السبت، 10 يوليو 2021

أيقونات تحترق

 أيقونات تحترق

نور الدين قدور رافع

لمواجهة المسيرات الحاشدة بباحات المسجد الأقصى، كان على الاحتلال الصهيوني أن يزيد من وتيرة العنف الممنهج تجاه الفلسطينيين وقمعهم بشتى الوسائل المعمول بها لدى الأنظمة الفاشية، ومن الواقع المتأزم جراء الاستيطان والتهجير لسكان الأرض التاريخيين، إلى فضاء سيبراني بدت حروبه تشتعل في جبهات كثيرة لا تقل ضراوة عن تلك التي قادتها المقاومة لصد العدوان الصهيوني. في المقابل، تندفع حشود المستوطنين اليهود عبر مسيرات معربدة نحو أبواب القدس الشريف، لتحقيق طموحات اليمين الإسرائيلي المتطرف، ولتتكشف معها أكذوبة اليسار الصهيوني الذي دأب على تحسين صورة الاحتلال.

مع تسارع الأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وترقب ردة فعل المقاومة على مسيرات أعلام المحتل المدججة بالعنصرية، تُصدر المحكمة المصرية أمرا نهائيا يقضي بإنفاذ عقوبة الإعدام شنقا على 12 "متهما" في قضية "فض ميدان رابعة"، معظمهم من قيادات الإخوان إلى جانب وزراء سابقين في حكومة الرئيس الراحل محمد مرسي. وبتغيّر موازين القوى الدولية والتقاربات المريبة لأعداء الأمس، أعربت جمعيات حقوقية دولية عن صدمتها إزاء نسب العنف الممنهج المتصاعد من طرف السلطات المصرية، معتبرة الأحكام الصادرة تصفية حسابات سياسية للمساومة وترهيب الخصوم.

وفي وقت تتصدر فيه الأحكام القضائية المصرية والممارسات الصهيونية الاستيطانية اللتان توحيان بأنّ ثمة توجها ممنهجا للتصعيد، وذلك باستخدام مفرط لأدوات القمع والعنف النظامي، ينعى الربيع العربي أيقونات خالدة كان لها أثر السّبق في ترشيد الشعوب نحو خلاصها وحلمها في الانعتاق عن طَغامها، ولأنّ يد الجاني التي امتدت للمحتل تصافحه باسم السّلام ما زالت ملطخة بدماء القتلى والمهجرين، هي الآن في مواجهة حتمية مع الأزمات التي خلقتها السياسيات القمعية والانبطاح غير الأخلاقي للإملاءات الخارجية.

وبالنظر إلى حجم التأثيرات المهولة والمؤلمة لدعاة الديمقراطية والحرية، فرضت أساليب الأنظمة الهمجية ردة فعل شعبية عنيفة أزاحت الأمل في استمرارية الثورة بعفويتها وسلميتها، وأصبح من الضروري محاولة معرفة إمكانية التراجع خطوة إلى الوراء لدى طرفي الصراع، لجرد الأسباب المحفزة على تفاقم العنف وفتح ممرات فاعلة للحوار الداخلي، ولربما اكتفينا باقتفاء آثار التحوّلات الرهيبة لأيقونات الانتفاضات الشعبية، والمآزق المفتعلة لتوريطها في دوامة العنف وتحييدها عن طموحاتها في العدالة والحرية.

المقاومة كشرط تاريخي.. لا ألم ولا مكسب

ثمة ارتباط تاريخي بين الأنظمة الجاثية على تطلعات الأمة في النهضة، وبين كيانات غاصبة وأخرى وظيفية اتخذت من التحرر تقية لتفكيك المنطقة واستنساخ بؤر استيطانية أكثر هشاشة من الدول ذاتها، لا يمكننا إنكار أنّ الاحتلال الصهيوني وإن بدا أكثر وحشية وإرهابا، لا يقل دموية عن أنظمة رسخت هيمنة المستعمِر. فالبورجوازية أوهمتنا بجداريات تاريخية زائفة حالت بين استكمال الأمة قدرها في الحرية، وقد اصطنعت أسطورة القائد وسيّجته بهالة التقديس والإذعان، ولولا أنّ التاريخ لا يشيب لما تداعت لحظة الخلاص تملأ الفجوات التي أخفاها الإنسان بالعنف والخوف.

إنّ اعتبار الربيع العربي لحظة مفصلية فاضحة للاستغلال الإمبريالي لمقدرات شعوبنا، لم يتوقف عند التماهي مع إسرائيل كونها وريثة تاريخ استعماري تجتاح آلة قتله حدود أفغانستان والعراق واليمن وساحل الصحراء الأفريقي. ومهما أراد هذا المستعمِر تجريدنا من إنسانياتنا وحشرنا في قوقعة العنف واصفا المقاومين بالهمجيين والانتحاريين، فإنّ الحقيقة وإن تلاطمت مع نظام دولي عاجز أمام سطوة النيوكولونيالة، خلقت من معاناة الشعوب وواقعها المأزوم أملا في التغيير نحو الأفضل، ولعل رضوخ المحتل لشروط المقاومين مكسب إستراتيجي لحركات التحرر التي لم تخلُ مسيرتها من الألم والقهر اللذين استرجعا البنادق لأصحابها وهم يحلمون بتصفية الاستعمار.

حينما ربطت آلة الدعاية الإمبريالية صورة العراق وفلسطين بأفغانستان، ووصفت الأخيرة بأنها بؤرة إرهاب، كانت تلوح في غيابات العواصم العربية قوانين تجرّم الإسلام السياسي، وما إن تداعت القوى العظمى لتحقيق سلام دائم في خرائطها النيوكولنيالية، حتى انقلب الأعداء التقليديون كي يصيروا رعاة لمشاريع المصالحة الوطنية.

 ولعل اعتبار حركات المقاومة الفلسطينية منظمات إرهابية، لم يغلق نوافذ التطويع العربي الإسلامي وفق اقتراحات الإدارة الأميركية، فمع تجدد المواجهات الفلسطينية مع المحتل يمسي الرهان على تلخيص صواريخ المقاومة من مسألة تصفية الاستعمار إلى صراع بين كيان معترف به دوليا وحركة إرهابية وفق أسماء غربية.

لا يخفي الغرب التزامه بحماية الاستيطان والتهجير الصهيوني، غير آبه بالجرم التاريخي الذي تسبب به في استئصال شعب عن أرضه، لكنّه يعود بعد معارك أنهكت اقتصاده لفتح ممرات التهدئة والدعم الإنساني للحيلولة دون تحقيق المقاومة كشرطٍ تاريخي لاستعادة الحق في الحياة.

من البوعزيزي إلى السّاروت.. العربي الذي أنهك الاستبداد

البداية كانت من تونس، بعدما أضرم الشاب محمد البوعزيزي النار في جسده تعبيرا عن رفضه للإهانة التي تسبب شرطي بها وهو يعترض تجارته، وكنوع من الاحتجاج على التراكمات التاريخية والاجتماعية لنظام بوليسي. ومن منطلق سلمية الثورة وتمسكها بالقيم الإنسانية، نقف عند مرآة عكست صورة الواقع المتأزم ليس بعد الانتفاضة العربية 2011، بل إنّ صور الخيانة والتبعية باقية تأبى المرايا أن تواري سوءاتها. كنا فيما مضى كمن يقف على جانب من زوايا مرآة وهو يبصر ظلا باهتا متخفيا خلف رسالة التمجيد والتعبئة، بل إنّ رمزية الثورة وقدسيتها لم تعد تحمل معانيها الأبدية في شخصيات خالدة، بقدر ما سلبتها القيادة القُطرية طبيعتها وحقيقتها، مستكملة تراجيديا المستعمِر في النهب والقهر.

وإذا كان قدر الأمة العربية منذ استقلالها أن تتيه تحت سطوة أنظمة رسخّت نماذج شوفينية وشخصيات باهتة، مُلبسة إيّاها تاج الوطنية وقميص العروبة، وتحللت من التزام تاريخي لثورات عبرت بقرابينها نحو الخلاص، فقد كتب على المقهورين أن يسلكوا سبيلا مغايرا عن الطاغية الدامي، شعوب لطالما قدمت قرابينها للتاريخ والإنسانية وهي تتلقف اللحظة الثورية كي تجسد حقيقة إنسانيتها، ولعل البوعزيزي وهو يضرم النار في جسدٍ ابتلي بالتهميش والقهر، يجسّد مشهدا سماويا لأمة عُلّقت صلبانها ومشانقها، وما كان له ألا يحرق الأرض بغيا وفسادا، لولا أنّه استأثر الخلاص على مذبح تاريخي محشور في خطاب سلطوي ملغوم بالعمالة، وهو يفعل ذلك وكله إيمان بأنّ سبيل النجاة الأوحد يكمن في رفض الظلم المُطبق على المجتمع.

الشرارة التي أشعلت الانتفاضات في الوطن العربي كانت تشبه مفرقعات في السّماء، تحتفي بإرادة الشعوب في الانعتاق عن جلادها وخازنها، ولكن سرعان ما تحولت تلك الأضواء الجميلة والملونة في سماء الوطن العربي إلى براميل متفجرة وقنابل انشطارية، ومع التحوّرات المخيفة في ردة فعل الأنظمة على الثورة وجنوحها لاستخدام العنف الممنهج والوحشي، تولدت أيقونات من داخل بنية الثورات لم تُسلّم بفكرة "سلميتنا أقوى من الرصاص"، ودعت لتوحيد الصف وخلق جبهات للتصدي لآلة القتل النظامية.

اختلف المشهد الثوري العربي من ليبيا إلى سوريا وفق سيناريوهات تراجيدية لا تقل تكلفتها عن نصف مليون قتيل، حيث قادت المجالس الوطنية عملية التمثيل السياسي والعسكري لمواجهة النظام، إلا أنّ تعارض الممولين وتضارب مصالحهم التوسعية أدى لتمايز كل ثورة دون غيرها، وإن بدت مساعي التسليح تزيد من تفاقم معاناة الشعوب المنتفضة مؤجلة طموحاتها لدحر الاستعباد، ولتستمر مواجهة الأنظمة مع جبهات عديدة من الثوار على مختلف أيديولوجياتهم، لتنضوي البنادق الثورية تحت رايات التحالف العربي والدولي.

ومع الانتفاضات العربية تجلت شخصيات "ثورية" تمايزت هي الأخرى بين المواقع والعواصم، وبات الوضع على الأرض وداعميه هو ما يفرض الحلول لمعادلات متأزمة، ومن الشخصيات الفاعلة في المشهد العربي كان "السّاروت" أيقونة تشبعت ترانيمه بالسلمية وروح ثورية تسامت بطموحات شعبها، لكن سرعان ما توّج السّاروت العفوية الثورية بخطاب عنيف ضمن ألوية تكافح لمجابهة القتل النظامي.

كنا لنرى واقعا آخر يشبه إلى حد ما أغنية الحلم العربي التي غناها كوكبة من الفنانين، أو دولا تتطلع أنظمتها لخدمة الإنسان بهويات متنوعة وثقافات متعددة، ربما صرخ السّاروت حالما بوطن موحد وهو يرى كلمات "دريد لحام" وهو يلعن الاستبداد والظلم بمسرحية "كاسك يا وطن"، كيف تداعت أمام التراكم المخيف للخوف والعنف النظامي.

أيعقل أن تقف صدور البوعزيزيين عارية أمام الاستغلال الممنهج لرموز تاريخية وطنية، وأهلها يستنجدون الخلاص ممن حرّك أقاليم الجحيم ضد شعبه؟ لم يكن البوعزيزي ولا السّاروت ولا الكنداكة من بعدهم، سوى ألوان طيف ربيعي لخّصت إرثا أثقلته عذابات الطامحين في الحرية، وهم يأملون أن يتجاوزا اختزالات الماضي.

ولاستكمال المسرحيات الهزيلة والمتوجة بالإعدامات المسيسة، تعيش رموز تاريخية كان لها السبق الفني والسياسي والاجتماعي في بعث صورة نمطية للقائد والوطن والهوية، لتغدو ضمن محميات نظامية تتجرع بها الخنوع والهوان، بل تستعدي طموحات شعبها في تقرير مصيره للانعتاق عن أولئك الذين مارسوا العنف لأقصى درجات اليقين الذي مكّنهم من الاستمرار بحقد.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق