الأحد، 25 يوليو 2021

في صحبة القرآن - سورة آل عمران

في صحبة القرآن - سورة آل عمران



د. محمد علي يوسف

لا يمكن أن تكون علاقتنا بالقرآن علاقة عابرة بل لا بد أن الإنسان المسلم عندما تُذكر أمامه سورة من القرآن يتلو آيات منها يكون على معرفة وثقية بها. الزهرة الثانية من الزهراوين كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمّى البقرة وآل عمران بالزهراوين اللتين تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان تذودان عن صاحبهما وفي رواية تضلان صاحبهما. 

وصاحب القرآن هو الذي يعرفه ويفهمه ويقترب منه وليس الذي يحفظه فقط، كم من أناس يحفظون القرآن ويتلون آياته بمهارة شديدة جديدة ومع هذا هو من المنافقين كما قال صلى الله عليه وسلم أكثر قُرّاء أمتي من المنافقين، قُرّاء هنا ليس معناه الذي يفهم ويعي وإنما يحفظ القرآن كمهنة، أداء واجب. 

علاقتنا بالقرآن يجب أن تكون مختلفة. مع سورة آل عمران وهي الزهرة الثانية مع سورة البقرة ومهي متلازمة معها وكان صلى الله عليه وسلم يؤمّر على الجيش من لديه هاتين السورتين وكان لهما فضل مترابط بهما ببعضهما البعض. سورة البقرة هي أساس بناء الأمة، بداية الدولة الإسلامية ونزلت سورة البقرة بع بداية الهجرة النبوية في بداية العهد المدني وأصبح هناك لأول مرة للإسلام دولة. هذه الدولة ركائزها تقوم على الإسلام لله والتسليم المطلق لشرع الله عز وجل وذكرت السورة أمثلة لمن لم يمتثلوا لهذا وممن امتثلوا وسورة البقرة تغرس في المسلم وترسّخ فيه هذا المعنى أن يمتثل ويستسلم لشرع الله عز وجل. 

بعد أن تقوم الأمة على هذا المبدأ وعلى هذه الشريعة وأحكام كثيرة جداً ذكرت في سورة البقرة، أحكام الصيام والصلاة والحج والجهاد وأحكام الزواج والطلاق وأحكام متنوعة من شتى أحكام الشريعة من الفروض والواجبات والأوامر والمنهيات. 

بعد أن قام المجتمع على هذه الدعوة وبعد أن ترسّخ هذا الدستور للأمة لا بد أن يكون هناك عقبات، هذه العقبات ذكرت في سورة آل عمران وفي سورة النساء مع فارق بينهما لا بد أن تأتي حماية لهذا القانون، لا بد أن يكون هناك ما يحميه لأن أيّ كمال لا بد له ممن يحاول انقاصه ويحاول التشكيك فيه ويحاول أن يهدم هذا البنيان. سورة آل عمران ترسّخ فينا كيف نحمي هذا البناء من الأعداء الخارجيين. 

هناك نوعان من الأعداء: أعداء من دواخلنا نحن وأعداء من خارجنا وكل نوع يحاربنا بطريقة مختلفة ويحاول هدم هذا البناء بطريقة مختلفة عن الآخر. 

سورة آل عمران تختص بالهجوم الخارجي أو وسائل الهدم الخارجية وهاتان الوسيلتان تدوران حول الحرب العقدية أو حرب الشبهات والحرب المادية التي تكون بالسيف أو أي وسيلة من وسائل القتال. 

إذن هناك نوعان من أنواع الحرب يحاول أعداء الأمة بكل نوع من هذه الأنواع أن يهدموا الأمة من خلاله. 

فسورة آل عمران تعلمنا كيف نواجه كل نوع من هذه الحروب: حرب العقيدة، حرب الشبهات، الحرب التي تشكك المؤمن وتفتنه عن دينه والحرب التي تكون عن طريق القتال وذكرت السورة غزوتين غزوة بدر وغزوة أُحد. سورة آل عمران الجزء الأكبر فيها مختص بالحرب العقدية في ما يقارب ثلثي السورة يتكلم عن مناظرات وشبهات أهل الكتاب والرد عليها. 

وكانت لها مناسبة نزول في مناظرة النبي صلى الله عليه وسلم مع نصارى نجران التي تطورت إلى مباهلة (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)) دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم لهذه المباهلة لكي يفصل الله عز وجل بينه وبينهم بعد أن جادلهم بالتي هي أحسن وانتهى الأمر بمعاهدة وأصبحوا في ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لما نتأمل سورة آل عمران بنظرة عامة نجد أن ثلثي آيات السورة في مسألة الحرب العقدية والكلام عنها وعن الفتنة وعن الشبهات في قول الله عز وجل (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ (7)) وثلث السورة الآخر عن الحرب القتالية حرب السيف والقتال وغزوة بدر وغزوة أُحد. ونسأل لماذا الجزء الأكبر من آيات السورة عن حرب الشبهات والفتن؟ لما نتأمل السورة نجد أن ضحايا حرب الشبهات يتحولوا إلى مشككين في دينهم أو يهتز اعتقادهم أو قد يزيغوا ويصلوا إلى درجة الكفر بالله والعياذ بالله! (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ) يزيغ عن شرع الله وعن الاعتقاد السليم، فهذا ضحية يزيغ عن الدين أو يهتز الدين في داخله، أما ضحية حرب السيف أو القتال لما يبدأ أعداء الله يعتدون ويقاتلون المؤمنين يكون ضحايا هذه الحرب شهداء عند الله عز وجل يرتقوا في أعلى الدرجات وأعلى المنازل (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴿١٦٩﴾ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١٧٠﴾ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٧١﴾) لأنهم نازلوا منزلة الشهداء. فالحرب العقدية أخطر مع أن القتال أكثر إيلاماً (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104) النساء) ترجون بعد الألم ما لا يرجوه. 

أما ضحية حرب الشبهات فهو يتحول إما إلى إنسان شاكٍّ في عقيدته أو غير مهتم رغم أن شكله مسلم أو يقول عن نفسه مسلم لكنه في الحقيقة مهلهل العقيدة من الداخل مهلهل الفهم والسلوك فيتحول إلى نسخة غير حقيقية بعيد كل البعد عن الإسلام إن لم يرتدّ ويترك الدين بالكليّة بسبب شبهة! قد يسمع البعض شبهة من الشبهات فيتحول ويرتد عن دين الله عز وجل ولهذا كان الترسيخ الأهم والأخطر في هذه السورة لمسألة الحرب العقدية، مسألة المناظرة، مسألة الشبهات ثم يأتي الثلث الأخير من السورة في مسألة القتال والشهادة وتأتي مناسبة مع غزوة قد يظن البعض أنها هزيمة فيقولوا (هزيمة أُحد) ولكنها ليست هزيمة، هي مصيبة لأنه جاء بعدها غزوة حمراء الأسد حيث فرّ المشركون من أمام النبي صلى الله عليه وسلم وجيشه. 

لكن الفوائد المستفادة من غزوة أُحد هي فضل وفوز كبير جداً لأن أحصاب النبي صلى الله عليه وسلم والأمة من بعدهم تعلموا كيف ينتصرون وكيف يتحول النصر الذي كان في أول غزوة أُحد (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ (152)) لم يكن نصراً عادياً بل كانوا يحسون رقاب المشركين لكن الذي حصل (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) إلى آخر أحداث غزوة أُحد. 

إذن سورة آل عمران تنقسم إلى قسمين القسم الأول: ثلثي السورة تتحدث عن حرب العقيدة والمناظرات والشبهات وكيفية الرد على هذه الشبهات والمناظرات وآداب المناظرات وآداب الحوار مع غير المسلمين والتعامل مع أهل الكتاب القسم الثاني: الحرب المادية، القتال تبدأ من (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)) إلى آخر السورة. 

وقد حصلت إشارة إلى هذا في بداية الأمر (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ (13)) يبدأ التفصيل في مشهد طويل. في السورة مشهد طويل في كيفية المناظرة في الرد على نصارى نجران. 

نلاحظ أيضاً كيفية حماية العقيدة الإسلامية وكيفية الرد على الشبهات بوسائل كثيرة جداً. 

بعض الناس يظن عندما يتناقش مع أهل الكتاب أو أهل الشبهات ومن يشككون، بعض هؤلاء يكون هدفه التعلّم ولهذا أمرنا الله عز وجل بمجادلتهم بالتي هي أحسن، نتعلم في السورة كيفية الجدال بالتي هي أحسن، كيفية الجدال العقلي. 

عندما تناقش أحداً لا يؤمن بدينك وتقول له أن الله عز وجل يأمر بكذا وأن رسوله صلى الله عليه وسلم قال كذا وهو غير مؤمن بهذا أصلاً! 

سنجد في آيات السورة أمثلة للحوار العقلي (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59)) هذا جدل عقلي لمن يعتقد بألوهية عيسى: كيف يقول على المسيح أنه إله أو ابن إله ولم يقل هذا على آدم عليه السلام وهو في حق آدم أولى لأن آدم ليس له أب ولا أم وخلقه الله عز وجل بيديه (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (75) ص) آدم مخلوق بيدي الرحمن جل وعلا ومع هذا لم يقل عنه أحد أنه إله، بينما المسيح عليه السلام لأنه وُلد من غير أب تقولون عليه ابن الله عز وجل، هذا جدال بالعقل نتعلمه من آيات السورة، حجة وإقناع، هذا أدب من آداب التناظر مع أهل الكتاب. 

وقبل التناظر تعلمنا السورة لا كما يقال في مبدأ النقاشات أنه يجب أن تدخل النقاش من باب الشك، ضع عقيدتك جانباً وابدأ الكلام! 

السورة تعلمنا أنه عند الدخول في مناظرة مع أهل الشك لا بد أن تدخل وأنت رافعٌ الرأس معتقد ومجاهر بعقيدتك في هذه المناظرة (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ (19)) ابدأ المناظرة ورد الشبهة وأنت معتز بدينك، تعلم العزّة في الإسلام (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ). (فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)) وسيلة المناظرات ليست وسيلة لأن أترك أنا ديني ويدخل الطرف الآخر فيه! وسيلة المناظرات ومناظرة أهل الكتاب والرد على الشبهات باب من أبواب الدعوة إلى الله عز وجل وهذا يشعرنا بالحرص على هداية الناس التي لم تعد تمثل لكثير من المسلمين شيئاً! فيقولون هم أحرار!! لا، نحن مكلّفون والله عز وجل ابتعث هذه الأمة لتهدي الأمم كما قال ربعي ابن عامر "نحن قوم ابتعثنا الله لنُخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. هذه الأمة لها وظيفة ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم "إنما بُعثتم ميسّرين" كثير لا ينتبه لكلمة (بعثتم) هذه أمة مبتعثة جعلها الله عز وجل أمة وسطاً لتهدي الناس وتأخذ بأيديهم. كذلك نتعلم في هذه السورة من آداب الجدال ورد الشبهات أن نذكر الحق بدل التشكيك في العقيدة المقابلة كما يفعل كثيرون. 

هي وسيلة يمكن أن تفضح بها التحريف في صحف أهل الكتاب لكن قبل أن تفعل هذا اذكُر ما لديك من حقيقة ناصعة جلية نقية (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٣٣﴾ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٣٤﴾ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٥﴾) تذكر السورة القصة من أولها من أول ما كانت مريم أم المسيح عليه السلام في بطن أمها.
تبدأ بذكر الحق كما حصل عندما هاجر المسلمون إلى الحبشة وذهبوا إلى ملك الحبشة ذكروا له الحق الذي بين أيديهم ولم يتحدثوا في عقيدة الملك. ابدأ بذكر ما عندك من الحق وما عندك من العقيدة الناصعة النقية واعرض فالفطرة الإنسانية تميل للحق. من وسائل الجدال إظهار اليقين كما في آية المباهلة
(فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) أظهر اليقين وعدم الشك في ديني . ومن الوسائل في السورة الدعوة إلى الاتفاق على الثوابت، ثوابتي أولاً (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)) 

هذه ثوابت نبدأ بها في الحوار. 

ومن الوسائل: الإنصات وإعطاء كل ذي حقه (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)) يختم القسم الأول من السورة، جزء الشبهات والرد عليها بالأمر بألا نطيع من يريد التشكيك بديننا من أهل الكتاب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118)) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ (149)) هذه ثوابتنا لا بد أن نتعلمها حين نحاور وحين نرد على الشبهات. 

القسم الثاني من السورة الخاص بالحرب المادية، حرب السيف والقتال وهي خاصة بغزوة أُحد. ونلاحظ في بداية آيات هذا الجزء ذكر لغزوة بدر وهي غزوة انتصار وغنائم وبداية الانتصارات (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)) (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)) الكلام عن نصر بدر ثم يأتي مباشرة كلام عن المعصية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٣٠﴾ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴿١٣١﴾ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٣٢﴾ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٣٤﴾ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٣٥﴾ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴿١٣٦﴾). 

ترتيب الآيات: الكلام عن غزوة بدر ثم الكلام عن ربا وعدم طاعة وفواحش وظلم نفس ثم الكلام عن غزوة أُحد (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)) نصر عظيم وغنائم وأنفال (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1) الأنفال) فلما حصل معصية وعدم طاعة – وهنا إشارة واضحة أن لما تأتي مسألة الفواحش وظلم النفس يتحول النصر إلى مصيبة (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ (165)) لا بد أن ندرك أن النصر من عند الله عز وجل لمن يستحق النصر إذا ما مرت الأمة بمرحلة لم تعد تستحق النصر لأنها أسرفت على أنفسها وعصت أمر نبيها صلى الله عليه وسلم وخرجت عن أمر ربها سبحانه وتعالى فإنها بذلك قد يتحول أعظم الانتصارات إلى هزيمة، قد يتحول أعظم الأمجاد إلى خزي ومقتلة كما قتل في غزوة أُحد أكابر الصحابة حمزة رضي الله عنه ومصعب بن عمير وغيرهم. في غزوة أُحد نفسها كانت قد بدأت بالنصر (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ (152)) حصل تنازع حين أمّر النبي صلى الله عليه وسلم على رأس الرماة الخمسين عبد الله بن جبير وقال لهم إذا رأيتم الطير تحطّفنا لا يتركنّ أحد مكانه. 

فلما رأوا الغنائم وتركوا مكانهم لفّ خالد بن الوليد من خلف جبل الرماة وحصلت المقتلة وتحول الوعد الذي صدقهم الله عز وجل إياه وهذه الأمجاد العظيمة تحولت إلى مصيبة عظيمة جداً لما عصوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم. الثلث الأخير بدايته (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٠﴾ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴿١٤١﴾) 

فيها بينة مهمة هي مفتاح هذا الجزء من السورة وهي قول الله تبارك وتعالى (هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138)) هناك نوعان من الناس فرّق الله عز وجل بينهما في هذه الآية: الناس عامة والمتقين خاصة، بيان للناس عموم الناس، بعد أي مصيبة يحتاج الناس أن يفهموا، الناس ليس عندهم علم ولا فهم للشرع وليس عندهم فهم لسنن الله عز وجل في أفعاله وقد يهتزّ لذا يجب أن يفهم ولهذا يقول الله عز وجل (هذا بيان للناس)  ووردت في آيات هذا الجزء آيات فيها بيان للناس (وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)) (مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (179)) نفهم الحكمة وهذا مهم للناس عامة أن يفهموا. أما المتقون القريبون من الله تعالى يكون عندهم إحساس آخر وهمّ وجرح شديد لأنهم يحملون همّ الأمة وهذا يحتاج إلى موعظة، فاحتاجوا آيات فيها نوع من المواساة والحنان على هؤلاء وتأتي آيات كثيرة منها (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴿١٦٩﴾ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١٧٠﴾) وتأتي توجيهات لهم لأنهم على الرغم من حزنهم على ما أصابهم إلا أنهم حريصون على أن ينصروا دين الله عز وجل ولطلك فهم بحاة إلى هدى فيقول الله عز وجل (هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ) أخذوا الموعظة والهدى (وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (143)) (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ (144) (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)) توجيه أن تكون من الربيين الذين استجابوا فعندما تحصل الإستجابة كما في سورة البقرة يأتي البلاء فتأتي الإستجابة فيأتي الإكرام والتفريج من الله عز وجل وفي هذه السورة أيضاً بعد أن قال أبو سفيان لنا العزّى ولا عزّى لكم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يلحق بالمشركين أن يقاتلهم في مكان عسكروا فيه وهو حمراء الأسد عسكروا فيه ليجمعوا للنبي صلى الله عليه وسلم ويقاتلوا المؤمنين وأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم ألا يخرج معه إلا من خرج معه في أُحد وهم أنفسهم الذين أصابهم القرح استجابوا فأنزل الله عز وجل هذه الآيات (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿١٧٢﴾ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿١٧٣﴾ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴿١٧٤﴾) تحولت الهزيمة والمصيبة إلى نصر عظيم. وتستمر الآيات على هذا النسق إما بيان وإما هدى وإما موعظة للمتقين.   وتختم السورة بتوجيه عظيم جداً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)) تقوى الله عز وجل وترك الفواحش والمعاصي ومعصية النبي صلى الله عليه وسلم ومعصية الله عز وجل فمن فعل هذا تتحول المصيبة إلى نصر عظيم إن شاء الله. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق