الثلاثاء، 27 يوليو 2021

انقلاب تونس.. نظرة من زاوية تاريخ تركيا الحافل بالانقلابات

 انقلاب تونس.. نظرة من زاوية تاريخ تركيا الحافل بالانقلابات


ياسين أقطاي
اكاديمي وسياسي وكاتب

في تركيا -التي لديها تاريخ حافل بالانقلابات- هناك كثيرون يرون أن صورة الانقلابات شهدت تغييرا كبيرا خلال السنوات الأخيرة.

حيث انتقلنا من الانقلابات المباشرة التي حصلت سنة 1960 و1971 و1980 -عندما كان الجيش التركي يسيطر على كل المؤسسات ويغلق البرلمان ويجمد أنشطة الأحزاب السياسية- إلى نوع مختلف تماما، يُطلق عليه انقلابات ما بعد الحداثة، والذي رأيناه للمرة الأولى في تركيا عام 1997.

كان يتم تحريك المشهد من خلال بيانات يصدرها كبار القادة العسكريين الذين لا يفصحون عن أسمائهم، وكانوا يهددون بالخروج من الثكنات بدون الاضطرار للقيام بذلك فعلا، وقد وجدوا الطريقة المثلى للتأثير على المشهد السياسي بدون التدخل بشكل مباشر.

فخلال ذلك الانقلاب الذي حدث عام 1997 -عوض السيطرة على المؤسسات مباشرة- قام الجيش بالتنسيق مع بعض الحلفاء في الأوساط السياسية المدنية والمنظمات غير الحكومية، وأجبر الحكومة على الاستقالة تحت ضغوط ممنهجة من وسائل الإعلام.

وفي تلك الأحداث، لم يكن هناك انقلاب عسكري ظاهر للعيان، ولكن الجميع كانوا يعرفون أن الأوضاع السياسية التي أجبرت الحكومة على الاستقالة كانت بترتيب من العسكر. ومنذ ذلك التاريخ، لم يتوقف الجيش التركي عن التدخل في السياسية.

وكان يتم تحريك المشهد من خلال بيانات يصدرها كبار القادة العسكريين الذين لا يفصحون عن أسمائهم، وكانوا يهددون بالخروج من الثكنات بدون الاضطرار للقيام بذلك فعلا، وقد وجدوا الطريقة المثلى للتأثير على المشهد السياسي بدون التدخل بشكل مباشر.

وعندما جرت الانتخابات الرئاسية عام 2007، حصل حزب العدالة والتنمية على فرصة لممارسة الحكم، وفقا لمقتضيات الدستور؛ ولكن مرة أخرى عمل الجيش على عرقلة الحزب وحرمانه من حقوقه، وذلك من خلال إخضاع الدستور لتأويلات متطرفة وملزمة، اعتمادا على نفوذه داخل المحكمة الدستورية.

ونشر الجيش حينها بيانا على شبكة الإنترنت في منتصف الليل، وكان من المتوقع أن تدفع تلك الخطوة الحكومة للاستقالة الفورية، ولكن خلال 24 ساعة من ذلك البيان العسكري، أصدرت الحكومة بيانا مضادا تتمسك فيه بأحكام الدستور التي تنص على أن الجيش يخضع لسلطة الحكومة وليس العكس. إن هذه الخطوة المضادة كانت مفاجئة جدا، لأنها أول مرة يتم فيها التعبير بشكل علني عن معارضة التدخلات العسكرية، وقد قوبل الموقف بتقدير كبير من الشارع التركي، ومثّل ثورة ضد تقاليد التدخل العسكري في الشأن السياسي.

لكن ذلك لم يضع حدا للنوايا الانقلابية، حيث إن تلك الممارسات كانت دائما حاضرة، وأحيانا تأتي متنكرة في شكل استجابة لطموحات الشعب.

وقد حدثت محاولة انقلابية أخرى في 2013، وكانت تختبئ وراء الاحتجاجات التي شهدها ميدان تقسيم. ففي البداية كان الجيش يبدو بعيدا عن المشهد، ولكن تلك المظاهرات الفوضوية رفعت لاحقا شعارات تدعو للتدخل العسكري. وقد استطاع الرئيس رجب طيب أردوغان -بحنكته القيادية وقدرته على حشد الجماهير- أن يقطع الطريق أمام هذا المخطط.

