذاء والمواد الأساسية، دون أن تضطر لزيادة الإنتاج.

ولكن المكسب الأكبر هو زيادة اهتمام الشركات العالمية بالاستثمار في تطوير صناعة النفط وموارد الطاقة التقليدية والنظيفة في أفريقيا، وهو اتجاه يمكن أن تستفيد منه دول أفريقية لديها مخزون كبير من النفط، لكنه يحتاج إلى استثمارات ضخمة، مثل تشاد، والنيجر، والسودان، والسنغال، وموريتانيا، وأوغندا، وغيرها.

ومن المتوقع أن يعجل هذا الاهتمام الدولي بتحريك التمويل لمشروعات ضخمة جرى الحديث عنها منذ عدة سنوات مثل مشروع أنبوب الغاز من نيجيريا عبر الجزائر إلى أوروبا، ومشروع تصدير النفط الأفريقي إلى الأمريكتين بحكم القرب الجغرافي، وغيرها.

  • أدركت الدول الأفريقية خطورة وهشاشة الاعتماد على الممرات البحرية البعيدة، وسلاسل الغذاء العالمية التي يمكن أن تتوقف في أية لحظة، ودون سابق إنذار، ومن شأن هذا الفهم أن يعجل الخطى نحو التكامل الإقليمي والقاري وتشجيع التجارة البينية، وتعزيز سلاسل الإمداد الإقليمية وشبه الإقليمية في مجالات الطاقة والأسمدة والسلع الاستهلاكية، بدلا من الارتهان إلى الأسواق البعيدة المضطربة.
  • أمام الاتحاد الأفريقي الآن فرصة سانحة للدفع قدما بخطط التكامل الاقتصادي القاري، واتفاقية التجارة الحرة، ومراجعة إستراتيجيات الطاقة والأمن الغذائي ودعم القطاع الخاص. وذلك عبر إحكام التنسيق والتعاون مع المنظمات الإقليمية وشبه الإقليمية الأفريقية مثل "الكوميسا" والمجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا و"السادك" و"الإيغاد" وغيرها.
  • وأخيرا فإن الفرصة تبدو سانحة الآن أمام الدول الأفريقية، لاستغلال حالة التردد والارتباك لدى الشركات الكبرى من الاستثمار في الشرق الأوسط، واستقطابها للاستثمار في أفريقيا في المجالات الكبرى مثل الطاقة المتجددة والأسمدة والصناعات الغذائية، والتكنولوجيا، وهي مجالات مهمة لبناء نموذج اقتصادي أفريقي، يحقق التنمية المتكاملة ويمنع صدمات الأسواق؛ بسبب التبعية الاقتصادية والارتهان للخارج.

الاثنين، 28 أكتوبر 2024

اختراق السودان تحت مزاعم "المساعدات"

 

اختراق السودان تحت مزاعم "المساعدات"

دبلوماسى سودانى سابق وباحث فى الشئون الأفريقية

السودان بلد مأزوم بالكوارث بفعل الطبيعة أو بفعل الإنسان، وتتعدد أسباب الكوارث والأزمات الإنسانية في السودان، منها موقع السودان الجغرافي في منطقة الساحل الأفريقي الكبير، وهو الحزام الطولي الممتد من إريتريا إلى السنغال، والذي يشهد موجات عنيفة من الجفاف ونقص الغذاء منذ سبعينيات القرن الماضي، فيما عُرف بالجفاف العظيم.

ومنها موارد السودان الكبيرة غير المستغلة التي تحفز التدخلات الأجنبية، ومنها سياسات الحكومات المتعاقبة التي تقاصرت عن تحقيق الأمن والاستقرار، واستغلال موارد البلاد الهائلة لرفاهية الإنسان.

فتحت الأزمات الإنسانية الباب واسعًا أمام المنظمات الإنسانية الدولية للدخول إلى السودان تحت مظلة العون الإنساني، ولكنها مع مرور الوقت انداحت على امتداد البلاد وعاثت فسادًا، وتجاوزت بشكل واضح تفويضها الممنوح لها، بل إنها ضربت عرض الحائط بمبادئ وقيم العمل الإنساني الدولي المعروفة.

وتعتبر عملية شريان الحياة النموذج الأشهر لتداخل العون الإنساني بالسياسة، ولاستباحة المنظمات الإنسانية – بما فيها منظمات الأمم المتحدة – سيادة السودان، مما أسهم في إطالة أمد الحرب على مختلف الجبهات.

إن دراسة تجربة عملية شريان الحياة ضرورية لمعرفة العلاقة بين العون الإنساني والسياسة، وكيف استخدمت المنظمات الإنسانية الدولية العون الإنساني في السودان لخدمة أجندة سياسية بامتياز ليس لها أية علاقة مباشرة بالتفويض الممنوح لهذه المنظمات.

ومن خلال دراسة هذه العملية الإنسانية المعقدة يمكن أن نفهم بشكل أفضل أسباب الخلاف الماثل بين السودان والمجتمع الدولي فيما يتعلق بالعون الإنساني الدولي للتخفيف من آثار الأزمة الراهنة في البلاد، سواء في منبر جنيف، أو مع الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية.

عملية "شريان الحياة"

تعتبر عملية شريان الحياة واحدة من أكبر وأطول عمليات العون الإنساني التي نفذتها الأمم المتحدة على مستوى العالم، واستمرت عمليًا من العام 1989، وحتى العام 2010. هدفت العملية إلى إيصال الغذاء والمساعدات الإنسانية المختلفة إلى مناطق النزاع في جنوب السودان، وغيرها من المناطق المتضررة؛ بسبب الحرب أو الجفاف في بقية أنحاء السودان.

وقامت العملية على جملة من الترتيبات الإدارية والسياسية والتنظيمية التي وافقت عليها حكومة السودان في نهاية فترة الديمقراطية الثالثة، وتم تنفيذ العملية تحت مظلة الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية، وصدر عدد من القرارات من المنظمة الدولية بشأن العملية.

بالرغم من أن العملية تمت تحت مظلة المنظمة الأممية، فإن المؤشرات تؤكد أنها كانت مبادرة أميركية كاملة، حيث مارست الولايات المتحدة وحلفاؤها ضغوطًا كبيرة على حكومة السودان للقبول بالعملية.

أشرفت الحكومة الأميركية على مراحل العملية المختلفة، وكانت هي المانحة الكبرى للعملية. نجح الضغط الدبلوماسي الأميركي في إرغام حكومة السودان على الجلوس مع حركة التمرد في جنوب السودان والتوقيع سويًا على الوثيقة الأساسية للعملية في مارس/ آذار 1989.

بذلك شكلت شريان الحياة سابقة دولية فريدة، إذ كانت المرة الأولى في تاريخ الدولة الوطنية الحديثة أن تسمح دولة ذات سيادة بإيصال المساعدات الإنسانية مباشرة للمتضررين في مناطق من ترابها الوطني تسيطر عليها حركات مسلحة خارجة عن الدولة. 

ورغم الهدف الإنساني السامي للعملية، فإنها شهدت تجاوزات خطيرة أضرت بسيادة السودان، وهددت وحدته الوطنية.

كان التجاوز الأول في العملية هو أن المنظمات الإنسانية استغلت الوثيقة التي وقع عليها الطرفان كذريعة للاعتراف بفصائل التمرد كجهات سياسية تسيطر وتدير شؤون الحياة في المناطق التي تسيطر عليها. باتت تتعامل مباشرة مع هذه الجهات دون الحاجة إلى الإذن أو التنسيق مع الحكومة المركزية، مما يعني أن المنظمات باتت تعامل حركات التمرد على قدم المساواة مع الحكومة السودانية.

تطور الأمر أبعد من ذلك، حيث وقعت حركة التمرد اتفاقية ثنائية مع عملية شريان الحياة دون مشاركة الحكومة السودانية في العام 1995، وكانت تلك سابقة أخرى تحدث لأول مرة، أن توقع الأمم المتحدة اتفاقية ثنائية مع حركة متمردة دون إشراك الحكومة المركزية. بتوقيع هذه الاتفاقية، أصبحت حركة التمرد في جنوب السودان تدير حركة العون الإنساني سواء من نيروبي أو من مواقع في داخل جنوب السودان بالتنسيق مع الأمم المتحدة مباشرة دون إذن أو تنسيق مع الحكومة السودانية.

تأكيدًا لسيطرة حركة التمرد على سير العملية الإنسانية في مناطق سيطرتها، فرضت الحركة قيودًا على المنظمات الإنسانية الدولية، بدأت بإلزامها بالحصول على الأذونات من حركة التمرد كشرط مسبق للعمل في المناطق التي تسيطر عليها الحركة، وانتهى الأمر بإلزام المنظمات بتوقيع مذكرات تفاهم منفصلة مع حركة التمرد تمامًا، مثل المذكرات التي وقعتها المنظمات مع حكومة السودان، مما يعني اعتراف هذه المنظمات بحركة التمرد كجهة سياسية حاكمة. وقامت الحركة بطرد كل المنظمات التي رفضت توقيع مذكرة تفاهم معها.

وهكذا، انفردت حركة التمرد بإدارة العون الإنساني في مناطق سيطرتها، وسخرت ذلك لخدمة أجندتها السياسية والعسكرية، وذلك بتوجيه الإغاثة مباشرة لتشوين قواتها المقاتلة على امتداد جنوب السودان، واستغلت طائرات الإغاثة لنقل الجنود وإسعاف الجرحى إلى نيروبي، ونقل الأسلحة والمؤن إلى قواتها في الحاميات النائية في الجنوب.

شارك في ذلك عدد من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الإنسانية الغربية، بما فيها منظمة الصليب الأحمر الدولي التي تعتبر أكثر المنظمات التزامًا بمبادئ ومواثيق العمل الإنساني والقانون الدولي الإنساني.

ورغم أن الحكومة السودانية قد قبضت على عدد من طائرات وموظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الإنسانية متلبسين بجريمة نقل الذخائر والأسلحة لحركة التمرد؛ لإذكاء نار الحرب، ونقل قادة الحركة ومقاتليها على طيران الإغاثة، فإن ذلك العمل الشنيع لم يجد الاستنكار اللازم من دول المركز ومنظماتها.

بالمقابل، استمرّت قيادة عملية شريان الحياة في انتهاك سيادة السودان، والتحريض على الحكومة المركزية والسكوت عن تجاوزات ومخالفات فصائل التمرد، وتجاوزها المستمر للقواعد التنظيمية والإدارية التي قامت عليها عملية شريان الحياة، مما يعني دعمها المباشر أو غير المباشر لعملية توظيف العون الإنسانيّ لدعم حركة التمرّد في جنوب السودان.

دعم الحرب في دارفور

إن تعامل المنظمات الإنسانية المباشر مع حركة التمرد في الجنوب دفعها لمقاطعة الحكومة المركزية تمامًا والانسياق مع برامج وتوجهات حركة التمرد، لدرجة أن هذه المنظمات تبنت أطروحات الحركة وخطابها السياسي.

أصدر تحالف المنظمات العاملة في جنوب السودان، والذي يضم منظمات دولية مرموقة، مثل: أوكسفام وحماية الطفولة، بيانًا ناشد فيه المجتمع الدولي فرض السلام فرضًا في السودان باعتباره الوسيلة الوحيدة لإنهاء حالة الطوارئ الإنسانية المعقدة في البلاد.

تصاعد الطابع السياسي للعملية، حيث بدأ المسؤولون في عملية شريان الحياة في استخدام الخطاب السياسي لحركة التمرد الذي ينادي بحماية حقوق المهمشين اقتصاديًا وسياسيًا في شمال السودان، وينادون برفع الظلم عنهم، في تجاوز فاضح لدورهم الإنساني الذي حددته الوثيقة الأساسية الموقعة مع حكومة السودان، وتجاوزوا في ذات الوقت مبادئ العمل الإنساني القائمة على الحياد والنزاهة.

في وسط هذا المشهد الذي تنمرت فيه منظمات العون الإنساني الدولية وخرجت عن سلطان الحكومة السودانية وعن سيطرة الأمم المتحدة، جاءت أزمة إقليم دارفور في العام 2003، فقفزت منظمات المجتمع المدني الغربية عامة، واليهودية الأميركية خاصة، في مركب دارفور، وقادت حملة تشويه وتحريض ضخمة ضد السودان بشكل لم يسبق له مثيل.

قاد هذه الحملة الشعواء تحالف "أنقذوا دارفور" في أميركا الذي ضم عددًا كبيرًا من المنظمات، معظمها يهودية ودينية مسيحية، ولها مواقف مبدئية معادية لحكومة السودان. استغل تحالف "أنقذوا دارفور "حالة الفوضى التي خلقتها المنظمات الإنسانية العاملة في عملية شريان الحياة، ولم يوقع أي اتفاق مع حكومة السودان، ولم يطلب إذنها للعمل في دارفور أصلًا.

دشن تحالف "أنقذوا دارفور" مرحلة جديدة وغريبة في عمل        المنظمات، وهي التعامل مع المانح والمستفيد مباشرة دون الحاجة  للدولة، مما يؤكد توجه التحالف لانتقاص سيادة الدولة السودانية    بغية توفير الدعم السياسي والدبلوماسي والإعلامي للحركات        المسلحة في دارفور.

كما أن التحالف لم يلتزم بمبادئ العمل الإنساني الدولي المعروفة، وإنما أصبح تجمعًا سياسيًا بامتياز يعمل على التحريض ضد الحكومة السودانية وتشويه صورة السودان لدى الرأي العام الأميركي والعالمي.

قامت المنظمات اليهودية الأميركية التي قادت تحالف أنقذوا دارفور بتبني سياسات وإستراتيجيات تهدف لإعادة ترتيب الأوضاع في السودان وإعادة صياغة الواقع السياسي والاجتماعي في البلاد تحت مظلة العمل الإنساني.

وفي سبيل ذلك، استخدمت المساعدات الإنسانية كأداة لفرض نفوذها السياسي وبناء تحالفات خبيثة تخدم مصالح الدول المانحة. ومن جانب آخر، نجحت المنظمات في إحداث تغييرات سلبية عميقة في المجتمع، حيث تحول إنسان دارفور من إنسان منتج وعامل مجتهد إلى متلقٍّ للدعم، عاطل عن العمل، عاجز عن الإسهام في تنمية المجتمع.

وأخيرًا، فقد تحولت عملية شريان الحياة من عملية إنسانية إلى عملية سياسية ممتدة، بدءًا من الحوار بشأن الممرات الآمنة مرورًا بالحوار حول وقف العدائيات وانتهاءً بمفاوضات السلام السودانية التي كانت المنظمات عنصرًا رئيسيًا فيها.

لقد نُشر الكثير من الكتابات عن عملية شريان الحياة وتداعياتها على منظومة العمل الإنساني الدولية. ومن أهم ما كُتب عنها بالعربية كتاب الباحث السوداني محمد الفاتح مجذوب بعنوان: "تقاطع السياسة والعون الإنساني في السودان، عملية شريان الحياة نموذجًا"، الذي نشره مركز الجزيرة للدراسات.

إن استيعاب هذه التجربة مهم جدًا في وقت يواجه فيه السودان الآن أزمة إنسانية خطيرة يحتاج فيها بالضرورة لدعم العالم ومنظماته الإنسانية رغم مساوئها الجمة التي أشرنا إلى بعض منها.

بيدَ أن حاجة السودان الماسة للدعم الإنساني الدولي لا تبرر بأي حال استغلال العون الإنساني لفرض الأجندة السياسية للدول المانحة تحت أي ذريعة كانت.

ولا مشاحة أن يتعامل السودان – ولو على مضض – مع المنظمات الإنسانية الدولية إن التزمت بمبادئ العمل الإنساني الدولي ونظمه. وقديمًا قال الشاعر: "ومن نكد الدنيا على الحُر… أن يرى عدوًا له ما من صداقته بدّ".

السبت، 27 يوليو 2024

أحمدو همباتيه باه: رائد الأدب الشفاهي الأفريقي وحارس ذاكرة القارة

 

أحمدو همباتيه باه: رائد الأدب الشفاهي الأفريقي وحارس ذاكرة القارة

دبلوماسى سودانى سابق وباحث فى الشئون الأفريقية

يعتبر أحمدو همباتيه باه واحدًا من أهم الكتاب والروائيين والمؤرخين الأفارقة، الذين قدموا مساهمات فكرية وثقافية متميزة غيرت النظرة العامة للقارة الأفريقية ومجتمعاتها، وحفظت تراث وتاريخ القارة التي اعتبرها الاستعمار الغربي مجتمعات بلا تاريخ ولا ثقافة ولا حضارة.

وذلك لأن التراث الأفريقي في غالبه تراث غير مكتوب، وإنما هو قصص عن بطولات الأجداد يكتبها الشعراء بلهجتهم المحلية، وتتداولها الأجيال في شكل قصص وأشعار وأغانٍ شعبية. وبالتالي فإن من يجهل اللهجات المحلية الأفريقية لا يمكنه أن يكتشف هذا الكَنز المعرفي الثري.

اهتم همباتيه باه منذ شبابه الباكر بالتراث والأدب الأفريقي الشفاهي، ودراسته وتحليله ومن ثم كتابته باللغات الحية، لا سيما باللغة الفرنسية، واستطاع بذلك أن يثبت أن أفريقيا لها تراث وثقافة عريقة وتاريخ ناصع ضارب في القدم، وأنها أسهمت وقدمت للبشرية الكثير، ولكنها تحدثت بلسانها المحلي، وحفظت هذا الموروث الحضاري الإنساني الضخم في أهازيج وأشعار وملاحم بطولية تنتقل شفاهية من جيل إلى جيل.

خاض همباتيه باه معارك كبيرة من على المنابر الدولية؛ بغية التعريف بالموروث الشفاهي الأفريقي، بالذات من على منبر اليونسكو. وقد أطلقت عليه اليونسكو لقب "العجوز المكتبة" لما يختزنه عقله من موروث ثقافي واجتماعي ضخم عن التاريخ الأفريقي. هذا الرجل العلم كُتب عنه كثير بالعديد من لغات العالم الحية، ولكن الكتابة عنه بالعربية قليلة جدًا، وهذا المقال محاولة للتعريف أكثر بهذا الهرم الثقافي والتراثي الأفريقي الفذ.

شعوب بلا حضارة

مقولة "شعوب بلا حضارة" كانت عبارة مفتاحية في حقبة الاستعمار الغربي للقارّة، ذلك أن المستعمر- جهلًا منه بتاريخ هذه القارة الضارب في القدم – ادعى أن أفريقيا قبل الاستعمار لم يكن لها حضارة، وأن حملة الاستعمار الغربي للقارة، إنما هي عمل إنساني في المقام الأوّل بغية تعليم شعوب هذه القارة الحضارة.

وتبنى هذا المنطق الخاطئ العديد من السياسيين والمثقفين الغربيين، ودافعوا عنه، وذلك لأن التاريخ الأفريقي تاريخ شفاهي، ويستخدم اللغة المحلية. بل وزادوا على ذلك بأن هذه الشعوب لم تكن تعرف معنى الحكم والسلطة المركزية، وأنها شعوب أقرب إلى الهمجية، وأن جيوش الاستعمار الزاحفة على القارّة وجدت أرضًا بلا شعب ولا نظام حكم، واستولت عليها لتبني لأهلها حضارة وتصنع لهم تاريخًا مشتركًا.

هذه الحجة الداحضة تصدى لها عدد من المفكرين الأفارقة وقدموا أطروحات قوية أثبتت خطأ هذا المنطق المعوج، ومن أشهر هؤلاء المفكرين، السنغالي البروفيسور الشيخ أنتا ديوب الذي قدم في خمسينيات القرن الماضي أطروحته للدكتوراه بعنوان "الشعوب السوداء والحضارة".

وملخص رؤية الشيخ أنتا ديوب الذي درس الحضارة النوبية القديمة في وادي النيل، أن أقدم حضارة في العالم هي الحضارة النوبية، وأن النوبيين كانوا أفارقة، إذن فإن أفريقيا السوداء هي أصل الحضارة البشرية القائمة اليوم، وعليه فإن منطق الاستعمار بأنه جاء ليعلم الأفارقة الحضارة، هو منطق خاطئ ويسير عكس حقائق التاريخ والأنثروبولوجيا.

أما المفكر والباحث الاجتماعي الآخر فهو أحمدو همباتيه باه الذي درس الأدب الأفريقي الشفاهي وترجمه إلى الفرنسية ولغات حية أخرى، وأثبت أن الأفارقة لهم ثقافة وحضارة وتاريخ ضارب الجذور، وعليه فإن حجة الغرب لتبرير الاستعمار حجة داحضة. فمن هو أحمدو همباتيه باه؟

مدرسة تحت الأشجار

ولد المؤرخ والباحث الاجتماعي، أحمدو همباتيه باه في مطلع القرن العشرين، في حوالي العام 1900/1901 في منطقة ماسينا عاصمة مملكة الفولاني المشهورة في جمهورية مالي الحالية. ولد لأسرة من النبلاء، شديدة التدين، وشديدة الولاء للطريقة التيجانية.

ومثل كل أبناء جيله درس في طفولته القرآن الكريم، وتعلم الفقه والعلوم الشرعية واللغة العربية على يد شيخه الفقيه تشيرنو أبوبكر، الذي كان له أثر كبير في حياته والتزامه الصوفي.

التحق بالمدرسة الفرنسية وتعلم فيها، وكان نابهًا ومتميزًا، ولكنه وقف ضد إجبار الأفارقة على القتال إلى جانب المستعمر الفرنسي في الحرب العالمية الأولى. وتعبيرًا عن ذلك رفض الالتحاق بالمدرسة الثانوية الفرنسية الوحيدة في ذلك في الوقت في جزيرة غوري في السنغال.

وعقابًا له على ذلك الرفض تم نفيه إلى واغادوغو في مقاطعة فولتا العليا، المعروفة حاليًا باسم بوركينا فاسو، وكانت مقاطعة نائية وموحشة في مطلع القرن الماضي، ليعمل مترجمًا للحاكم الفرنسي هناك. كتب همباتيه باه عن تلك الرحلة المرهقة من باماكو عاصمة مالي إلى واغادوغو، ووصفها وصفًا دقيقًا في مذكراته بالفرنسية المسماة "نعم سيدي القائد".

حكى كيف كان الضباط الفرنسيون يركبون على الجياد الأصيلة بينما الأفارقة يمشون راجلين أمامهم وهم يحملون الأمتعة والزاد، ولمس لأول مرة قهر المستعمر للسكان الأصليين. كان يستمع لقصص وأهازيج العمال المرافقين للضباط الفرنسيين، التي تحكي تاريخ بلادهم التليد وقصص ملوكهم وأبطالهم الملهمة. وربما كانت هذه الرحلة هي التي حفزته على أن يتعمق في الأدب الشفاهي الأفريقي ويقدمه لاحقًا للعالم في قصص وملاحم رائعة.

كانت فترة عمله في واغادوغو مهمة جدًا في تشكيل فكره، واكتشاف نفسه، واستغل وقته في الجلوس مع زعماء القبائل والشيوخ والشعراء التقليديين والمغنين، واستمع إليهم بانتباه وهم يحكون له تاريخ أسلافهم وأبطالهم والملاحم الكبرى التي خاضوها.

لقد تعمق في الأدب الأفريقي الشفاهي وجمع تراثًا كثيرًا، ونذر نفسه لنقل هذا التراث إلى العالم، باعتباره ميراثًا للإنسانية جمعاء. وكتب عن تلك المرحلة الباكرة من عمره قائلًا: "لقد تعلمت وتخرجت في مدرسة الأدب الشفاهي الأفريقي العظيمة، وكنت أتلقى دروسي تحت ظلال الأشجار الوارفة".

في العام 1942، التحق كباحث بالمعهد الفرنسي لدراسات أفريقيا السوداء في السنغال "إفان". وما يزال هذا المركز، واحدًا من أهم مراكز البحث في القضايا الأفريقية، ويتبع الآن لجامعة دكار. في هذا المعهد تجلت موهبته في كتابة التاريخ الأفريقي الشفاهي باللغة الفرنسية، ومن أهم أعماله كتابه عن تاريخ مملكة الفولاني في ماسينا. وهو بحث غير مسبوق عن تاريخ قبائل الفولاني.

على منبر اليونسكو

بعد استقلال بلاده، جمهورية مالي في العام 1960، التحق بمنظمة اليونسكو في باريس، واستغل هذا المنبر الدولي للدفاع عن الأدب الشفاهي الأفريقي، وكانت له صولات وجولات.

لقد أثار اهتمامه قلة الإلمام بالتراث الأفريقي الشعبي، لأنه ميراث غير مكتوب، وساءه جدًا وصف كثير من الغربيين للأفارقة بالأمية والجهل، وعدم المساهمة في إثراء الموروث الثقافي الإنساني. فانبرى للرد على هذه المزاعم، قائلًا: نعم قد نكون أميين لأننا لا نكتب، ولكننا لسنا جهلاء، نحن أصحاب ثقافة وتراث وتاريخ وأدب وحكمة وإيمان، ولكننا نعبر عن كل ذلك بلغاتنا المحلية التي عرفناها قبل قرون من معرفتنا للغة الغرب المستعمر.

وبدأ بحشد الدعم الأفريقي والدولي للحفاظ على التراث الأفريقي الشفاهي، وتصنيفه وكتابته وحفظه. وقال في هذا الصدد: "إذا كنا نؤمن بأن الميراث الإنساني لأي شعب هو ميراث لكل البشرية، فإن التراث الأفريقي إذا لم يجمع حالًا ويكتب على الورق، فإنه سيضيع يومًا ما من الأرشيف الإنساني الدولي". وأثمرت جهوده المضنية والمستمرة، بأن تبنت منظمة اليونسكو برنامجًا كبيرًا لجمع وكتابة التراث الشفاهي والتاريخ الأفريقي، وترجمته وحفظه، على غرار برنامجها المعروف بالحفاظ على الآثار النوبية القديمة.

