فريضة منسيّة
دفع عدوان الحكام الظلمة عن المساجد
إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد نصح الرجل الذي سأله عمّا إذا أراد ظالمٌ أخذ ماله بألّا يعطيه ماله، وبأن يقاتله إن أراد أن يسلك إلى نيل المال سبيل المقاتلة، وإذا كان قد بيّن أنّ من قتل دون ماله فهو شهيد؛ فهل يتصور أن يترك المسلمُ المساجدَ التي يرتادها ويتعبد فيها لربه عرضةً للاعتداء والتدنيس من كل ظالم خسيس؟ هل يعقل أن يُشرع للمسلم أن يدافع عن ماله ولا يدافع عن مسجده؟ إنّ إقرار تصور كهذا يُعَدُّ تمريرًا لتناقض فجّ تتنزّه عنه شريعة الله، ورضًى بضيم فكريٍّ يستعلي عليه دين الله؛ فلابدّ من مدّ الخطّ على استقامته ليستقيم الفهم وتكتمل الصورة، ولابدّ مع ذلك من ردّ جميع الصور إلى أمر جامع ومناط غير مضطرب، وأحسب أنّ المناط الجامع المنضبط هنا هو (المقاومة للانحراف) أي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحسبة، وليس مجرد دفع الضرر، وإن كان دفع الضرر يترتب لاحقًا على الاحتساب.
إنّ سبب منح درجة الشهادة لمن يُقتل مدافعًا عن ماله ليس مجرد دفعه لمضرّة سلب المال، وإلا فإنّ فقد الحياة أشد ضررًا من ضياع المال، وإنّما السبب تحديدًا هو أنّ دفع الصائل على المال احتساب وجهاد؛ لأنّه لو تُرك فلم يقاومْهُ أحدٌ لأدّى ذلك إلى استقرار الانحراف واستفحاله، إلى الحدّ الذي تصبح الاستقامة معه شذوذًا عن القاعدة وخروجًا على المألوف، فإذا طردنا القاعدة طردًا طبيعيًّا لا تكلف فيه ولا تمحل، وقمنا بمدّ الخط على استقامته ليصل إلى وجوب الدفاع عن بيضة الإسلام؛ فإنّنا سنمرّ حتمًا على المساجد، على بيوت الله التي أذن الله أن تُرفع ويذكر فيها اسمه، فإنّ الدفاع عنها ضدّ الظالمين الذين ينتهكون حرمتها ويبطشون بالذاكرين الله فيها، وبالقائمين على تعليم أحكام الدين في أروقتها، ضدّ أنظمة مجرمة لم يكن لها في يوم من الأيام شرعية تؤهلها لهدم كهف مهجور في قاع الصحراء، ضدّ أنظمة لم تتمكن من حكمنا إلا لأنّها تعهدت لأعداء الله أن تخرب بيوت الله، بمحاربة روادها وترويعهم.
من همْ عمّار المساجد حقًا؟
قَلَّ من يُرخِي لعقله العنان لينظر بعمق في مكونات الشخصية التي تستحقّ أن تكون من عمّار المساجد؛ ربما لأنّنا لا نفرق بين روّاد المساجد وعمّار الساجد، وقد تولت آية من سورة التوبة الردّ على ادعاء المشركين أنّهم عمّار المسجد الحرام، لمجرد أنّهم يتولون السقاية والرفادة وما شابه ذلك من صور الخدمة التي لاتغني شيئًا لدى القائمين بها مع قيامهم بالصدّ عن المسجد الحرام، قال تعالى: (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة: ١٨)، وإذا كان روّاد المساجد يشاركون عمّار المساجد في الإيمان والصلاة والزكاة فإنّهم يفارقونهم ويتخلفون عنهم في هذه الصفة (وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللَّهَ)، لأنّها الصفة التي تؤهل عمّار بيوت الله للرباط فيها والدفاع عنها، الرباط بالإصرار على إقامة الدين في أروقتها، بالدعوة والتعليم والاعتكاف والقيام، ويواصلون العمل وإن رغمت أنوفٌ وورمتْ أنوفٌ وانطلقتْ أنوفٌ تقود الجحافل للقبض على عمّار المساجد.
ومن دخله كان آمنًا
ولأنّ الله جعل البيت الحرام مثابةً للناس وأمنًا، ولأنّ سنة الله الماضية بحماية هذا البيت وتأمين زائريه تَتَلَوَّنُ في كل زمان بحسبه؛ فإنّ الله تعالى أوجب على هذه الأمة - ضمن واجبَي الجهاد والحسبة - أن تُؤَمّن من قصده طائفًا أو عاكفًا، قال تعالى: (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) (آل عمران: ٩٧)، وجمهور المفسيرن على أنّ قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنًا) أمرٌ جاء في صورة الخبر، ودليلهم هو أنّ التاريخ أثبت أنّ العدوان على حجاج البيت وقع وتكرر وقوعه؛ بما يعني أنّ الذهاب إلى أنّه خبر يعني بالضرورة اتهام القرآن، وهذا محال بالقطع، فهو - إذَنْ - خبرٌ قُصد به الأمر، وهذا سائغ وشائع في لغة العرب، والمعنى: يجب عليكم أن تؤمنوا من دخله، وهذا ليس خاصًّا بالمسجد الحرام، وإنّما هو عام بجميع المساجد، فكما يجب تأمين المسجد الحرام يجب كذلك تأمين المسجد الأقصى وسائر بيوت الله.
ما كان لهم أن يدخلوها آمنين
وعلى الخط نفسه، ووفق القاعدة ذاتها؛ تأتي آية البقرة: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَاّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) (البقرة: ١١٤)، وقد توجه المفسرون إلى التعامل مع الآية بالطريقة ذاتها التي تعاملوا بها مع الآية الآنفة، فيقول الإمام السمعاني: «{أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُم أَن يدخلوها إِلَّا خَائِفين} وَهَذَا شرعُنا أَلا يُمَكَّنَ مُشْركٌ من دُخُول الْحرم. وَلَا يدْخلهُ أحد مِنْهُم إِلَّا خَائفًا»، ويقول الراغب الأصفهانيّ: «وقول ابن عباس ومجاهد: إنه عني به الروم إذ خربوا بيت المقدس، وقول غيره إنه عني " بخت نصر " لما خربه، وقول من قال: إنما عني به المشركين إذ صدوا النبي عليه السلام عن المسجد الحرام، وكل ذلك أمثلة منهم لحكمة وسبب النزول هذه الآية، لا أنه لم يرد بها غير ذلك، يبين ذلك أنه قال: مساجد بلفظ الجمع، وقوله: {مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} لفظه خبر، ومعناه منطوٍ عليه وعلى الأمر»، أي منطو على الخبر والأمر.
ويقول الإمام النسفيّ: «مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا} أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله {إِلَاّ خَائِفِينَ} حال من الضمير في يدخلوها أى على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم»، ويقول الإمام البيضاوي: «مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخشوع فضلاً عن أن يجترئوا على تخريبها، أو ما كان الحق أن يدخلوها إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم» ويقول الإمام ابن كثير: «أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، هذا خبر معناه الطلب، ...
وقال بعضهم:
ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين، على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين، أن يبطشوا بهم فضلا أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها».
فيا أيّها المصلون اصبروا وصابروا ورابطوا واثبتوا في مواقعكم من بيوت الله، وأجركم على الله، ولا تسمحوا لهؤلاء المجرمين أن يعبثوا ببيوت الله إلى الحدّ الذي يجعلهم يداهمون المساجد ويلقون القبض على العباد والوعاظ والدعاة، حفظكم الله ونصركم وأيدكم بمدد من عنده.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق