مصر.. وإعادة التدوير
يوسف الدموكي
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما فيموكلية الإعلام بجامعة مرمرة,
في العصور المُظلمة من حياة الشعوب، حين يتولى أمورها من تلفظه حلوق أهلها، وتتقيّؤه رمالها وبحارها، يشي كلّ شيء في المكان بأنّ ثمّة غريباً يعبث هنا. فالدخيل يبين من أثر وجوده، لا يفهم المكان، فيحوّله إلى مسخ، ولا ينتمي إليه فيعامله بجهالة. كلّ شيء من تحت يديه يدعو إلى النفور؛ فالعاصمة لا تليق أن تكون عاصمةً لهذا المكان، عساها تكون ملائمة جدّاً، ولكن ربّما في جزيرة أخرى، في قارة نائية، أو في مسلسل فانتازي، أو في رواية رديئة متردية على أسفل الأرصفة وأزفت نواصي الطرق، والعمران لا يشبه السكان، لأنه انعكاس لرؤية طالبٍ متبلّد كان يحلم بدخول هندسة العمارة، وفشل في ذلك، فآلت به الأمور إلى سجن كلّ المهندسين، والانفراد بالقلم، والمسطرة، وبرنامج "الأوتوكاد".
مع الوقت، تترسّخ بصمة القبح أكثر. ومع تلاشي آخر ما تبقى للناس من جمال، يودّعون بكلّ أسى ما كانوا يعرفونه في بلادهم، الشجر والحجر والبشر. وها هي القباحات الجديدة تعود، شوارع بلا شجر، ونيل بلا كورنيش، وميادين بلا فراغات، كتل أسمنتية تعبّئ الفضاء العام، وسجون بيضاء تتوسّط الصحراوات المتباعدة، كأنّك غططت في أقذر كابوس رأيته في حياتك، لسببين: تارةً لأنّ كلّ تفاصيله مزعجة وصاعقة، والسبب الثاني أنّه لم يكن كابوساً، وإنما واقعاً متلبساً بهيئة حلم مزعج. أبقيت عينيك مفتوحتين ثلاث عشرة سنة ولم ينقضِ الكابوس ولم تعد للنوم من جديد.
في لحظةٍ ما، يكون القبح قد وصل إلى أعمق قيعانه، وحينها تحدث نقطة ارتداد إلى الأعلى قليلًا، فالذي قطع الأشجار سيزرع غيرها في مكان آخر، وحين أغلق الكورنيش فعساه يفتتح حديقة عامة "صورية"، والذي غلّق المساحات ربما كان يفكّر بمساحة أكبر، لكن أحيانًا تتعطّل المعادلة، بفعل فاعل، وتكون الخيارات أضيق من منخاريه، إثر إدمانه القبح لدرجة إعادة تدويره، فلا يكتفي ذلك العياث في الأرض فسادًا بأن يقطع الشجر العتيق، بل سيضع مكانه شجرًا بلاستيكيًّا، ولن ولا يكتفي بأن يغلق الميادين، بل سيقبض على كلّ اثنين يجتمعان في مترين، ولا يكتفي بأن يهدم الآثار العتيقة، والمقابر التاريخية، بل سيريد أن يقتلع الترام من قضبانه ويبيعه خردة، بصدأ 150 عاماً تكوّن بفعل الزمان والإنسان عليه.
لن ولا يكتفي بأن يغلق الميادين، بل سيقبض على كلّ اثنين يجتمعان في مترين
ثم إنه لن يكتفي بالاختيار 1 و2 و3 و9، ولن يكتفي بالممرّ وكلّ حماقات محاربة "الأشرار"، بل سيدعو إلى "رأس الأفعى"، وما قبلها وبعدها، حيث لا يجب أن ينسى الناس قبح الزمن الذي يعيشون فيه، نحو مزيد من الإفلاس الأخلاقي والقيمي والدرامي والفني والإنساني والاقتصادي والسياسي، قبحٌ من فوقه قبحٌ، في المشاهد، والأفكار، والنقلات، والحبكة، كأنّ أحدهم قرّر أنه يجيد فعل كلّ شيء، فيلسوف الحكمة، وشاهين السينما، وعكاشة الدراما، كأنّما يكتب كلّ شيء، ويجيد كلّ فن، ويهب نفسه أهلاً لكلّ عيب، حيث "إن خرج العيب من أهل العيب ما يبقاش عيب".
مصر، التي أبدعها الله آية في الجمال، وجمالًا لكلّ آية، أينما وجّهت عينك لا تأتي إلا بخير، بضحكة، بدفء، بيُسر، بجلال، لم تعد تجد في آفاقها إلا ياسر جلال، ورامز جلال، وبرنامج المقالب الأسوأ في حياتنا جميعاً، المستمر منذ 13 سنة، ولم يستأذن أحداً قبل أن يقول "ذِيع"، ومنذ ذلك الوقت ونحن نصرخ، افتح بنموت، وهو يضحك، ويتقافز في وجوهنا، كرامز، أخيه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق