الثلاثاء، 31 مارس 2026

الممانعة بالبراميل المتفجرة... كيف تقهر الإمبريالية بإبادة شعبك؟!

 خواطر صعلوك

الممانعة بالبراميل المتفجرة... كيف تقهر الإمبريالية بإبادة شعبك؟!

محمد ناصر العطوان


كما اتفقنا يا عزيزي القارئ في مستهل رحلتنا، عندما كنتُ صغيراً تعجبت من تورط بعض نخبنا العربية في تأييد غزو الكويت، ولما كبرت صُدمت بجيل آخر برر سحق السوريين، واليوم أقف مذهولاً أمام طابور جديد ينساق خلف السردية الإيرانية ضد الخليج. 

لذلك نواصل في هذا المقال الثالث تفكيك هذا العطب البنيوي، ونرصد كيف تُباع العقول في أسواق النخاسة السياسية.

ما إن اختفى جيل «المبررين» لغزو الكويت وتوارى خجلاً أو موتاً، حتى نبت لنا جيل جديد من المحللين والمثقفين ليقع في الفخ ذاته، وبالغباء المنقطع النظير نفسه، ولكن هذه المرة على مسرح التراجيديا السورية المروعة التي رُفعت ستارتها عام 2011.

عندما خرج ملايين السوريين العُزل يطالبون ببديهيات الحياة السياسية: قليل من الكرامة، وشيء من الحرية، وتوزيع عادل للثروة، وانعتاق من أقبية أجهزة المخابرات التي تحصي عليهم أنفاسهم... وجد النظام نفسه محشوراً في زاوية وجودية لا تفلح معها ألاعيب السياسة. 

ولأنه خبير في تشريح «العقل النخبوي العربي»، سحب فوراً من جيبه السلاح السحري المضمون: أسطوانة «المقاومة والممانعة» المشروخة، وأكذوبة «المؤامرة الكونية».

فجأة، وبقدرة قادر، تحولت حناجر النخب لترويج خرافة أن ما يجري في سوريا ليس ثورة شعب مقهور ضد الفساد والاستبداد، بل هو «مخطط استعماري صهيوني إمبريالي» لإسقاط «قلعة الممانعة» الأخيرة!

وهنا، عاد «خونة المثقفين» لارتداء بدلاتهم الأنيقة، ومارسوا دورهم التبريري المقيت؛ حيث وفروا الغطاء الفكري والأخلاقي لنظام قرر أن يفعل بشعبه ما خجلت منه أعتى جيوش الاحتلال. وباسم هذه «الممانعة» المجيدة، تم تبرير إلقاء «البراميل المتفجرة» العشوائية على الأحياء السكنية، وأصبح استخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً تكتيكاً ثورياً، وتحولت محاصرة وتجويع المدن حتى الموت إلى ضرب من ضروب الصمود! 

والنتيجة؟ 

تشريد أكثر من 14 مليون إنسان، لا لشيء، إلا لكي يبقى «الرفيق» صامداً فوق تل من الجماجم.ولقد بلغ الانخداع ببعض النخب مبلغاً يجعل الكوميديا السوداء تبكي من فرط العبث. تخيل معي، في مفارقة مبكية مضحكة، تجلس 28 شخصية عربية من حملة الماجستير والدكتوراه ومتبني خطاب الممانعة، ليمسكوا بأقلامهم ويؤلفوا كتاباً فضائحياً بعنوان: «القائد الأسد... صفحات مشرقة من تاريخ الصمود»!

يصفون فيه تدمير البلاد وحرق العباد بأنه «نضال فكري وتنويري ضد قوى التسلط»! 

لقد نجحت الآلة الإعلامية في «إلغاء الضحية» تماماً؛ فلا أحد يجرؤ على التحدث عن ضحايا التعذيب والاغتصاب في المعتقلات، ولا عن الأطفال الذين اختنقوا تحت أنقاض حمص وحلب. لقد تم تعليب ملايين البشر ووضع ملصق «خونة وعملاء» عليهم، مبررين إبادتهم لأنهم -بكل وقاحة- عطلوا مسيرة المقاومة المزعومة!

ولو وضعنا هذه السردية البائسة تحت ميكروسكوب التحليل المنهجي العقلاني، لانفجرت في وجوهنا تناقضات تثير الشفقة والاشمئزاز معاً:

أولاً: بالله عليك، كيف لنظام يصدع رؤوسنا ليل نهار بمحاربة الإمبريالية وحماية «السيادة الوطنية»، أن يفتح أبواب بلاده على مصراعيها لتدخل عسكري روسي، ويستورد عشرات الميليشيات (من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان) بقيادة إيرانية، فقط لسحق شعبه؟ أي سيادة هذه التي تُصان بتأجير البلد للغرباء؟

ثانياً: كيف تستقيم نكتة «المقاومة»، وجبهة الجولان المحتل تنعم بهدوء يحسدها عليه أي منتجع سياحي طوال عقود؟ 

لم تُطلق منها رصاصة «طائشة» واحدة نحو إسرائيل، بينما استُعرضت أعتى الأسلحة الإستراتيجية ودُمرت حواضر سوريا التاريخية فوق رؤوس ساكنيها!

ثالثاً: إن هذا النظام يمتلك تعريفاً حصرياً عجيباً لـ «المقاومة»؛ فهي تعني حصراً: الولاء المطلق للكرسي. فعندما وقفت فصائل تابعة له (كالجبهة الشعبية-القيادة العامة) معه، مُنحت صك «المقاومة الحقيقية». أما عندما رفضت حركة «حماس» التصفيق لآلة القمع ضد الشعب السوري، سُحب منها الترخيص وصُنفت فوراً كـ«ناكرة للجميل ومدعية للمقاومة». مما يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن فلسطين والمقاومة ليستا سوى أوراق لعب رخيصة تُستخدم للحفاظ على السلطة، وليست مبادئ عقائدية ثابتة.

لقد برر المثقف الممانع تدمير الحاضر والمستقبل السوري من أجل معركة وهمية لم تُخض يوماً على الجبهة الحقيقية. 

ولكن، وكما تخبرنا سنن التاريخ التي لا تحابي أحداً: 

كما كانت نهاية صدام المشنقة، ونهاية القذافي «رصاصة»، ونهاية بشار اللجوء... فأيضاً كانت نهاية المرشد هي الصاروخ. بكل أداة طغى بها المستبد وقتل بها شعبه، كانت نهايته.

وسوف يكون مقالنا المقبل والأخير في هذه السلسلة بعنوان: «نضرب مطارات الخليج لأن القواعد الأميركية مخيفة!»..

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.


  1.        محمد ناصر العطوان             

  2.                 



المقال الاول

كيف تبيع عقلك بالتقسيط المريح؟!

المقال الثاني

الطريق إلى القدس يمر بـ «سرقة الجيران»...!


ما الذي دفع شباب إيران ومثقفيها إلى العلمانية والإلحاد؟

ما الذي دفع شباب إيران ومثقفيها إلى العلمانية والإلحاد؟
 

خزعبلات شركية دفعت شباب إيران ومثقفيها إلى العلمانية والإلحاد

لو كان الدين منوطاً بالثريا لتناوله (الشاه محمد رضا بهلوي)؛ فهو فارسيٌ صَليبةً- كما يَدَّعُون؛ وليس أذَرِيَّاً كالمشرك المجرم خامنئي، أو هندياً كالمشرك المجرم خميني.. لا.. واسمه محمد أيضاً!!

إنْ رفضتم هذا المعنى فإلى أيِّ معنى تُشيرون؟!

ولماذا تُكثرون مِن ترديد هذا الحديث الشريف الآن، وتُحاولون إنزالَه على مشركي الشيعة في إيران؟!

هل تُريدون إقناع عوام المسلمين أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد بكلامه الشريف هذا هؤلاء الذين اتهموا زوجَه الطاهرة المطهرة بالزنا، ووصفوا كتاب ربه الذي أنزله عليه بالتحريف، وكَفَّروا أصحابَه كلَّهم إلا ثلاثة أو ستة، واتهموهم بغصْب حق آل بيته المزعوم، وكسْر ضلع ابنته الشريفة، وإسقاط جنينها المفترض؟!

هل تريدون إقناع عوام المسلمين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد بكلامه الشريف هذا هؤلاء الذين يتهمونه هو نفسه صلى الله عليه وسلم بالتقصير في تبليغ الرسالة، وبأنه ترك الأمة بعده هملاً لا راعي لها.. وحاشاه صلى الله عليه وسلم!!

هل تريدون إقناع عوام المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد بكلامه الشريف هذا هؤلاء الذين يرون أنَّ الله جل وعلا يقضي الأمر ثم (يبدو) له أنَّ غيرَه أفضل منه؛ فيرجع جل وعلا عن قضائه لِما بدا له؟!

هل تريدون إقناع عوام المسلمين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد بكلامه الشريف هذا هؤلاء الذين أسقطوا التوحيد وأعادوا الوثنية إلى أشد ما كانت عليه؛ مستبدلين باللات والعزى وهبل؛ علياً رضي الله عنه وأبناءه، وجاعلين (الإمامة) نصاً من الله عليهم؛ يتوارثونها كابراً عن كابر، دِيناً ودُنيا؛ ليصير دينُ الله لعبةً لأحفادهم، وعبادُ الله خَوَلاً لذراريهم.. فهم المعصومون الذين لا يُردُّ حكمهم، ولا يُناقش قضاؤهم، ولا يجوز عليهم (البداء) كما يجوز على الله جل وعلا.. وهم أصحاب الولاية التكوينية الذين يتحكمون في الأكوان ظاهراً وباطناً، ويعلمون الغيب، ويعلمون ما في الأرحام، ويعلمون متى يولدون ومتى يموتون؟!

هل تريدون إقناع عوام المسلمين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد بكلامه الشريف هذا هؤلاء الذين ينتظرون (مهديَّ النقمةِ) الذي سيُعادي العرب والمسلمين، ويوالي اليهود والنصارى، ويُظهر القرآن الصحيح المزعوم، ويُخرج جثمان عائشة الطاهرة المطهرة رضي الله عنها ويجلدها حَدَّاً، ثم يُخرج جثامين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ومعهم خمسمائة رجل من قريش فيحرقهم ويذروهم في الرياح، ويقطع أيادي (بني شيبة) الذين أعطاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مفاتيح البيت وقال لهم: “خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم”، ويعلق أياديهم المقطوعة على باب الكعبة!!

إنْ كان مَن يؤمنون بكل هذا الشرك، وكل هذا الكفر، وكل هذه الزندقة؛ هم مقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم- وحاشاه- فَعلامَ بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلاً، وبأي رسالة جاء؟! بل وعلام نُبِّئ الأنبياء، وأُرسل الرُّسُل، وأنزلت الكُتب؟!

مَا أبأسكم وأنتم تجعلون دينَ الله لعبةً تتلعبون بها لتسويغ مواقفكم الضالة، واختياراتكم المضلة!!

أما كان يكفيكم أن تقولوا: إنما هي السياسة التي ألجأتنا إلى اختيار أسوأ اختيارٍ، وأذلِّ موقفٍ، وأضلِّ سبيل؛ حتى رحتم تحرفون الكلم عن مواضعه، وتؤصلون بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم للسوء والذل والضلال!!

والله لَعَلمانِيةُ (الشاه) أخف شِركاً مِن دينية (خميني وخامنئي)؛ فلعله -لعلمانيتهِ- لم يكن يؤمن بتلك الخزعبلات الشركية التي دفعت كثيرين مِن شباب إيران ومثقفيها إلى العلمانية والإلحاد.. وإنَّ ديناً يدفعُ أبناءَه إلى العلمانية والإلحاد لخليق أن يكون أعظم شركاً وكفراً منهما!!

عاجل جدا | العدّ التنازلي بدأ

عاجل جدا | العدّ التنازلي بدأ | أبريل… شهر كسر التوازن العالمي
مكاوي الملك | Makkawi Elmalik

دعوني أكون صريحا معكم…كل ما كتبته خلال الأيام الماضية بعناوين البعض اعتبرها تهويل! لم يكن تحليلاً منفصلاً…بل كان تفكيكًا لخريطة واحدة بدأت ملامحها تتضح الآن…
‏نحن ندخل بداية أبريل 2026…
‏ولأول مرة منذ عقود… كل مسارات العالم تتقاطع في شهر واحد
‏المشهد الحقيقي: ليس أزمات… بل نظام يختبر نفسه
‏ما يراه الناس:
‏حروب في الشرق الأوسط..
‏توتر في تايوان..
‏ارتفاع أسعار الطاقة..
‏أما الحقيقة؟
‏هذه ليست أحداثا منفصلة… بل سلسلة ضغط مترابطة..كل ملف يدفع الآخر… وكل قرار يُشعل ما بعده
‏النقطة الأولى: 6 أبريل… لحظة القرار
‏هذا التاريخ ليس عادياً…بل خط فاصل بين الاحتواء والانفجار
 إما تمديد جديد →
‏= سقوط الهيبة الأمريكية تدريجياً
 أو ضربة مباشرة →
‏= اشتعال إقليمي واسع + قفزة جنونية في النفط
 أو اتفاق مفاجئ →
‏= هدوء مؤقت… لكن مع بقاء الخطر قائماً
‏الخلاصة: أي خيار… لن يعيد الأمور كما كانت
‏منتصف أبريل: لحظة الاختناق العالمي
‏هنا تبدأ المرحلة الأخطر…ليس عسكرياً… بل اقتصادياً
 لأن (الاحتياطي) ينتهي…والعالم يدخل مرحلة الاعتماد على التدفق الحقيقي للطاقة
‏النتائج المتوقعة:
‏نقص في الوقود..ارتفاع حاد في الأسعار..اضطراب في سلاسل الإمداد
‏بمعنى واضح:
‏العالم ينتقل من (إدارة الأزمة)… إلى (الشعور بها فعلياً)
‏النقطة الأخطر التي لا يتحدث عنها أحد: الغذاء
‏أبريل هو شهر الزراعة…والقرارات التي تُتخذ الآن… تحدد ما سيأكله العالم في نهاية العام
 أسعار الأسمدة ترتفع
 الإنتاج ينخفض
 الدول المستوردة تبدأ بالاختناق
 النتيجة؟
‏ليست مجرد أزمة أسعار…بل بداية اضطرابات اجتماعية في دول هشة
‏وهنا تبدأ العدوى…من الاقتصاد… إلى الشارع… إلى السياسة
‏في الخلفية: الصين تتحرك بصمت
‏بينما الأنظار على إيران…الصين تعيد ترتيب أخطر ملف في العالم: تايوان
 توقيت مثالي (أبريل–مايو)
 انشغال أمريكي في الخليج
 إعادة توزيع للقوات
 الرسالة الواضحة: الضغط لم يعد في جبهة واحدة… بل جبهتين في نفس الوقت
‏سلسلة الدومينو بدأت بالفعل
‏ما يحدث الآن هو أخطر من حرب:
‏1/ أزمة طاقة
‏→ ترفع الأسعار
‏2/ ارتفاع الأسعار
‏→ يضغط على الاقتصاد
‏3/ الضغط الاقتصادي
‏→ يخلق اضطراباً سياسياً
‏4/ الاضطراب السياسي
‏→ يعيد تشكيل التحالفات
 ثم تعود الحلقة من جديد… لكن بشكل أقوى
‏المعضلة الأمريكية (جوهر الأزمة)
‏واشنطن اليوم أمام معادلة مستحيلة:
 التصعيد = حرب أوسع
 التراجع = فقدان الهيبة
‏لذلك نرى ما يحدث الآن:
‏تأجيل… ثم ضغط… ثم إعادة حسابات
‏لكن المشكلة؟
 كل تأجيل… يُضعف الردع أكثر
‏لماذا أبريل مختلف عن كل ما قبله؟
‏لأن ما كان (احتمالات)في مارس…أصبح في أبريل وقائع متزامنة
‏• طاقة تحت الضغط
‏• غذاء تحت التهديد
‏• أسواق على حافة التصحيح
‏• قوى كبرى تعيد التموضع
 لأول مرة…كل هذه العوامل تضرب في نفس التوقيت
 الخلاصة:نحن لا نعيش تصعيداً عابراً…بل لحظة إعادة تشكيل العالم
‏أبريل لن يُنهي الأزمة…لكنه سيحدد اتجاهها حتى نهاية العقد
 إما احتواء مؤقت
 أو دخول مرحلة استنزاف طويلة
 أو بداية انفجار أكبر
‏الخاتمة:
‏التاريخ لا يعلن نفسه…
‏لكنه يترك إشارات…
‏وكل الإشارات الآن تقول:
‏العدّ التنازلي بدأ…
 وما سيحدث خلال أسابيع…
‏لن يكون مجرد خبر…
‏بل نقطة تحول سيُبنى عليها شكل العالم القادم بالكامل احفظوها للزمن 

ماذا يفعل المسلمون في أوروبا؟ قراءة تاريخية

 ماذا يفعل المسلمون في أوروبا؟ قراءة تاريخية

د. أحمد عيسى



إذا سأل سائل: ماذا يفعل المسلمون في أوروبا؟ فيجاب عليه بسؤال آخر: وماذا يفعل اليهود والمسيحيون في أوروبا؟ ذلك لأن مجموع سكان القارة الأوروبية يتألف من اليهود والمسيحيين، ومن المسلمين، وغيرهم، وكل أولئك ينتمون إلى سكان أوروبا الأصليين، فاليهودية والمسيحية والإسلام، في أصلها، ديانات وافدة من خارج الفضاء الجغرافي للقارة الأوروبية، فمنبتها في الشرق الأوسط، فبماذا يحدثنا التاريخ عن مراحل العلاقة بين الإسلام وأوروبا؟

أول دولة إسلامية

تاريخياً، أُسِّست أول دولة إسلامية على التراب الأوروبي، قبل قيام دولة الملك شارلمان المسيحية بما يقرب من نصف قرن؛ حيث قامت دولة الأندلس عام 756م، أمَّا دولة شارلمان، فأقيمت بمرسوم باباوي عام 800م.

والمعطيات التاريخية تؤكد تهافت الادعاء القائل بأن أوروبا قارة اليهودية-المسيحية المحضة، فالجزء الأكبر من أوروبا (إسكندنافيا، وشمال ووسط وشرق أوروبا بالإضافة إلى روسيا وأوكرانيا) ظل وثنياً لقرون عديدة، تلت تقبل مناطق أوروبية واسعة جداً الإسلام؛ وهو ما يعني أن حقبة وثنية أوروبا امتدت إلى قرون عديدة بعد تأسيس عدد كبير من الدول الإسلامية في أوروبا من القوقاز عبر أكبر جزر البحر الأبيض المتوسط، وصولاً إلى الأندلس، التي كانت أكثر الدول الأوروبية نمواً اقتصادياً وثقافياً، والأقوى عسكرياً(1).

والآن، تتوالى أحداث الإساءة للإسلام والمسلمين في أوروبا؛ ما جعلنا نحاول إمعان النظر في العلاقة بين الإسلام وأوروبا تاريخياً.

6 مراحل

يمكننا تحديد عدة مراحل؛ الأولى من السيرة النبوية، وبقية المراحل مصنفة من المراجع الأوروبية، مثل «إليفي»(2)، و«أوماهوني»(3)، و«بيرجر» في كتابه «تاريخ مختصر للإسلام في أوروبا.. ثلاثة عشر قرناً من العقيدة والصراع والتعايش»(4).

المرحلة الأولى: الإسلام وأوروبا:

المرحلة الأولى تتمثل في العلاقة والصراع بين الفريقين الذي بدأ من عهد النبوة، عام 6هـ/ 628م، بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم الرسائل إلى الملوك يدعوهم للإسلام؛ ومنهم هرقل عظيم الروم (يقصد بهم الروم الشرقيون في بيزنطة وعاصمتها القسطنطينية، حيث سقطت الروم الغربية في روما في القرن الخامس الميلادي).

دائرة المعارف البريطانية: للإسلام تاريخ طويل بأوروبا في الأندلس والبلقان بالعصور الوسطى وأثر في ثقافات تلك المناطق

ثم كانت معركة «مؤتة» عام 8هـ، بين المسلمين وجيش هرقل، بعد قيام شرحبيل بن عمرو الغساني، وهو مستخلف من هرقل، بقتل الصحابي الحارث بن عمير الأزدي الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم، يحمل رسالة إلى ملك بُصرى يدعوه فيها إلى الإسلام، وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم، بمثابة إعلان للحرب.

ثم غزوة «تبوك» عام 9هـ، حيث وصلت الأخبار عن حشد الروم 40 ألف مقاتل من الشام؛ وذلك للقضاء على الإسلام، وغزو حدود العرب الشمالية، ولما سمع الرومان وحلفاؤهم بزحف النبي صلى الله عليه وسلم أخذهم الرعب، فلم يجترئوا على التقدم واللقاء، بل تفرقوا داخل حدودهم.

ثم كانت آخر البعوث قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، عام 11هـ ببعثة أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين لإرهاب الروم، لقتلهم المؤمنين ومنهم فروة الجذامي والي معان الذي صلبوه ليرهبوا من تحدثه نفسه بالإسلام، فكان الغرض إعادة الثقة إلى قلوب العرب الضاربين على الحدود، حتى لا يحسبنّ أحد أن بطش الكنيسة لا معقب له، وأن الدخول في الإسلام يجر على أصحابه الحتوف(5).

منذ القرن السابع الميلادي يمثل المسلمون الأوروبيون الأصليون عنصراً ثابتاً داخل التركيبة السكانية والثقافية بأوروبا

بعد ذلك كانت محاولات فتح القسطنطينية، ففي خلال 8 قرون وتحديداً منذ عام 653م، كانت هناك 11 محاولة، منذ عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم الدولة الأموية، فالدولة العباسية، ومنذ نشأة الدولة العثمانية عام 1299م، حتى نجاح محمد الفاتح بدخولها عام 1453م، وشهد العالم أيضاً واحدة من الصراعات الكبرى، وهي الحروب الصليبية (1095 - 1291م)، حيث واجه الإسلام غزو أوروبا (المسيحية).

المرحلة الثانية: الإسلام في أوروبا:

تتمثل هذه المرحلة في موجات الإسلام العديدة في أوروبا، التي تركت بصمة على أوروبا حتى يومنا هذا، منها:

1- الحضارة الإسلامية في الأندلس من القرن الثامن إلى الخامس عشر الميلادي.

2- التتار المسلمون في مناطق السلاف الشمالية.

3- هيمنة الإمبراطورية العثمانية في البلقان وأوروبا الوسطى لعدة قرون حتى بداية القرن العشرين.

ومن أولى الإمارات الإسلامية الأوروبية، إمارة في جنوب القوقاز على ساحل البحر الأسود، في منتصف القرن السابع.

كما أن الدول الإسلامية الأوروبية شملت، في فترات الحكم (المباشر أو غير المباشر) في الشمال أراضي واسعة من روسيا، بما في ذلك موسكو، وفي الجنوب شملت جنوب فرنسا، وجنوب إيطاليا، وجنوب سويسرا، وجميع جزر البحر المتوسط الكبرى من قبرص ورودس وكريت ومالطا وصقلية وسردينيا وكورسيكا ومايوركا، وكامل شبه جزيرة البلقان وهنغاريا اليوم وضواحي فيينا.

منهجية اضطهاد المسلمين و«شيطنة» الإسلام طريق يقود إلى إجحاف عظيم وثقافة عنصرية وإعدام ذاتي للفكر الأوروبي

ويعود تاريخ تأثير الإسلام ووجوده الفاعل في البلقان إلى النصف الثاني من القرن السابع، فاستقر المسلمون في مناطق ساحلية في تراقيا الجنوبية (الآن تتقاسمها بلغاريا، واليونان، وتركيا)، وفي خليج سالونيك (في اليونان الآن)، وعلى ساحل ألبانيا الشرقي، وفي بعض أجزاء مما يشكل كرواتيا حالياً.

وبتقدم الدولة العثمانية، من القرن الثالث عشر إلى الخامس عشر الميلادي، تواصلت هذه الفئات المسلمة المتفرقة والمعزولة نسبياً فيما بينها بقوة، وتطورت سياسياً واقتصادياً إلى مراكز حضرية وإدارية للثقافة الإسلامية، وفي عهد السلطان سليم الثاني (1524 - 1574م)، سُجل ازدياد كبير في عدد السكان المسلمين، نتيجة القبول الجماعي الطوعي للإسلام من قبل السكان الأصليين، في بلغاريا ورومانيا واليونان، وجميع الجزر الكبيرة، وألبانيا، والبوسنة، وصربيا، وأجزاء من كرواتيا، وخاصة في المناطق النائية من دالماسيا، وسلوفينيا، وبالتالي أقيمت الأسس السكانية لتواجد المسلمين الأصليين في هذا الجزء من أوروبا اليوم(6).

تقول دائرة المعارف البريطانية: إن للإسلام تاريخاً طويلاً في أوروبا، فكان الوجود الإسلامي في الأندلس، والبلقان خلال العصور الوسطى، مؤثراً في ثقافات تلك المناطق، ولا تزال المجتمعات المسلمة موجودة في أجزاء من البلقان، بما في ذلك ألبانيا والبوسنة والهرسك وشمال شرق بلغاريا، وفي روسيا الأوروبية المسلمون أكثر عدداً، من بينهم تتر قازان والبشكير في منطقة نهر فولغا وجبال أورال(7).

كثير من الأوروبيين يعتقدون أن المسلمين بدأ تواجدهم بأوروبا كمهاجرين بالقرن العشرين ولا يعرفون أنهم من السكان الأصليين

فمنذ القرن السابع الميلادي وحتى يومنا هذا، يمثل المسلمون الأوروبيون الأصليون باستمرار عنصراً ثابتاً داخل التركيبة السكانية والثقافية في أوروبا، وفي ضوء هذه الحقائق، فإن منهجية اضطهاد المسلمين، و«شيطنة» الإسلام ومعاداته كدين ومنهج للحياة، واعتبار ذلك موقفاً فكرياً وخياراً سياسياً، هو طريق يقود إلى إجحاف عظيم، وثقافة عنصرية، وإعدام ذاتي للفكر الأوروبي!

والإشكال الكبير هو أن هذا التاريخ إما يجهله الأوروبيون، أو ينكرون حدوثه، أو يعتبرونه احتلالاً عسكرياً، وكثير من الأوروبيين يعتقدون أن المسلمين بدأ تواجدهم في أوروبا كمهاجرين في القرن العشرين، ولا يعرفون أن المسلمين في كثير من مناطق أوروبا كانوا من السكان الأصليين، ثم دخلوا الإسلام طواعية، تماماً كما دخل الأوروبيون إلى المسيحية؛ فمثلاً يمكن القول: إن إرسال المنصّر أوغسطين في آخر القرن السادس الميلادي (عام 597م)، من قِبل بابا روما، إلى ملك منطقة «كنت» في إنجلترا، كان بداية المسيحية هناك، وكان دخول المسيحية روسيا والقرم متأخراً لما اعتنقها أمير كييف فلاديمير الأول عام 988م وكانوا يعبدون القوى الطبيعية.


المرحلة الثالثة: أوروبا في الإسلام:

كان فيها الهيمنة الأوروبية على الأراضي الإسلامية؛ أولاً: في عصر الإمبراطوريات وفترة الاستعمار (أقوى لحظة رمزية لذلك هي الحملة النابليونية إلى مصر عام 1798م)، فهيمنت أوروبا على البلدان الإسلامية بشكل مباشر، ثم خلال المرحلة المستمرة أو ما بعد الاستعمار (عن بُعد)؛ من خلال العملاء، والعولمة الاقتصادية، ووسائل الإعلام، وأنماط الاستهلاك الغربية.

المرحلة الرابعة: الإسلام في أوروبا المعاصرة:

في هذه المرحلة، بدأ الإسلام ينتشر في أوروبا عن طريق الهجرة، بدأ في فرنسا بين الحربين العالميتين، وفي معظم البلدان الأوروبية خلال فترة إعادة الإعمار بعد الحرب الثانية، والازدهار الاقتصادي في الخمسينيات والستينيات في الوسط والشمال، ثم من أواخر السبعينيات فصاعداً، في جنوب أوروبا، وهي مرحلة تتميز بشكل أساسي بالمهاجرين من الجيل الأول القادمين من المستعمرات السابقة (من الجزائر إلى فرنسا، ومن شبه القارة الهندية إلى بريطانيا)، وهناك أيضاً أشكالاً جديدة للهجرة مثل الأتراك القادمين إلى ألمانيا.

المرحلة الخامسة: إسلام أوروبا:

نرى ظهورها من خلال عملية تدريجية من التداخل والاندماج -في البداية في مكان العمل، ثم في السياق الاجتماعي والسياسي أحياناً- والانتقال بين الأجيال، تساهم هذه العملية في تكوين طبقة وسطى ومثقفين من أصل إسلامي، لا تزال لديها علاقات مع بلدان المنشأ، لكنها ولدت واختلطت اجتماعياً في أوروبا.

المرحلة السادسة: الإسلام الأوروبي:

من المحتمل أن ينتج عن المرحلة الخامسة تشكيل «إسلام أوروبي»، وسيُنظر إليه على أنه حركة أوروبية أصلية، نتيجة لعملية تدريجية وجوهرية من «المواطنة» للمسلمين المقيمين، الذين يتطلعون إلى آفاق الحقوق الكاملة على قدم المساواة مع الأوروبيين الآخرين.

الإسلام بدأ ينتشر بأوروبا عن طريق الهجرة في فرنسا بين الحربين العالميتين ومعظم البلدان الأوروبية خلال فترة إعادة الإعمار

حالياً، لا توجد سوى الخطوط العريضة لهذه العملية، إلا أن نتيجتها ستعتمد على التطور الداخلي للمجتمعات الإسلامية، وعلى حركة الإسلام العالمي، وربما الأهم على السياسات التي تتبناها تجاههم الحكومات الأوروبية، التي ستتأثر بدورها بالرأي العام والإعلام، وبأحزابها السياسية، خاصة الأحزاب القومية والعنصرية المناهضة والمسيئة للإسلام والمسلمين.

ونرى أن ذلك لن يمر دون مقاومة شرسة من المسلمين بمن فيهم الجيل الثاني والثالث الذين يتمسكون بثوابت وعقائد الإسلام، إذا كان الغرض من «الإسلام الأوروبي» هو ابتداع دين جديد على المقاس الأوروبي.

ومع أن الإسلام في أوروبا آخذ في التغير، ليصبح حقيقة أوروبية وفاعلاً اجتماعياً داخلياً، فإنه يعمل أيضاً على تغيير أوروبا من خلال الروابط الشخصية ووسائل التواصل، وبمجرد الوجود الإسلامي يحدث التغيير، فالحقيقة البسيطة المتمثلة في المواجهة الجسدية مع «الآخر» تجبر هذا «الآخر» على التفكير بعمق أكبر، وقد يفسر هذا دخول أعداد كبيرة من الأوروبيين (ومعظمهم من أصل مسيحي) الإسلام، وكذلك الاعتراف الضمني للإسلام في مقررات مجمع الفاتيكان الثاني عام 1965م.

على المسلمين أن يثمنوا دورهم التاريخي في تشكيل هوية أوروبا ومساواة تامة غير منقوصة مع نظرائهم من مواطني القارة

لقد أصبحت الأديان في عالم اليوم حاسمة مرة أخرى، ولن يكون من الممكن فهم التاريخ والتطور الاجتماعي والثقافي والعلمي والديني لأوروبا دون أخذ مكونها الإسلامي في الاعتبار، وبنفس الطريقة لن يكون من الممكن فهم التاريخ والتطور الاجتماعي والديني للإسلام دون مراعاة مكونه الأوروبي.

وهذا يُوجِب على مسلمي أوروبا التحفز لتأكيد موقفهم ورفع رؤوسهم، وأن يثمنوا دورهم التاريخي في تشكيل هوية أوروبا، ويضعوا أنفسهم في الوضع الذي يستحقونه؛ مساواة تامة غير منقوصة مع نظرائهم من مواطني أوروبا!

الهوامش
  • 1 فريد موهيتش، المكونات الإسلامية لهوية أوروبا، ترجمة الماجري (الدار العربية للعلوم، 2016)، ص 15-20. 
  • 2 Stefano Allievi, Conflicts over Mosques in Europe, Policy issues and trends (Alliance Publishing Trust, 2009), 10-11. 
  • 3 Anthony O'Mahony, Islam in Europe, The Way, 41.2 (2001), 122-135. 
  • 4 Maurits Berger, A Brief History of Islam in Europe (Leiden University Press 2014), 24-25. 
  • 5 صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم بحث في السيرة النبوية (دار الهلال، 1976م)، ص 355. 
  • 6 موهيتش، مرجع سابق، ص 275-276. 
  • 7 Britannica, “Religions of Europe”, Accessed 12 August 2021.