الأحد، 22 مارس 2026

أخبار تزيدنا حسرة على أحوالنا وأوضاعنا

  أخبار تزيدنا حسرة على أحوالنا وأوضاعنا

مأزق ترامب في الحرب على إيران؟

مأزق ترامب في الحرب على إيران؟


د. خليل العناني

في الحرب الأمريكية على إيران، بدأ يظهر بوضوح مأزق استراتيجي يواجهه دونالد ترامب. فالحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل على أساس توقع تحقيق نصر سريع وحاسم، بدأت تتحول إلى صراع مفتوح لا يمكن التحكم في مساره بسهولة.

تقرير مهم لموقع أكسيوس يتحدث عن ما يسميه المسؤولون في واشنطن “فخ التصعيد”. والمقصود به حالة يصبح فيها الطرف الأقوى مضطرًا إلى مواصلة التصعيد لإثبات تفوقه حتى عندما تصبح المكاسب العسكرية محدودة.

المشكلة الأساسية هنا أن أسلوب ترامب السياسي الذي اعتمد عليه لسنوات — القائم على القرارات المفاجئة ثم التراجع أو التعديل — لا يعمل بنفس الطريقة في الحروب. فالرسوم الجمركية أو العقوبات يمكن فرضها ثم إلغاؤها بقرار سياسي، أما الحرب فلها منطق مختلف، لأن الطرف الآخر يمتلك بدوره القدرة على الرد والتأثير في مسار الأحداث.

ووفق التقرير، كانت الإدارة الأمريكية تتوقع أن تستمر العملية العسكرية المكثفة بين أربعة وستة أسابيع، وهو ما يجعل الأول من أبريل نقطة تقييم حاسمة للحرب. لكن مسؤولين أمريكيين وحلفاء لواشنطن يعتقدون أن الأزمة قد تستمر حتى شهر سبتمبر، حتى لو تحولت إلى حرب منخفضة الشدة.

الأهداف المختلفة للأطراف المتحاربة تزيد من تعقيد الوضع:

♦ إسرائيل تسعى إلى إحداث تدمير عسكري واسع وربما دفع الأمور نحو تغيير النظام في إيران.

♦ إيران هدفها الأساسي البقاء وإثبات قدرتها على إلحاق الأذى بخصومها عسكريًا واقتصاديًا.

♦ الدول الأخرى يهمها قبل كل شيء استمرار تدفق النفط وحرية الملاحة في المنطقة.

من هنا تظهر المفارقة الأساسية في هذه الحرب:

فلكي يعلن ترامب النصر، يحتاج إلى تحقيق نتائج استراتيجية واضحة. أما إيران، فلكي تعتبر نفسها صمدت في الحرب يكفي أن يبقى النظام قائمًا ويواصل الرد.

التقرير يكشف أيضًا أن بعض المسؤولين داخل إدارة ترامب بدأوا يشعرون بما وصفه أحد المصادر بـ «ندم المشتري» بعد بدء الحرب، إذ كان هناك تردد لدى بعضهم قبل تنفيذ الهجوم، لكن ترامب حسم القرار قائلًا ببساطة: «أريد أن نفعل ذلك».

رغم أن العمليات العسكرية حتى الآن حققت نجاحات واضحة من حيث السيطرة الجوية وتدمير جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية، فإن السؤال الأهم لم يُحسم بعد: كيف يمكن إنهاء هذه الحرب؟

فالانسحاب قد يفتح الباب أمام استمرار الهجمات الإيرانية، والتصعيد قد يقود إلى تدخل أوسع، وربما إلى حرب طويلة لم تكن في حسابات واشنطن في البداية.

ولهذا يرى كثير من المسؤولين في واشنطن أن التحدي الحقيقي أمام ترامب لم يعد كيف يبدأ الحرب، بل كيف ينهيها.

* أكسيوس

ترامب في مأزق لا يحسد عليه. لا هو قادر يكمل في الحرب بسبب الخسائر المحلية والدولية…ولا هو قادر يتراجع وبالتالي يخسر المعركة وتتراجع صورته وهيبته.

أنا عن نفسي سعيد وشمتان في العجل الأصفر.


كلمة صغيرة استيعاب المرحلة

 كلمة صغيرة

استيعاب المرحلة

  قـلـم الـتحـرير  

 هل يمكن أن يهلك مجتمعٌ وفيه صالحون؟ 

ولماذا حذر النبي ﷺ من زمن يكثر فيه الخبث فتقع الفتن؟ هذا المقال يناقش حقيقة الصراع بين الحق والباطل، ويكشف لماذا يبدأ طريق الخلاص الحقيقي بمحاسبة النفس والتوبة قبل أي شيء آخر.

احمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فإن الصراع بين الحق والباطل سُنة ماضية، فما من نبيّ إلا وله أعداء، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا}[الأنعام: 112، والفرقان: 31]. فدوّامة الصراعات لا تنتهي، ومن قَصَدَ الدَّعَة في هذا العالم المائج فهو واهِم! كمن ابتغى النوم على أمواج البحر!

ومنطقتنا العربية اليوم تُجَرّ إلى حروب طويلة الذيول، مُتشعِّبة الأودية، تُصاحبها غفلة كبيرة لدى الكثيرين منا، رغم أن رَحى الحروب تُدار حول بيوتهم! مع أن التلازم فِطري بين اشتداد الأزمات وتصاعُد البحث عن مخارج! فأول ما يتبادر للذهن المتفتح هو العودة للنفس ومحاسبتها؛ فالأُمّة لَبِنات من المجتمعات، والمجتمعات لَبِنات من الأُسَر، والأُسَر لَبِنات من الأفراد، والقليل القليل مَن يدرك أن هذه التغيرات، وما يظهر في الكون من فساد، وما يزول من نِعَم أو يحلّ من نِقَم، فبسببنا؛ أفرادًا ومجتمعات، كما في: (آل عمران: 165، والشورى: 30، والروم: 41، والرعد: 11، والأنفال: 53).

فطريق الخلاص واضح وضوح الشمس؛ (ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة)؛ كما قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.

ولا يَحقر المسلم معصيةً فيه؛ فلعلّها تجتمع مع أخرى في غيره فتُكَوِّن تيار الخَبَث، فعن أم المؤمنين زَيْنَب بنتِ جحش -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم  دخل عليها -مستيقظًا من نومةٍ- فَزِعًا يَقُولُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! وَيْلٌ للعرب من شرّ ما اقْتَرَبَ...)، فلما سألته قائلة: «يا رسول الله! ‌أَنَهْلِكُ ‌وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟» قَالَ: (نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ ‌الخبث).

صحيح البخاري - رقم الحديث أو الصفحة: 7059 - أخرجه البخاري (7059)، ومسلم (2880)

فعلى كل فرد مسلم أن يتّقي ربه، ويتفقّد نفسه، ويتحقّق من إيمانه، ويجاهد النفس عليه، كما قال الحسن البصري: «إن هذا الحق جَهَدَ الناس، وحال بينهم وبين شهواتهم، وإنما صَبَرَ على هذا الحق مَن عرف فضله، ورجا عاقبته...»؛ فإن ساعةَ الصِّفر قد تَبْغَت فلا يجد المخدوع في وَفْضَتِه شيئًا! ويواصل الحسن قوله:

«... إنك لتعرف الناس ما كانوا في عافية؛ فإذا ‌نزل ‌بلاء صار الناس إلى حقائقهم؛ صار المؤمن إلى إيمانه، والمنافق إلى نفاقه».

فاللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك، واصرف عنا الفتن، واصرفنا عنها، في عافية منك، يا رب العالمين.

ما وراء إغلاق الأقصى... هل نعي الخطر؟

ما وراء إغلاق الأقصى... هل نعي الخطر؟

إحسان الفقيه

ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم:


"ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه.

فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به".

ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه.

لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى.

فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. 

وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي.

وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل.

في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين.

هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب.

الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران.

من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. 
فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس.

أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: 
هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم.

الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين.

الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.

السبت، 21 مارس 2026

هل يعيد التاريخ مشروع الوحدة على يد الإخوان؟

 هل يعيد التاريخ مشروع الوحدة على يد الإخوان؟

نور الدين زنكي وغزة:



في تاريخ الأمم لحظاتٌ فارقة تظهر فيها شخصيات لا تمثل عصرها فقط، بل تتحول إلى مرآةٍ يُقرأ من خلالها الحاضر.

ومن بين تلك الشخصيات يبرز اسم القائد المسلم نور الدين محمود زنكي، الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي في مرحلة كانت فيها المنطقة تشبه إلى حدٍّ بعيد كثيرًا من تعقيدات عالمنا المعاصر:

 انقسامات داخلية، صراعات سياسية، وتدخلات خارجية تسعى إلى تثبيت نفوذها في قلب الشرق.

عندما نجحت الحملة الصليبية الأولى في السيطرة على القدس عام 1099م، بدا وكأن العالم الإسلامي قد دخل مرحلة طويلة من الضعف والتشتت.

لم تكن المشكلة في قوة الجيوش الصليبية وحدها، بل في الانقسام السياسي العميق الذي كان يضرب المنطقة. فقد كانت المدن الكبرى في الشام والعراق تخضع لحكام متنافسين، لكل منهم حساباته ومصالحه الخاصة، بينما كانت الكيانات الصليبية، وعلى رأسها مملكة بيت المقدس الصليبية، تتوسع وتترسخ في قلب المشرق.

في تلك اللحظة التاريخية ظهر نور الدين زنكي، الذي ورث مشروع المقاومة من والده القائد عماد الدين زنكي، لكنه سرعان ما أدرك أن الصراع مع القوى الصليبية لا يمكن أن يُحسم عبر المعارك وحدها.

كان يدرك أن أي انتصار عسكري لن يكون مستدامًا ما لم يُبنَ على أساسٍ سياسي واجتماعي قوي. ولذلك بدأ مشروعه من الداخل:

توحيد الصفوف وبناء القوة قبل مواجهة الخصوم.

كانت خطوته الأولى توحيد بلاد الشام سياسيًا. ففي عام 1154م تمكن من ضم دمشق إلى سلطته، وهو إنجاز غيّر ميزان القوى في المنطقة.

فقد أصبح لأول مرة منذ سنوات طويلة مركزا حلب ودمشق تحت قيادة واحدة، وهو ما منح العالم الإسلامي في تلك المنطقة جبهة أكثر تماسكًا في مواجهة الصليبيين.

غير أن رؤية نور الدين لم تتوقف عند حدود التوحيد العسكري. فقد كان يؤمن بأن بناء الدولة يحتاج إلى أسسٍ أخلاقية وثقافية أيضًا. لذلك اهتم ببناء المدارس وتشجيع العلماء ونشر العدل في الإدارة. وقد وصفه كثير من المؤرخين بأنه كان حاكمًا يجمع بين الحزم السياسي والزهد الشخصي، وهو مزيج نادر في تاريخ السلطة.

لكن أحد أهم أبعاد مشروعه كان إدراكه للأهمية الاستراتيجية لمصر. فقد كانت مصر آنذاك تعيش مرحلة ضعفٍ سياسي في ظل حكم الدولة الفاطمية، وكانت مطمعًا للقوى الصليبية التي أدركت أن السيطرة عليها ستمنحها القدرة على تطويق الشام بالكامل. لذلك تحرك نور الدين سريعًا، وأرسل حملات عسكرية بقيادة القائد أسد الدين شيركوه.

وكان من بين رجال هذه الحملات شاب سيصبح لاحقًا أحد أشهر القادة في التاريخ الإسلامي: صلاح الدين الأيوبي.

لقد أدت هذه الحملات إلى تغيير عميق في توازن القوى في المنطقة.

 فبعد سنوات قليلة أصبحت مصر جزءًا من الجبهة الإسلامية التي تواجه الصليبيين. وعندما تحقق الانتصار الكبير لاحقًا في معركة حطين عام 1187م، والذي مهد الطريق لاستعادة القدس، كان ذلك الانتصار في جانبٍ كبير منه نتيجةً للمشروع السياسي والعسكري الذي أسسه نور الدين زنكي.

ومع ذلك، فإن نور الدين لم يعش ليرى تحرير القدس. فقد توفي عام 1174م، قبل ذلك الحدث التاريخي بسنوات قليلة. لكن كثيرًا من المؤرخين يرون أن أعظم إنجازاته لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل بناء الشروط التي جعلت ذلك الانتصار ممكنًا.

ومن منظور تحليلي معاصر، يمكن النظر إلى مسار مشروع جماعة الإخوان المسلمين في العصر الحديث باعتباره محاولة لإعادة تفعيل روح مشروع الحضارة الإسلاميّة التي جسدها نور الدين زنكي، ولكن بوسائل مناسبة لعصر الدولة الحديثة والمجتمع المدني.

ومن هذه الزاوية يتم استهداف جماعة الإخوان المسلمين ومحاولة تشويه تاريخها ومنهجها ورمزيتها ومشروعها نظرا لخطورته على المشروعات الاستيطانية الاستئصالية وصراعها المحموم على المنطقة والسيطرة عليها.

فكما عمل نور الدين على تهيئة الأرضية السياسية والاجتماعية لوحدة القوى الإسلامية في الشام قبل مواجهة الصليبيين، ركز الإخوان المسلمون منذ تأسيسهم على تهيئة المجتمع المسلم فكريًا وأخلاقيًا، باعتبار ذلك أساسًا لأي مشروع نهضوي قادر على تحقيق قدر من الوحدة بين شعوب العالم الإسلامي والتحرر من التبعية السياسية والاقتصادية للقوى الخارجية.

في هذا السياق، يظهر تشابه جوهري بين المشروعين في فكرة التهيئة للنهضة عبر البناء الداخلي قبل الانخراط في مواجهة خارجية مباشرة. فمشروع نور الدين كان يقوم على توحيد المدن والمناطق الإسلامية وتأسيس مؤسسات سياسية وقضائية قوية، بينما سعى الإخوان المسلمون إلى توحيد الوعي الاجتماعي والسياسي، وبناء قاعدة تربوية وفكرية تُعيد صياغة هوية الأمة وتزرع شعور المسؤولية الجماعية تجاه استعادة سيادتها.

ومع ذلك، يبقى الفارق الجوهري بين المشروعين في السياق والأدوات: نور الدين كان قائد دولة يسعى مباشرة لبناء قوة سياسية وعسكرية مركزية، بينما نشأت الحركات الحديثة في إطار الدولة القومية الحديثة ونظام دولي معقد، مما جعل أدواتها ترتكز على الدعوة والتربية والعمل الاجتماعي والسياسي أكثر من الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة.

إن قراءة هذه التجربة التاريخية اليوم تفتح بابًا واسعًا للتأمل في واقع المنطقة المعاصر. فبعد قرابة تسعة قرون ما تزال القدس في قلب الصراع السياسي في الشرق الأوسط، حيث تخضع المدينة لسيطرة إسرائيل، بينما تتكرر الحروب والمواجهات في أماكن مثل قطاع غزة، في مشهد يعكس استمرار التوتر وعدم الاستقرار.

وفي الوقت نفسه تحولت المنطقة إلى ساحة تنافس دولي واسع، حيث تمتلك قوى كبرى مثل الولايات المتحدة شبكة واسعة من القواعد والتحالفات الاستراتيجية التي تمنحها نفوذًا كبيرًا في الشرق الأوسط.

وفي خضم هذه التحديات يبرز سؤال جوهري: لماذا لا تزال المنطقة عاجزة عن بناء قوة إقليمية متماسكة قادرة على حماية مصالحها؟ الإجابة غالبًا ما ترتبط بعوامل عدة، أهمها استمرار الانقسامات السياسية بين الدول وتضارب المصالح الإقليمية وغياب مشروع جماعي قادر على توحيد الجهود والموارد.

وهنا تظهر أهمية استحضار تجربة نور الدين زنكي ليس باعتبارها مجرد قصة بطولية من الماضي، بل كدرس في فهم طبيعة القوة السياسية: مواجهة التحديات تبدأ أولًا من الداخل، من بناء مؤسسات قوية، وتوحيد القوى المتفرقة، وصياغة مشروع حضاري قادر على جمع الطاقات المختلفة في اتجاه واحد.

إن العالم اليوم يختلف كثيرًا عن عالم القرن الثاني عشر، فموازين القوة الدولية، والتكنولوجيا، والاقتصاد العالمي تجعل الواقع أكثر تعقيدًا. لكن التاريخ يذكّرنا بأن الأمم التي نجحت في تجاوز أزماتها كانت غالبًا تلك التي استطاعت تحويل التشتت إلى وحدة، والتنافس الداخلي إلى تعاون.

وهكذا يبقى نور الدين زنكي حاضرًا في الذاكرة التاريخية ليس فقط كقائدٍ من زمن الحروب الصليبية، بل كرمز لفكرةٍ ما تزال تبحث عن تحققها في حاضر المنطقة:

 أن قوة الأمة تبدأ عندما تدرك أن اختلافاتها يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة، وأن النهضة الحقيقية لا تأتي إلا عبر البناء الداخلي والتوحيد الحضاري والسياسي.

المصادر والمراجع

1- أبو شامة المقدسي، الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية.

2- عز الدين ابن الأثير، الكامل في التاريخ.

3- ابن كثير، البداية والنهاية.

4- د. علي محمد الصلابي، نور الدين محمود زنكي.

5- ستيفن رنسيمان، A History of the Crusades.

6- أمين معلوف، The Crusades Through Arab Eyes.