لقد بذل أحمدو همباتيه باه جهودًا كبيرة من أجل إقناع اليونسكو بتبني برنامج جمع وحفظ التراث الشفاهي الأفريقي. وفي سبيل ذلك أطلق من على منبر اليونسكو عبارته المشهورة: "إن موت عجوز أفريقي يعني احتراق مكتبة بأكملها". وراجت هذه العبارة بشكل كبير، وترجمت للعديد من لغات العالم الحية، واتخذتها اليونسكو لتكون شعارًا لبرنامجها الضخم لجمع وكتابة التاريخ والتراث الشفاهي الأفريقي.

ويعتبر هذا البرنامج اعترافًا وتقديرًا من العالم للدور الذي قام به أحمدو همباتيه باه، وتتويجًا للمهمة الكبيرة التي نذر نفسه لها منذ شبابه الباكر، بأن يحفظ ذاكرة قارة كاملة من الضياع. وقد نال العديد من الأوسمة والميداليات والنياشين العالمية؛ تقديرًا لدوره في حفظ التراث الأفريقي.

لقد أثبت أحمدو همباتيه باه في كتاباته الغزيرة أن أفريقيا لها تاريخ عريق وثقافة ثرية، وزعماء عظام كان لهم سهم في إثراء التاريخ الإنساني. وأظهر في كتاباته البعد الروحي العميق للثقافة الأفريقية، وتأثير الإسلام والطرق الصوفية على فكر وثقافة وحياة الإنسان الأفريقي العادي، بالإضافة إلى القيم الأفريقية السامية، مثل: الشجاعة، والكرم، والصدق، والتواضع. إنه رجل جدير بالاحترام.

الأحد، 26 مايو 2024

هل تنجح إثيوبيا في الوصول إلى المياه الدافئة؟

هل تنجح إثيوبيا في الوصول إلى المياه الدافئة؟


تفاجأ العالم بالاتّفاق الذي وُقّع خلال الأيام الماضية بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ورئيس إقليم أرض الصومال -غير المعترف به دوليًا – والذي تمّ بموجبه فرض سيادة إثيوبيا على ميناء بربرة الإستراتيجي على البحر الأحمر.

وفي الواقع، فإن آبي أحمد قد مهّد لهذا الاتفاق تلميحًا في خطابه المثير للجدل الذي ألقاه في منتصف شهر أكتوبر الماضي. وطرح الخطاب تساؤلات مهمة حول نوايا إثيوبيا في المنطقة. قال آبي أحمد؛ إن بلاده التي يقدر تعداد سكانها بحوالي 150 مليون نسمة لن تظل حبيسة في سجن الجغرافيا، وأضاف أن الحصول على منفذ بحري مسألة حيوية لإثيوبيا، وألمح إلى أنها ستسعى للحصول على هذا الحق بالسلم أو القوة. وجاء في خطاب رئيس الوزراء الإثيوبي تعبير حمّال أوجه، عندما قال: إن النيل والبحر الأحمر هما الأساس لتطوير إثيوبيا. وهنا يبرز سؤال موضوعي لماذا زجّ بالنيل في موضوع يتعلق بالوصول للبحر الأحمر، علمًا بأن إثيوبيا هي أحد منابع النيل، ولم ينازعها أحد في ذلك؟

أكدت حكومة إقليم أرض الصومال أنها سمحت لإثيوبيا بفرض سيادتها العسكرية والتجارية على ميناء بربرة لمدة نصف قرن، وهذا يعني بلغة القانون أنّ هذه الأرض ستصبح ملكًا للحكومة الإثيوبية وتحت إدارتها المباشرة

بالنظر إلى الجغرافيَّة السياسية في العالم، فإن إثيوبيا ليست هي الدولة الحبيسة الوحيدة، فهناك أكثر من أربعين دولة حبيسة في العالم، منها دول كبيرة، ومنها دول تلعب دورًا مهمًا في العالم، مثل: سويسرا، والنمسا، وكازاخستان، وليس بعيدًا عن إثيوبيا هناك أوغندا وجنوب السودان وملاوي، وغيرها، لم تتمرد هذه الدول على سجن الجغرافيا ولم يمنعها موقعها من أن تنمو وتتقدم وتلعب دورًا إقليميًا وربما دوليًا، فلماذا تريد إثيوبيا أن تكون استثناءً؟ ولذلك فإن هذا التمرد الإثيوبي على حقائق الجغرافيا يشي بأن أديس أبابا عازمة على التمدد في المجال الحيوي لجيرانها بأي ثمن كان، ربما لكي تلعب دورًا ما ستكشف عنه الأيام.

خطاب رئيس الوزراء الإثيوبي نبّه الرأي العام إلى أن أديس أبابا تستعدّ للعمل في المناطق المجاورة الجغرافية؛ بهدف الوصول إلى المياه الدافئة. وذهب كثيرون من المحللين إلى أن تصريحات آبي أحمد تشير إلى أنّ الصراع بين إثيوبيا وإريتريا قد يتطور إلى مواجهة مسلحة في عام 2024، وهذا الخيار ما زال قائمًا على الرغم من التحديات التي تواجهه.

منذ استعادة إريتريا استقلالها في عام 1993، حرمت إثيوبيا من الوصول إلى البحر الأحمر بعد استيلاء إريتريا على ميناءَي عصب ومصوع. ولم تقبل إثيوبيا هذا الوضع، وظلت تبحث منذ ذلك الحين عن وسيلة لاستعادة الوصول إلى المياه الدافئة. قد يتساءل البعض لماذا لا تستخدم إثيوبيا موانئ أخرى في دول الجوار مثل ميناء جيبوتي الذي تستخدمه الآن أو ميناء ممباسا في كينيا، أو حتى ميناء بورتسودان في السودان.

في الواقع، ليست إثيوبيا بحاجة إلى ميناء لتصدير تجارتها إلى الخارج؛ فهذا متاح في دول الجوار الساحلية. إنما ترغب أديس أبابا في ميناء يمكنها أن تديره بنفسها لتعزز سيادتها السياسية والعسكرية، ويكون لها دور فاعل ومؤثر في تأمين الممر البحري الحيوي هذا، الذي يزداد أهمية بناءً على قناة السويس الجديدة.

لا يزال الخيار العسكري للحصول على موانئ إريتريا -والتي تعرفها إثيوبيا جيدًا- مطروحًا ومتداولًا في العقل الإستراتيجي الإثيوبي. ولكن يرى بعض المحللين أن الوقت ليس مناسبًا لهذا الخيار في ظل وجود الرئيس أسياس أفورقي، فهو مقاتل شرس وسياسي براغماتي ويملك جيشًا متماسكًا تحركه روح الثورة والقومية الوطنية والعداء لإثيوبيا. ولكن ستظل عين أديس أبابا على موانئ إريتريا ساهرة، وتعمل لذلك في صمت، وتسعى ربما لاحتواء النظام السياسي الإريتري الذي قد يتشكل في حال غياب الرئيس أفورقي.

وفي سبيل تقنين سياسة احتواء إريتريا، تعمل إثيوبيا على إضعاف السودان وإلهائه بصراع سياسي عديم الجدوى، وتدعم تأسيس حكومة ضعيفة في الخرطوم، مع مراعاة أن السودان هو البلد الوحيد الذي يمكن أن يؤثر على إريتريا بسبب العلاقات الاجتماعية والاقتصادية الوطيدة بين البلدين، مما يعرقل تمدّد الوحش الإثيوبي لاستيعاب المناطق الحدودية وابتلاع أسمرا‫.

ميناء بربرة.. الصفقة الغامضة

بينما كانت كل الأعين تتجه إلى الصراع القادم بين إريتريا وإثيوبيا من أجل وصول الأخيرة إلى المياه الدافئة، فاجأ رئيس الوزراء الإثيوبي العالم باتّفاق غامض مع إقليم أرض الصومال، الذي لا يُعترف به دوليًا. هذا الاتفاق يتضمن استئجار ميناء بربرة في البحر الأحمر، والذي يطل إستراتيجيًا على خليج عدن ومضيق هرمز. لم يتم نشر نص الاتفاق حتى الآن، ولكن تصريحات الطرفين أعطت ملامح عامة لهذا الاتفاق.

أكدت حكومة إقليم أرض الصومال أنها سمحت لإثيوبيا بفرض سيادتها العسكرية والتجارية على ميناء بربرة لمدة نصف قرن، وهذا يعني بلغة القانون أنّ هذه الأرض ستصبح ملكًا للحكومة الإثيوبية وتحت إدارتها المباشرة، مما يعني أن إثيوبيا قد أصبحت دولة ذات سواحل على البحر الأحمر. سيعود سلاح بحريتها، الذي توقف عن العمل منذ استقلال إريتريا في عام 1993، للعمل مرة أخرى على البحر الأحمر، وستصبح إثيوبيا شريكة في كل ترتيبات أمن هذا الممر المائي الهام. لذلك، نحن لسنا أمام اتفاق لتعزيز التجارة فقط، بل أمام اتفاقية لها أبعاد جيوسياسية وأمنية كبيرة على المنطقة.

قالت حكومة أرض الصومال؛ إن إثيوبيا وعدت بالاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة، وهذا ما لم تحصل عليه "أرض الصومال" منذ انفصالها عن الصومال في عام 1991. من ناحية أخرى، أكد مصدر موثوق إثيوبي أن أرض الصومال ستحصل على جزء من أسهم شركة الخطوط الجوية الإثيوبية، التي تعتبر عملاقة في مجال النقل الجوي الأفريقي. هذا العرض يثير اهتمامًا كبيرًا.

أثار هذا الاتفاق الغامض موجة واسعة من الغضب والاستياء في دول الإقليم. ردت حكومة الصومال الشرعية بسرعة وحزم، حيث رفض البرلمان الصومالي الاتفاق وألغته الحكومة الشرعية في مقديشو. اعتبرت أن أرض الصومال هي جزء من الصومال، وأنها ليست لها الأهلية القانونية لتوقيع مثل هذا الاتفاق. قررت الصومال أيضًا استدعاء سفيرها في إثيوبيا؛ احتجاجًا على هذا الفعل الذي يتجاوز كل القوانين والأعراف الدولية.

من جانب آخر، رفضت دول الإقليم هذا الاتفاق الأحادي، مؤكدة أن أرض الصومال ليس لها الحجية القانونية في هذا الاتفاق. جمهورية جيبوتي كانت أكثر دول الجوار تضررًا بهذا الاتفاق، حيث ستفقد مبالغ طائلة تتجاوز المليار دولار، وهي الرسوم التي كانت تحصل عليها سنويًا من مرور 95٪ من تجارة إثيوبيا عبر ميناء جيبوتي. كما أن الاعتراف الإثيوبي ضمنيًا بإقليم أرض الصومال يعرقل المشروع الضخم الذي يرعاه الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي لتوحيد شمال وجنوب الصومال، والذي قطع شوطًا مهمًا في السنوات السابقة.

بينما ما زال رد فعل الاتحاد الأفريقي والإيغاد غامضًا وخجولًا.

التنمر على النظام الدولي

يواجه الاتفاق الغامض تحديات جمة، وهي تحديات قانونية وموضوعية تجعل منه وثيقة لا قيمة لها في القانون الدولي. فالمنطق الذي تتبناه حكومة الصومال الشرعية واضح ومقنع؛ لأن ما يسمى بــ"جمهورية أرض الصومال" ليست لها أية شرعية قانونية. ولكن حكومة الصومال لا تستطيع أن تفعل أكثر من الاحتجاج في المحافل القارية والدولية، فهي دولة لا تزال في طور التعافي الهش، وموقف أحزابها متباين حول العلاقة مع إثيوبيا.

كما أن الواقع الدولي بعد حرب غزة، وتنمر إسرائيل على كل القيم والمواثيق الدولية يؤكدان أن منطق القوة والحظوة من طرف دول المركز أقوى من المواثيق الدولية والنصوص القانونية التي لا تسندها قوة. فالسيف أصدق إنباءً من الكتب.

وبسبب الحظوة الدولية التي تتمتع بها إثيوبيا، فإنها قد تمضي في صفقتها دون أن تكترث بما يُقال حولها من دول الجوار. لا شك أن إثيوبيا قد حصلت على موافقة من واشنطن قبل توقيعها على الاتفاق مع أرض الصومال، وذلك لأن أمن البحر الأحمر أصبح ملفًا مهمًا للولايات المتحدة الأميركية، ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو). هذه الدول تسعى في الأساس إلى تقليل تأثير روسيا والصين في المنطقة والتحكم فيها. ولا يمكن للولايات المتحدة- التي تمتلك قاعدة مهمة في جيبوتي- ألا تكون لها معرفة مسبقة بشأن التوسع الإثيوبي في البحر الأحمر. وهذا يعني أيضًا أن فرنسا لديها معرفة وموافَقة ضمنية على هذا الأمر.

سد النهضة وسياسة الأذن الصماء

نعود في ختام هذا المقال إلى ما قاله رئيس الوزراء الإثيوبي؛ إن النيل والبحر الأحمر يشكّلان الأساس لتطوير بلاده، ولماذا الزج بالنيل في هذا الصراع الإستراتيجي. المعنى المبطن لهذا التصريح هو أن رئيس الوزراء يريد أن يقول، إن بلاده وفي سبيل الحصول على موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر ستستخدم نفس سياسة الأذن الصماء التي استخدمتها في إدارة ملف سد النهضة.

فعلى مدى عَقد كامل من الحوار والاجتماعات بين إثيوبيا ودولتَي الممر والمصب – السودان ومصر – لم تتوقف إثيوبيا أبدًا عن السير في تنفيذ مشروع سد النهضة حتى أصبح السد واقعًا لا تخطئه العين. لقد أثارت مصر والسودان مخاوف أساسية حول سد النهضة وقدمتا مجموعة حلول، ولكن إثيوبيا تمضي في غيها وترفض التوقيع على أية وثيقة قانونية ملزمة لها فيما يتعلق بتعبئة السد وتشغيله.

وواقع الحال يؤكد أن إثيوبيا المحمية من قوى المركز وحلفائها ستسير على ذات سياسة الأذن الصماء حتى تجد موضع قدم على البحر الأحمر كما تريد. وإذا نظرنا – مليًا – فسنجد أن الحلفاء أنفسهم الذين دعموا وموّلوا قيام سد النهضة هم من يقفون مع إثيوبيا في مشروعها في الوصول إلى مياه البحر الأحمر الدافئة. والمغزى واضح.

الجمعة، 19 أبريل 2024

الخاسرون والرابحون في لعبة التدخل الأجنبي في السودان

 

الخاسرون والرابحون في لعبة التدخل الأجنبي في السودان

الصراع المحتدم حول السودان، تحرّكه دوافع اقتصادية وجيوسياسية وأيديولوجية متداخلة، وهو جزء من خطة إعادة تشكيل المنطقة التي تقودها دول المركز. لقد شهد الصراع بين حكومة الإنقاذ من جهة، ودول الغرب حالات من المدّ والجزر، بالذات مع الولايات المتحدة الأميركية التي اختارت السودان لبناء أكبر سفارة لها في المنطقة، وبريطانيا التي لعب سفيرها دورًا أساسيًا في تبنّي ثورة ديسمبر/كانون الأول، وإسرائيل التي ظلت عينها على السودان منذ استقلاله، وتمكّنت هذه القوى من إسقاط نظام الإنقاذ بعد أن صمد قرابة ثلاثة عقود.

ومنذ ذلك الحين تعددت وسائل التدخل الخارجي في الشأن السوداني، وتعدد اللاعبون في الميدان، ولكنهم جميعًا عبارة عن أحجار في رقعة الشطرنج تحركها قوى كبرى فاعلة تعمل من وراء ستار، وتنتهي مهمة كل لاعب متى ما انتهى من لعب الدور المرسوم له.

تبنّت الولايات المتحدة وبريطانيا سياسة تمزيق السودان تدريجيًا، عندما طبقتا سياسة شد الأطراف، ودعمتا حركات التمرد التي تناسلت مثل الفطر في ربع القرن الأخير، وفرضتا حظرًا اقتصاديًا مجحفًا، وأغلقتا كل أبواب التمويل والتعاون المتكافئ مع المؤسسات الدولية. وتولت إسرائيل مهمة مراقبة سياسة تمزيق السودان، باعتبارها دولة وظيفية كما يصفها الدكتور المسيري. وبدورها، سخّرت إسرائيل قوى إقليمية ودول جوار لتنفيذ هذا المشروع. وهذا ما نحاول استعراضه في إيجاز في هذا المقال.

نافخو الكير

وقد يكون من المؤسف القول؛ إن دولة بعينها تلعب دور رأس الرمح في إذكاء نار الحرب المستعرة في السودان، وذلك بدعمها الشامل، قوات الدعم السريع المتمردة.

سُئل السياسي البريطاني ونستون تشرشل: لماذا لا تتبع أميركا الطريق الصحيح وتبدأ بالحسنى أولًا قبل القوة، فقال: "أميركا تفعل الشيء الصحيح دائمًا ولكن بعد أن تستنفد كل الطرق الأخرى".

الخصوم الأفارقة

منذ بداية الحرب في السودان اتخذت كل من إثيوبيا، وكينيا أيضًا موقفًا داعمًا بلا مواربة لقوات الدعم السريع، وسعت كلتا الدولتين لتسخير"الإيغاد"؛ لفرض حل جائر، وإجبار الحكومة السودانية والقوات المسلحة للقبول به، بل سعت هاتان الدولتان إلى تكوين تحالف عسكري ضد الجيش السوداني. كما فتحتا أراضيهما لاستقبال قائد التمرد رسميًا، واستضافتا عدة اجتماعات لقوى الحرية والتغيير.

إلا أن سياسة استغلال منبر الإيغاد لم تنجح، فقد كان موقف السودان قويًا وحاسمًا بتجميد عضويته في المنظمة مما أفقدها القدرة على الحركة، وأفقدها مصداقيتها، رغم المحاولات المستمرة من بعض القوى لإذكاء الروح فيها من جديد.

مواقف إثيوبيا وكينيا العدائية تجاه السودان، تفسرها العلاقات الغامضة بين قادة هاتين الدولتين وزعيم حركة التمرد. لقد سبق أن زار الرئيس الكيني الحالي السودان في العام 2020، والتقى قائد التمرد في أحد مناجم الذهب في شمال السودان، وهي زيارة أثيرت حولها تساؤلات كثيرة. أما إثيوبيا فقد اتخذت موقفًا لم يراعِ خصوصية علاقاتها بالسودان، بل لم يراعِ كثيرًا واقع الحال في إثيوبيا نفسها التي تتناهشها حروب القوميات والتي وصلت حتى العاصمة أديس أبابا، فقد كان رئيس الوزراء الإثيوبي مرجوًا عند السودانيين، حتى اتخذ موقفًا شائنًا بدعمه للتمرد وسعيه لتشجيع التدخل الأجنبي في الشأن السوداني.

أما موقف الحكومة التشادية فقد كان أنكأ، فعند بداية الحرب، أعلنت تشاد موقفًا محايدًا وداعمًا للجيش السوداني، وهو الموقف الطبيعي الذي ينسجم مع علاقات البلدين التاريخية.

ولكن الموقف التشادي تغير بشكل غريب بعد الزيارة التي قام بها الرئيس محمد كاكا إلى تلك الدولة العربية التي تدعم التمرد في يونيو/حزيران 2023. فأصبحت هي الأخرى داعمًا رئيسًا لحركة التمرد، وذلك رغم نفي الحكومة التشادية الرسمي لذلك. إلا أن السودان قدم معلومات لا تقبل الجدل عن مدى استغلال التمرد للأراضي التشادية في مذكرته التي دفع بها إلى الأمم المتحدة في شهر مارس/آذار الماضي.

لقد حاول الرئيس محمد كاكا في كتابه الصادر هذا الشهر بعنوان: "من بدوي إلى رئيس جمهورية"، نفي وإنكار أية علاقة بدعم مليشيا الدعم السريع، وقال؛ إن بناء مستشفى (تموله الدولة العربية الداعمة) في أم جرس هو عمل إنساني بريء لمساعدة اللاجئين.

ولكن هذا النفي لم يكن مقنعًا، ربما حتى للشعب التشادي نفسه، وقد عبّر الرئيس عن ذلك في كتابه عندما قال: "إنني مستاء من رد فعل بعض التشاديين الذين يقومون بتبني وترويج الاتهامات التي يطلقها سياسيون سودانيون ضد تشاد، والانسياق وراء الخطاب المشوه للسمعة الذي تروجه وسائل التواصل الاجتماعي".

هذه الدول الثلاثة ستكون الخاسر الأكبر في علاقاتها مع السودان إذا انتهت الحرب الحالية بانتصار الجيش والإرادة القومية السودانية كما هو مأمول، ما لم تبادر إلى تغيير سياساتها وتصويب خياراتها قبل فوات الأوان.

مطفِئو الحرائق

بالمقابل، فإن هناك عددًا من دول الجوار والقوى الإقليمية تسعى بجد منذ بداية الحرب لإطفاء نار الفتنة، واتخذت مواقف واضحة بدعم الشرعية التي تمثلها القوات المسلحة السودانية. على رأس هذه الدول تأتي جمهورية مصر العربية، بموقفها الواضح الداعم للجيش السوداني منذ بداية الحرب الحالية.

الموقف المصري يتسق تمامًا مع العلاقات التاريخية بين مصر والسودان، لقد أثبتت القيادة المصرية مرة أخرى أنها تفرق بين المواقف الإستراتيجية وبين السياسات المرحلية تجاه نظام بعينه أو حالة بعينها كفعل طارئ في علاقات البلدين الممتدة.

استضافت مصر أكبر عدد من اللاجئين السودانيين، ولم تفرق بينهم بسبب انتماءاتهم السياسية، كما تبنت مبادرة دول الجوار السوداني والتي نجحت في دعم المؤسسة العسكرية السودانية والدفع في اتجاه الحل السلمي الشامل للأزمة.

وفي الواقع، فإنه من غير الممكن اعتماد حل ناجز للأزمة السودانية دون إشراك مصر. وتميز أيضًا الدور الإيجابي للحكومة الإريترية، وذلك عندما أعلن الرئيس أفورقي منذ اليوم الأول موقفًا قويًا داعمًا للجيش، ورافضًا لمغامرة الدعم السريع ومناصريها.

كما وقفت حكومة جنوب السودان موقفًا داعمًا للجيش السوداني، وكانت حكومة الجنوب واضحة عندما أكدت أن اشتراك بعض مواطنيها في الحرب إلى جانب الدعم السريع هو عمل فردي ترفضه الدولة.

وينشط الرئيس سلفا كير والدبلوماسية الجنوبية السودانية في الدفع نحو حل سلمي للأزمة مع تأكيد دعمها الدائم للمؤسسة العسكرية السودانية. ورغم تعقيدات الوضع الداخلي في ليبيا فقد دعمت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس الجيش السوداني، وسعت إلى طرح مبادرة للصلح.

أما على المستوى الإقليمي والدولي، فقد تميز الدور الذي قامت به المملكة العربية السعودية، عندما تبنت منبر جدة باعتباره المنبر الوحيد الفاعل حتى الآن، وبرغم من أن حركة التمرد لم تلتزم حتى الآن بما وقعت عليه في منبر جدة فإنه لا يزال يشكل آلية مناسبة للبحث عن حل تفاوضي عادل للحرب السودانية.

من أهم التطورات الدولية في الحرب السودانية هو تغير الموقف الروسي من موقف داعم بقوة للتمرد عبر مجموعة فاغنر إلى شريك دولي يدعم الجيش السوداني ويسعى للبحث عن حل سلمي عادل للحرب، وقد تغير الموقف الروسي بعد وفاة مؤسس فاغنر، وإعادة هذه المؤسسة المتمردة إلى حضن وزارة الدفاع الروسية.

وأخيرًا؛ فإن الحرب الجارية قد نفخت الروح في العلاقات السودانية – الإيرانية، وأصبحت إيران داعمًا أساسيًا للجيش السوداني، وأحدثت المسيّرات الإيرانية تقدمًا كبيرًا للجيش في أرض المعركة جعلته قاب قوسين أو أدنى من النصر الحاسم.

بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك دولًا أخرى اتخذت موقفًا واضحًا بدعم الجيش السوداني والحفاظ على الدولة السودانية، وقدمت مساعدات إنسانية ومادية معتبرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: تركيا وقطر والجزائر والمغرب والصين والكويت. هذه القوى ستكون الرابح الكبير عند انجلاء الحرب الحالية لصالح الجيش والشعب السوداني.

دبلوماسية الصبر

لقد تبنَّى السودان طوال هذه الحرب دبلوماسية الصبر، والتي رغم أنها أثارت كثيرًا من القلق والخوف إلا أنها حققت نجاحات واضحة في نهاية المطاف.

ربما تأخرت الدبلوماسية السودانية في نظر العديد من المراقبين، ولكن الدبلوماسية السودانية لها القدرة والخبرة على استدراك ما فات واستثمار ما هو آتٍ. ولنتذكر على سبيل المثال لا الحصر أن السودان سبق أن واجه حصارًا شديدًا من حركة التمرُّد في جنوب السودان التي استطاعت أن تحشد الرأي العام الأفريقي ضد السودان بشكل غير مسبوق، ولكن الدبلوماسية السودانية عندما أفاقت استطاعت في سنوات قليلة أن تسود وتقود في الشأن الأفريقي والإقليمي على السواء.