ولم تمر 6 أشهر حتى حدثت محاولة انقلابية أخرى في 17 ديسمبر/كانون الأول، من خلال استخدام القضاء لاتهام أعضاء الحكومة بالفساد. وهذا المخطط الذي كان يقف وراءه فتح الله غولن وأعوانه -من قضاة ومدّعين عامين وشرطة وإعلاميين- أفشله أردوغان مرة أخرى بشخصيته القوية.

ويمكن أن تحدث الانقلابات دون سابق إنذار، وهو ما شهدناه في 15 يوليو/تموز 2016، حين حاول جنود موالون لفتح الله غولن الانقلاب على الشرعية من خلال السيطرة المباشرة على مؤسسات الدولة، ولكن هذه المرة لم يأخذ الانقلابيون في الحسبان التحولات الاجتماعية التي شهدتها تركيا، وردّ فعل الشعب التركي.

وحدثت أيضا محاولات أخرى للتدخل العسكري بطرق غير مباشرة من خلال التأثير على نتائج الانتخابات، ولكنها باءت أيضا بالفشل.

إنه من الواضح أن الأطراف ذاتها التي وقفت وراء أحداث ساحة تقسيم والمحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 يوليو/تموز هي أيضا التي تحاول إنهاء الربيع العربي، حيث لم تأت تلك التحركات بتعليمات من داخل تركيا فقط، بل أيضا من الخارج، وبالتحديد من الإمارات التي كان لها -خلال السنوات الماضية- تأثير كبير على الجيل الجديد من الانقلابيين في تركيا.

ويوجد في العالم الإسلامي نوعان من الممارسة السياسية، الأول هو الديمقراطية، والثاني هو الانقلابات ضد الديمقراطية.

ومن المعروف أن تونس هي البلد الذي انطلقت منه شرارة الربيع العربي، وهي المعقل الذي تحصنت به الديمقراطية وظلت صامتة؛ لذلك فإن الأطراف المذكورة أولت اهتماما كبيرا بإسقاط هذه المنظومة، إذ إن القوى الانقلابية ترى في صمود النموذج الديمقراطي -الذي صنعه الربيع العربي- أمرا مزعجا.

ومنذ وقت طويل، لا يخفى على أحد أن هناك جهودا تُبذل لخنق الثورة التونسية، لكن تونس تبقى مختلفة عن مصر، حيث لا يوجد فيها جيش يسيطر على السياسة والاقتصاد. كما أن القوات الحاملة للسلاح تنقسم إلى شرطة وجيش، والنقابات التي شاركت في المسار الثوري من الصعب إقناعها بسيناريو مصر وسوريا.

كل هذه العوامل كانت تجعل من فرضية حدوث انقلاب واضح في تونس مستبعدة، إلا أن استخدام رئيس منتخب من أجل تنفيذ الانقلاب يُظهر حجم المخطط وخطورته. وإن حدوث انقلاب يقوده رئيس يتمتع بشرعية الانتخابات ضد برلمان منتخب؛ هي أولى عمليات اغتيال المسار الانتخابي، ولا يمكن أن يكون ذلك في صالح البلاد، أو في صالح الرئيس المنتخب، بل إنه سيقوض بشكل خطير شرعية الرئيس.

ولا يمكن لأحد أن يزعم أنه تم تنفيذ هذا الانقلاب باسم الشعب التونسي أو لمصلحته، بل إن الهدف منه هو إنهاء التجربة الديمقراطية، وجعل الشعب التونسي يندم على مغامرته لتحقيق هذا الحلم.

وإن استخدام رئيس منتخب من أجل اغتيال الديمقراطية -نيابة عن فرنسا وبعض دول الخليج وأطراف انقلابية أخرى- يُظهر مدى الخبث والتفكير الشيطاني لمن خططوا لهذا الأمر.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق