‏إظهار الرسائل ذات التسميات العراق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العراق. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 2 يوليو 2026

الموصل وتفكيك العقدة السياسية العراقية

 ما وراء البندقية: دروس ثورة العشرين في الموصل وتفكيك العقدة السياسية العراقية

محمد صالح البدراني

"ثورة العشرين وان لم تنطلق في يوم واحد رغم كل ما كان من الأعذار، هي ثورة لكل الشعب في كل مكان"- محمد صالح البدراني

 مقدمة:


لا يقاس التاريخ بمدى الفخر والاعتزاز بالبطولات والملاحم؛ فما فات من الزمن قد مضى وانقضى، وإنما تُقاس عظمة الأمم بمدى قدرتها على تحويل دماء الماضي إلى دروس حية لفك شفرات الحاضر واستشراف المستقبل، وعند إعادة قراءة وثائق الأرشيف الوطني البريطاني (TNA) الخاصة بعام 1920، يتضح أن ثورة الموصل وتلعفر (أيار/مايو- حزيران/يونيو 1920) لم تكن حدثاً بلا جذور، بل كانت الشرارة التنظيمية الأولى والجزء اللوجستي المتمم لجسد ثورة العشرين الكبرى في الفرات الأوسط، رغم وجود تعتيم تقليدي على ثورة الموصل، والتي كانت حركة النخبة، والتي كانت حركة نخبوية. وهذا التعتيم أساسه متعمد، لإبعاد فكرة التنسيق رغم ضعف الاتصالات بل هي معدومة بالنسبة لغير المحتل آنذاك.

إن تفكيك هذه الجبهة المترابطة (دمشق- دير الزور- الموصل- الفرات) يمنحنا أربعة دروس استراتيجية كبرى تُعد بمثابة المفتاح الأساسي لفهم طبيعة وجذور الواقع السياسي اللاحق في العراق المعاصر.

أولا: واقعية المصالح والبراغْماتية السياسية (صناعة رجال الدولة)

وضعت بريطانيا قادة ثورة الشمال (جميل المدفعي وآخرين) على قوائم الإعدام والملاحقة العسكرية الدولية عام 1920، ولكن بعد ثلاث سنوات فقط (عام 1923)، اضطرت لندن لإصدار عفو شامل عنهم ودفعهم لتولي رئاسة الوزراء والوزارات السيادية ومجلس الأعيان. هذا الاضطرار ليس إرغاما وإنما هو لبناء الدولة والاستقرار، فالملك الذي تحول من سوريا إلى العراق كان يحتاج خبرة رجال دولة، ومن غير ياسين الهاشمي الذي أطلق سراحه توا، والمدفعي المتنقل بين العشائر غالبا في الأردن، وإبداء حسن النية مع العشائر كقبيلة الجحيش التي تمثل ثغرا حدوديا في البو عاج أو البعاج لاحقا.

هذا الحدث أسس للقاعدة الذهبية في السياسة العراقية اللاحقة: "القوة المنظمة على الأرض هي التي تفرض الاعتراف السياسي". لقد أدركت بريطانيا أن قمع الكفاءات الوطنية يعني استمرار النزيف العسكري، فآثرت سياسة "الاحتواء والاستيعاب"

هذا الحدث أسس للقاعدة الذهبية في السياسة العراقية اللاحقة: "القوة المنظمة على الأرض هي التي تفرض الاعتراف السياسي". لقد أدركت بريطانيا أن قمع الكفاءات الوطنية يعني استمرار النزيف العسكري، فآثرت سياسة "الاحتواء والاستيعاب". هذا يفسر لماذا اتسمت النخبة السياسية الحاكمة في العهد الملكي بالصلابة؛ فقد كانوا "رجال ثورة" قادمين من الميدان فرضوا أنفسهم بفرض الأمر الواقع، وليسوا موظفين عُينوا بقرارات إدارية فوقية.

ثانيا: التكامل البنيوي بين "النخبة العسكرية" و"القاعدة الاجتماعية"

نجحت نسبيا ثورة تلعفر والموصل لأن "العقل العسكري والسياسي" تلاحم تلاحماً عضوياً مع "الغطاء القبلي والبشري"، ويفسر هذا الدرس طبيعة الاستقرار والاضطراب في العراق اللاحق؛ فالدولة لا تستقر إلا بتوازن حقيقي بين أجهزتها التنفيذية (الجيش والإدارة) وقواها الاجتماعية والرمزية (العشائر والنخبة)، وأي محاولة لاحقة من الأنظمة السياسية لتهميش البعد الاجتماعي والاعتماد على القوة العسكرية الصرفة، كانت تؤدي سريعاً إلى انفجار الأزمات الداخلية الكبرى.

ثالثا: حتمية الجغرافيا وعقدة "الحدود الرخوة":

إن الحدود السياسية التي خطتها اتفاقية "سايكس بيكو" عاجزة عن قطع الروابط الجغرافية والقبلية.

وهذا هو الدرس الأكثر حيوية وتكراراً في تاريخ العراق الحديث؛ إذ إن "أمن العراق القومي يبدأ من خارج حدوده الغربية والشمالية". إن أي فراغ أمني، أو اضطراب سياسي في منطقة الفرات الأعلى ودير الزور في سوريا، يتحول تلقائياً وفوراً إلى ثغرة أمنية تضرب استقرار الموصل والأنبار ونينوى.

وما شهدناه في العقود اللاحقة وحتى الأحداث المعاصرة من تسلل للجماعات المسلحة والاضطرابات الحدودية، ليس إلا تكراراً حتمياً لنفس الدرس الجغرافي الذي كشفت عنه وثائق عام 1920.

رابعاً: معركة الوعي (سلاح الكلمة قبل البندقية)

رصدت الاستخبارات البريطانية بقلق بالغ المنشورات والدعاية الإعلامية والفتاوى الوطنية التي صاغها عزت الأعظمي وسُربت من دير الزور إلى أسواق الموصل؛ واعتبرتها بريطانيا أخطر من الرصاص لأنها زعزعت ولاء الجنود المحليين وحركت الجماهير الصامتة.

هذا الدرس شكّل الوعي السياسي للجيل الذي بنى الدولة العراقية؛ فأدركت الحكومات اللاحقة كما أدركت قوى المعارضة أن السيطرة على "ميدان الوعي والإعلام" هي خط الدفاع الأول، ومن هنا نشأت الحركات الحزبية والصحفية النشطة في العهد الملكي والجمهوري، كأدوات أساسية لحسم الصراعات السياسية قبل اللجوء إلى القوة الخشنة.

هذا الدرس شكّل الوعي السياسي للجيل الذي بنى الدولة العراقية؛ فأدركت الحكومات اللاحقة كما أدركت قوى المعارضة أن السيطرة على "ميدان الوعي والإعلام" هي خط الدفاع الأول، ومن هنا نشأت الحركات الحزبية والصحفية النشطة

إن هذا البلد لا بد أن يكون متحدا ويعلم ما يريد، فرغم فقدان التنسيق كانت الدولة، لكن لن تتم المحافظة عليها إلا بهذه الوحدة والتنسيق، ذلك التنسيق الممكن مع وسائل التواصل الحديثة إن تعذر اللقاء.

الخلاصة الاستراتيجية:

إن الثورات والانتفاضات قد لا تحقق نصراً عسكرياً حاسماً في حينه، لكنها -إذا أديرت بذكاء وتكامل- تفرض واقعاً سياسياً جديداً يجبر القوى العظمى على إعادة الحسابات، فلولا الدماء التي سُفكت في تلعفر والموصل والفرات عام 1920، لما اضطرت بريطانيا لإلغاء "الحكم العسكري المباشر" وتأسيس الدولة العراقية وتتويج الملك فيصل الأول عام 1921.

التاريخ لا يُقرأ للبكاء على الأطلال، بل لفهم أن أحداث اليوم هي صدى مباشر لخطوط النار والتفاهمات التي رُسمت قبل أكثر من قرن من الزمان.

إنّ ثورة العشرين وان لم تنطلق في يوم واحد رغم كل ما كان من الأعذار، هي ثورة لكل الشعب في كل مكان إن دققنا واستخدمت كل الوسائل من المقاومة السلبية إلى حمل السلاح، بقيادة النخبة أو بتصرف استحضر القيم العليا عندما قرر الخروج، فثورة الموصل لو كانت هنالك اتصالات لتوحدت وأنجزت متحدة مع الضاري وأبو الجون، لكن بغياب التنسيق بسبب اللوجستيات ولأن ليس هنالك دولة تفرقت الطرق وتباعد الرفيق والصديق، دعونا نعيد الإنصاف إلى ذاكرتنا التاريخية باستحضار ثورة الموصل التي حدثت في 4 حزيران/يونيو 1920 في تلعفر، وبحركة نخبة الموصل وعشائرها، بغض النظر عن أنها نُفذت بضباط ومثقفين مع العشائر، فإنها ذات منطلق ثورة أبو الجون والضاري، وحرس الاستقلال، التي أُرّخ لها 30 حزيران/يونيو. والمقال مقدمة ما بعده.




الاثنين، 11 مايو 2026

العراق.. الأحواز الثانية في المخطط الإيراني (1)

 العراق.. الأحواز الثانية في المخطط الإيراني (1)
 

مفكر وداعية إسلامي، دكتوراه في الفقه الإسلامي



يمكن تلخيص القضية العراقية بعبارة واحدة؛ (أن إيران قد وضعت خطتها المتكاملة لابتلاع العراق وجعله أحوازاً ثانية)

عدتها في ذلك؛ المليشيات المسلحة التي يديرها الحرس الثوري، وعمائم تنشر ثقافة الولاء المطلق للولي الفقيه، وسياسيون فاسدون ليس عندهم ما يردعهم عن تقديم العراق كله لإيران مقابل الكراسي.

أما التعامل الإيراني مع الشعب العراقي الرافض لهذا المخطط، فيتلخص باستخدام (العصا والجرّة) عصا القتل والتخريب والتدمير والاعتقالات والإعدامات، أو جرّة الأمن المخدّر والاستقرار المؤقت، وتسيير الحياة الشخصية من وظائف وحرية تنقل..الخ

لا شك أن الشعب العراقي والذي فيه من المخزون الحضاري والكفاءات الراقية والخبرات الطويلة مع هذا الجار، لا يمكن أن يستسلم مهما اختلت موازين القوى الآنية، من هنا تجد كثيرا من العلماء والمثقفين والكفاءات المختلفة (على اختلاف توجهاتها)تقف بكل ثقلها أمام هذا المشروع الاستئصالي الخطير، ولو لم تجد إلا الكلمة الصريحة. وهذا أقل الواجب.

الأسئلة الغبيّة

في معركة الوعي هذه، تثير الأبواق الإيرانية موجات من الحملات المضادة من أجل قتل هذا الوعي وتشتيت الجهود وصناعة حالة من القبول بالواقع، وقد اعتمدت هذه الحملات على مجموعة من المقولات التي لا يمكن أن تنطلي إلا على العقل المغيّب والمفصول عن الواقع تماما، ومن ذلك مثلا

1- لماذا كل هذا التركيز على الخطر الإيراني؟ أليس هناك مشاريع ومخططات تستحق الإنكار أيضا؟

الجواب ببساطة؛ لأن المشروع الإيراني هو المشروع الذي يمسك الآن برقبة العراق، سياسيا وثقافيا وأمنيا واقتصاديا، وهو ماض في تحويل العراق بالفعل إلى (أحواز ثانية) وعندنا من الأدلة ما يكفي.

٢- لماذا نسيتم غز ة والمذابح التي تحصل فيها؟

الجواب؛ غز ة في قلب كل مسلم، وأهلها أهلنا، وهي ثغر من ثغور هذه الأمة الجريحة، ولكن كيف تطلب من شعب يقع تحت احتلال مركب (أمريكي ثم إيراني) أن يهب لتحرير غز ة أو القدس؟ الشعب الذي لا يستطيع أن يحرر أبناءه المعتقلين وحرائره المعتقلات وهم عشرات الآلاف، كيف له أن يحرر إخوانه البعيدين؟ الشعب الذي يسمع بأذنيه شتم رموزه ومقدساته ولا يستطيع أن يفعل شيئا، كيف له أن يدفع الأذى عن الآخرين.

٣- لماذا يتم ذكر جرائم إيران ولا يتم ذكر جرائم (النظام السابق) و بعض (الأنظمة العربية) التي تمارس الاستبداد …الخ؟

الجواب؛ الظلم مدان في كل مكان وزمان، لكننا لسنا بصدد تأليف كتاب وثائقي عن الجرائم والأخطاء التي ارتكبت في كل زمان ومكان. ولا عقد محاكم لنحاسب فيها كل ظالم.

نحن نواجه الآن صراعا وجوديا يستهدف وجودنا واستقلالنا، ولا نملك فصلة من الطاقات والإمكانيات لنوزعها على مئات القضايا والمظالم على مستوى المنطقة أو العالم

هذا نوع من العته والجنون،

ولا يوجد صاحب قضية في الكون يفكر بهذه الطريقة إن كان صادقا في قضيته، أو يعرف على الأقل أن لديه قضية.

٤- لماذا التركيز على محاربة (المعتقدات الباطنية) التي يسوّق لها المشروع الإيراني، ولا يتم التطرق للمعتقدات المنحرفة الأخرى التي تعج بها مجتمعاتنا؟

الجواب؛ كل المعتقدات الباطلة هي منكرات ينبغي إنكارها، وبالأسلوب المناسب، لكننا بالنسبة للمشروع الإيراني لا نتكلم عن (عقائد باطنية مجردة) ولا مخالفات شرعية شخصية، وإنما نتكلم عن معتقدات تمارس عملية (العدوان) و(الاستفزاز) و (الإذلال) و (تصدير الثورة) بقوة السلاح.

نعم عندنا في بغداد من يقول مثلا: (المسيح ابن الله) وهذا شرك صريح، ولكن هؤلاء لا يشكلون خطرا مباشرا على عقيدتنا نحن ولا هويتنا ولا مستقبل بلادنا. فالذي يحكمنا في هذه الحالة (العدل) و (الحوار بالتي هي أحسن) أما حينما احتل الأمريكان البلاد وهم يقولون بهذه العقيدة أيضا فقد كانت الفتوى الشرعية الصريحة بوجوب مقاومتهم.

إن هناك فرقا جوهريا بين من (يستغيث بالقبر) ويطلب منه حاجته، وبين من يجعل القبر معسكرا موسميا للتجنيد ولشحن الأحقاد وطلب الثارات، فالأول نسعى لإقناعه بالحق الذي معنا، والثاني لابد أن نأخذ حذرنا منه، على أقل تقدير بمستوى التحصين ونشر الوعي اللازم.

يتبع لطفا 

الخميس، 23 نوفمبر 2023

العراق.. استبعاد الساسة السنّة منهجي ومتعمد منذ الغزو الأمريكي

 العراق.. استبعاد الساسة السنّة منهجي ومتعمد منذ الغزو الأمريكي

فيما يقترب استحقاق الانتخابات المحلية في العراق في 18 ديسمبر/ كانون الأول القادم، فوجئ العراقيون بقرار المحكمة الاتحادية العليا في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، الذي أنهى عضوية رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي وأخرجه من المضمار السياسي نهائيًّا، مع عدم إمكانية ترشحه لأي انتخابات قادمة. 

ويعدّ محمد الحلبوسي أول شخصية سياسية سنّية تتولى منصب رئاسة البرلمان لدورتَين متتاليتَين، كما يحظى بثقل سياسي في البرلمان رفقة حليفه “تحالف العزم” الذي يتزعّمه السياسي السنّي خميس الخنجر، إذ حصل التحالف الذي يجمعهما، “تحالف السيادة”، على ثاني أعلى الأصوات في الانتخابات التشريعية الماضية عام 2021 بعد التيار الصدري. 
ومع إقالة الحلبوسي، تطرَح العديد من التساؤلات عن تكرار مسلسل استبعاد السياسيين المؤثرين السنّة من المشهد السياسي، وهو ما اتّبعته الكتل السياسية المناوئة منذ عام 2003 بحجج عديدة، ما بين الأحكام القضائية والاتهامات التي تضمّ جرائم إرهابية.

تكرار المشهد

لا يعدّ استهداف الحلبوسي بقرار قضائي الأول من نوعه بالعراق، إذ سبقته العديد من الشخصيات السياسية السنّية التي كانت مؤثرة في المشهد العراقي، ولعلّ من أبرزهم نائب الرئيس العراقي الأسبق طارق الهاشمي، ووزير المالية الأسبق رافع العيساوي، والنائب أحمد العلواني، ومحافظ نينوى الأسبق أثيل النجيفي، والنائب السابق الراحل عدنان الدليمي وغيرهم.

وفي تفاصيل الحكم على الحلبوسي، يقول الباحث السياسي رياض العلي في حديثه لـ”نون بوست”، إن توقيت اتخاذ المحكمة الاتحادية لقرارها بإقالة الحلبوسي يعدّ مفاجئًا، لا سيما مع قرب موعد إجراء الانتخابات المحلية المقررة الشهر المقبل، منوّهًا إلى أن القضية المتعلقة بشكوى النائب المقال ليث الدليمي قُدمت للمحكمة منذ أشهر عديدة، وتضمّنت تهمًا بالتزوير وغيره، وكان يمكن للمحكمة الاتحادية اتخاذ قرارها قبل أشهر أو بعد إجراء الانتخابات المحلية، وفق تعبيره.

على الصعيد القانوني، يقول الخبير أمير الدعمي في منشور على منصة إكس (تويتر سابقًا)، إن المحكمة الاتحادية أضافت إلى صلاحياتها الدستورية المنصوص عليها في المادة 93، صلاحية جديدة تتقاطع ومبدأ الفصل بين السلطات في المادة 47 من الدستور، مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانية تطبيق أحكام المادة 45 من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية.

ويتابع الدعمي: “إن هذا القرار “معدوم” أصلاً لعدم صلاحية المحكمة الاتحادية باختصاص إنهاء الصفة النيابية، كما استقر القضاء العراقي العتيد في قراراته السابقة التي تدرَّس في جامعات العالم”.
وكانت العديد من الشخصيات السياسية السنّية قد اُستبعدت من المشهد السياسي بطرق مشابهة، فنائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي اُستبعد من المشهد السياسي السنّي بعيد جلاء القوات الأميركية من العراق، وصدر بحقّه أمر إلقاء قبض في ديسمبر/ كانون الأول 2011 إثر اتهامه بالإرهاب، وهو ما أدّى به إلى الخروج من البلاد.

كما تعرض وزير المالية الأسبق رافع العيساوي لاستبعاد مشابه بعد اتهامه بجرائم الإرهاب والفساد، وهو ما حدا به إلى تقديم استقالته من منصبه وزيرًا للمالية في حكومة نوري المالكي الثانية 2010-2014 والسفر خارج البلاد.

وفي هذا السياق، يرى الباحث السياسي فراس حسن أن ما حدث مع العيساوي يعدّ أقل تأثيرًا ممّا حصل مع الهاشمي، إذ إن القضاء العراقي برّأ العيساوي عام 2020 من التهم الموجهة إليه وعاد إلى البلاد.

ويتابع حسن في حديثه لـ”نون بوست” أن العيساوي ورغم عودته إلى البلاد، إلا أن ابتعاده لأكثر من 6 سنوات عن العراق أفقده التأثير في العمل السياسي، وأنه لو بقيَ بالتأثير السياسي ذاته لما كانت عودته بهذه السهولة، بحسب قوله. ولا يقف الأمر عند الهاشمي والعيساوي وما حصل مع الحلبوسي مؤخرًا، إذ إن النائب الأسبق عن محافظة الأنبار أحمد العلواني كان قد تعرّض للاعتقال عام 2013 بتهمة دعم الإرهاب، وحُكم عليه بالإعدام عام 2014 ولا يزال خلف القضبان.

كما تعرض النائب الراحل عدنان الدليمي لمحاولات استبعاد من المشهد السياسي في مرات عديدة، عبر استهداف عائلته ومنزله ببغداد، واعتقال نجلَيه وأفراد حمايته بتهم دعم الإرهاب أيضًا، وهو ما حدا به إلى الابتعاد عن العمل السياسي حتى وفاته عام 2017.

اجتثاث طائفي


وقد يتساءل القارئ عن سبب تكرار مسلسل استبعاد السياسيين السنّة بحجج عديدة، ويجيب عن ذلك الباحث السياسي رياض العلي بأن السبب الرئيسي لهذا الاستبعاد السياسي للسياسيين السنّة المؤثرين، يكمن في عدم رغبة جميع الكتل السياسية الأخرى، لا سيما الشيعية منها، في تبلور زعامة سنّية يمكن أن تشكّل رقمًا صعبًا في المشهد السياسي في البلاد.

ويعلق العلي على قضية نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي بالقول: “كان الهاشمي يحظى باحترام وتقدير في الوسط السياسي ومن مختلف الأطراف، كما أن تأثيره السياسي وعلاقاته كانت حاضرة في التعامل مع دول العالم، وبالتالي ارتأى رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي ضرورة استبعاده من المشهد بتوصية إيرانية”.



وقد لا يقف الأمر عند ذلك، إذ يؤكد العلي في حديثه لـ”نون بوست” أن هناك منهجية تعمل عليها الكتل السياسية الشيعية، لا سيما جناح الإطار التنسيقي والأحزاب الموالية لإيران، إذ تقوم هذه المنهجية على عدم السماح لأي سياسي سنّي مؤثر بالاستمرار في موقعه السياسي والاجتماعي لفترة طويلة، وذلك بغية عدم إتاحة الفرصة أمامه ليكون زعيمًا للمكون السنّي، أو أن يكون الواجهة السياسية للمناطق الشمالية والغربية، وهو ما حدث بحذافيره مع طارق الهاشمي ورافع العيساوي ومحمد الحلبوسي مؤخرًا.

في غضون ذلك، يقول المختص بالشأن السياسي العراقي غسان الدليمي، إن ما جرى مع العديد من الشخصيات السياسية السنّية لم يأتِ من فراغ، إذ ومنذ عام 2003 تعمل الأحزاب الموالية لإيران على الحدّ من نفوذ أي شخصية سياسية سنّية، في محاولة منها لعدم توحُّد السنّة خلف قيادة موحّدة تؤهّلها للتأثير فيما يجري من تفاهمات خلف الأبواب المغلقة، أو ما يمكن تسميته بالدولة العميقة، وفق قوله.



ويفصّل الدليمي في هذه القضية موضحًا أنه وبعد إجراء الانتخابات التشريعية عام 2021، كانت هناك محاولات من الأحزاب المناوئة لاستبعاد الحلبوسي من رئاسة مجلس النواب، وذلك عبر تفريق الكتل السياسية السنّية بين أكثر من كتلة، وهو ما حدث فعليًّا في سحب العديد من الكتل السياسية السنّية بالاتجاه المقرب من الإطار التنسيقي.

إلا أنه وبعد تمكُّن حزبَي تقدم والمشروع العربي من التوحُّد تحت يافطة “تحالف السيادة”، استطاع التحالف إيصال الحلبوسي إلى رئاسة مجلس النواب للمرة الثانية، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى استبعاد الحلبوسي من المشهد عن طريق قرارات المحكمة الاتحادية.

وعن هذه الحيثية، يعلق الدليمي بالقول: “في خضمّ الحديث عن هذه القضية لا يمكن تبرئة الحلبوسي من التهم الموجهة إليه وقضية تزوير استقالة نائب برلماني، إلا أن توقيت القرار وتبعاته وصلاحيات المحكمة الاتحادية من عدمه، والمسار التاريخي للأحداث السابقة، يعطي انطباعًا للجمهور السنّي على أنه لا مجال لوصول أي شخصية سنّية إلى مكانة زعامة المكون السنّي في العراق”.

من جانبه، يرى الخبير والباحث مؤمن الحسني أن ما جرى مع الحلبوسي سيكرَّر مع أي شخصية سنّية تتصدر المشهد لسنوات عديدة، مشيرًا إلى أن المتابع للوضع السياسي في العراق بات على قناعة أن أي شخصية سياسية سنّية مؤثرة لا يمكن لها أن تستمر لأكثر من 6 سنوات في الحد الأقصى قبل أن يتم اجتثاثها بطريقة أو أخرى، منوّهًا إلى أن ما جرى مع الحلبوسي يمكن أن يكرَّر مع التيارات السياسية الأخرى غير المتحالفة مع الإطار التنسيقي.

وفي ختام حديثه لـ”نون بوست”، يؤكد الحسني أن أي شخصية سياسية سنّية لا يمكن لها أن تستمر في صدارة المشهد، دون وجود رضى إيراني مع تنازلات كبيرة، وبغير ذلك فمصيره الطرد خارج اللعبة.

طرق عديدة انتهجتها الدولة العميقة في العراق في اجتثاث العديد من الشخصيات السياسية السنّية في السنوات التي أعقبت الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، فما بين اتهامات بالإرهاب وإقصاء أمني واعتقالات وصولًا إلى قرارات قضائية، يبقى المشترك في كل ذلك هو عدم سماح إيران وأحزابها في العراق بوصول أي شخصية سياسية سنّية إلى عتبة بوابات الدولة العميقة في العراق، التي تتحكم بها طهران منذ عقدَين من الزمن.

الثلاثاء، 21 مارس 2023

شهادة تقشعر لها الأبدان لناج من جحيم سجن أبو غريب

 شهادة تقشعر لها الأبدان لناج من جحيم سجن أبو غريب

شهادة حية لـ”علي القيسي” المعتقل السابق في سجن “أبو غريب” يتحدث فيها عن “أبشع وأقذر أنواع التعذيب” على يد الجيش الأمريكي.

الحرب "كذبة".. غزو العراق بعد 20 عاما وندم صانعيه المتأخر

الحرب "كذبة".. غزو العراق بعد 20 عاما وندم صانعيه المتأخر

جنديان أميركيان يغطيان تمثال صدام في ساحة الفردوس تلخيصا للانتصار الأميركي (أسوشيتد برس)

في الخامس من فبراير/ شباط عام 2003، وقف وزير الخارجية الأميركي الأسبق الراحل كولن باول (1937-2021) أمام مجلس الأمن قائلا: "ما نقدمه لكم هي حقائق واستنتاجات مبنية على استخبارات قوية، تؤكد امتلاك العراق أسلحة دمار شامل". كان ذلك الخطاب بمثابة إعلان صريح لغزو العراق الذي تم يوم 19 مارس/ آذار 2003، وإسقاط النظام فعليا يوم التاسع من أبريل/ نيسان 2003.


أظهر باول آنذاك -الذي حضر الجلسة مصحوبا برئيس وكالة الاستخبارات الأميركية جورج تينيت- أنبوبا يحوي مسحوقا أبيض (في إشارة إلى أنثراكس أو الجمرة الخبيثة)، وصورا لأقمار اصطناعية مؤكدا أنه يقدم أدلة "لا يمكن دحضها" عن إخفاء نظام صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل، وأنه يواصل خروقاته المادية لقرار مجلس الأمن 1441 لعام 2002، وطلب من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الضوء الأخضر للقيام بعمل عسكري ضد العراق.


واتهم باول أيضا نظام الرئيس الراحل صدام حسين بعلاقته بتنظيم القاعدة، مؤكدا أنه لا يستحق منحه فرصة أخرى، غير أنه بعد عامين من الغزو وإسقاط النظام، عبر عن ندمه على هذا الخطاب، مؤكدا أنه سيظل "وصمة عار في مسيرته السياسية". وقال: "إنه فعلا نقطة سوداء لأنني كنت أنا الذي قدمته باسم الولايات المتحدة إلى العالم، وسيظل ذلك جزءا من حصيلتي".


استند خطاب باول في ذلك الوقت على معلومات للمؤسسات الاستخباراتية والعسكرية الأميركية لتبرير الغزو، موجهة للرأي العام الداخلي والخارجي التي اتضح لاحقا أنها مضللة، ونعتها الإعلام الأميركي بـ"كذبة القرن"، رغم أنه روج لها بشكل هائل في حينه، وقد كلفت العراق هذه "الكذبة" ثمنا باهظا وأدخلته في أزمة سياسية واقتصادية عميقة.


اعترف باول بأن خطابه الذي اتهم فيه العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل سيظل نقطة سوداء في ملفه

باول اعترف بأن خطابه الذي اتهم فيه العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل سيظل نقطة سوداء في ملفه (رويترز)

وفي الأول من ديسمبر/ كانون الأول 2008 شكك الرئيس جورج دبليو بوش الابن نفسه في الأدلة التي قادت إلى غزو جيشه للعراق قائلا: "أكثر ما ندمت عليه خلال الرئاسة هو فشل المخابرات في العراق، فالكثير من الناس وضعوا سمعتهم على المحك وقالوا إن أسلحة الدمار الشامل سبب للإطاحة بصدام حسين".


أما رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير فقد عبّر في السادس من يوليو/ تموز 2016 أيضا عن "أسفه وحزنه"، وقدم "اعتذاراته"، بعد نشر تقرير لجنة تشيلكوت حول غزو العراق عام 2003، ينتقد مشاركة بريطانيا فيه. وقال بلير خلال مؤتمر صحفي: "كان ذلك القرار هو الأكثر صعوبة الذي اتخذته.. أنا أتحمل كامل المسؤولية وأعبر عن ألمي وأسفي وأقدم اعتذاراتي". لكنه قال أيضا: "إن التقرير أوضح أنه لم تكن هناك أكاذيب، ولم يتم تضليل الحكومة والبرلمان ولم يكن هناك التزام سري بالحرب".


مبعوث الرباعية الدولية توني بلير خلال مشاركته باعمال المنتدى

توني بلير قال إن غزو العراق هو القرار الأكثر صعوبة الذي اتخذه (الجزيرة)

وعلى غرار كولن باول وجورج بوش الابن، شارك عدة مسؤولين غربيين في تبرير الغزو، لكنهم لاحقا عبروا -بشكل أو بآخر-عن ندمهم لمساهمتهم في ذلك، بينهم مفتشون عن أسلحة الدمار الشامل، مثل السويدي هانس بليكس (Hans Blix) كبير مفتشي الأسلحة التابع للأمم المتحدة في فترة ما قبل الحرب الذي قدم تقريرا إيجابيا حول تعاون العراق مع اللجنة قبل الغزو.


لاحقا، وأثناء إفادته أمام لجنة تشيلكوت قال بليكس: "إنه تم جر بريطانيا للمشاركة في حرب لا يمكن الدفاع عنها من الوجهة القانونية"، مشيرا إلى أنه طلب مزيدا من الوقت لإكمال مهمته، ولكن واشنطن ولندن تجاهلتا طلبه وقامتا بالغزو، بعد أن ضخمتا المعلومات الاستخبارية التي كانت متوفرة قبل الحرب لتعزيز موقفهما الداعي الى استخدام القوة، وفق تصريحاته.


وكان سكوت ريتر(Scott Ritter)،‏ أحد أشهر المفتشين عن أسلحة الدمار الشامل العراقية من 1991 إلى 1998، قد انتقد بشكل واسع مبررات الحرب، خصوصا أنه أكد في تقرير له خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، وقال لاحقا -بعد أن أصبح من أشد المناهضين للغزو ومبرراته- "إن العراق خضع لأكبر عملية تفتيش عسكرية في التاريخ شاركت أجهزة المخابرات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية في التأكد منها".


وأشارت معظم التقارير والشهادات والوقائع لاحقا إلى أن تلك المبررات التي سيقت لتبرير غزو العراق كانت الفصل الأخير من "قانون تحرير العراق"، الذي أصدره الكونغرس ووقعه الرئيس بيل كلينتون في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 1998، وينص على أنه "ينبغي أن تكون سياسة الولايات المتحدة دعم الجهود الرامية إلى إزالة النظام الذي يرأسه صدام حسين من السلطة في العراق..". وكانت أيضا جزءا من إعادة تشكيل المنطقة والعالم وفق تصورات الإدارة الأميركية في ذلك الوقت.


الحرب والديمقراطية

بوش الابن أعلن الحرب على العراق تحت ذريعة حيازة أسلحة دمار شامل (رويترز)

في 20 مارس/ آذار عام 2003 شنت الولايات المتحدة الحرب على العراق بغرض الإطاحة بحكم الرئيس صدام حسين وتدمير مخزونه المزعوم من أسلحة الدمار الشامل. وكانت الغارات الجوية الأميركية قد بدأت قبلها بيوم بعد خطاب للرئيس جورج دبليو بوش قال فيه: "في هذه الساعة انطلقت المراحل الأولية من العمليات العسكرية للقوات الأميركية والحليفة لنزع سلاح العراق ولحماية العالم من الخطر الجسيم". مع العلم أن القوات الأميركية المدعومة بقوة بريطانية أخفقت بالعثور على أسلحة دمار شامل في العراق.


ورغم اعتقال صدام حسين ومحاكمته وشنقه في 30 ديسمبر/كانون الأول 2006. ما زال العراق يعاني من ندوب عميقة خلفها الغزو، وصاحبها دمار اقتصادي واضطرابات سياسية، أفضت إلى وقوع العراق تحت تأثير النفوذين الأميركي والإيراني.


ورغم أن الحرب أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 200 ألف مدني عراقي، ونحو 4500 جندي أميركي، وشيوع الفوضى في العراق وعدم الاستقرار في المنطقة بأسرها، فإن التساؤلات حول الأسباب الحقيقية لشنها ما زالت قائمة. وأصبح واضحا أن السياسيين والمنظرين الأميركيين كانوا يمهدون الطريق لاحتلال العراق قبل أعوام من إقدام جيشهم على تطبيق ذلك.


فبعد قيام صدام حسين بغزو الكويت صيف العام 1990، كشف الرئيس الأميركي جورج بوش الأب عن عزمه على فرض "ديمقراطية ليبرالية" في العراق، مفسحا بذلك المجال أمام المحافظين الجدد الذين بدؤوا ضغوطهم لخلع صدام من الحكم.

وحدات مدرعة أميركية لدى وصولها إلى بغداد في 15 أبريل/نيسان 2003 (أسوشيتد برس)

وتغذى قرار شن الحرب على المخاوف الأمنية التي ولدتها هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، التي اختلطت بدورها بالدوافع الأيديولوجية الرامية إلى تحرير العراق والمنطقة وفرض الديمقراطية عليها.


ووجد هذا التوجه ترجمته في 20 مارس/ آذار 2003 عندما غزت القوات الأميركية والبريطانية وحلفاؤها أراضي العراق انطلاقا من الكويت، وحطمت الجيش العراقي النظامي وأزاحت صدام حسين عن السلطة.


وما هي إلا 3 أسابيع حتى بلغت القوات الغازية العاصمة بغداد. وقامت بالتعاون مع عدد من المدنيين بتحطيم تمثال الرئيس صدام حسين وإسقاطه في ساحة الفردوس، لتكون هذه الخطوة تلخيصا رمزيا للانتصار الأميركي وتخلص العراقيين من الدكتاتورية والذي احتل عناوين الصحف عبر العالم.


وفي الأول من مايو/أيار أعلن الرئيس جورج بوش الابن من على ظهر حاملة الطائرات "يو إس إس لينكولن" نهاية العمليات القتالية الرئيسية في العراق، في حين تجاهل المسؤولون الأميركيون حالة الفوضى التي انتشرت بسرعة في أرجاء العراق مؤشرة على فشل القوات الأميركية، معتبرين أنها قليلة الأهمية.

أعلن بوش انتهاء الحرب بعد أقل من شهرين من شنها (أسوشيتد برس)

قبل أن ينقضي عام على الغزو، وفي 13 كانون الأول/ ديسمبر 2003  ألقي القبض على صدام حسين في بلدة الدور قرب مدينة تكريت مركز  محافظة صلاح الدين في ما أطلق عليها "عملية الفجر الأحمر" (Operation Red Dawn)‏. وقد حوكم في وقت لاحق ونفذ فيه حكم بالإعدام بعد إدانته بارتكاب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية.


وكانت الإدارة الأميركية قد أقرت قبل اعتقال صدام بوقت قصير بأن مزاعمها بشأن امتلاك العراق أسلحة كيميائية وبيولوجية ونووية كانت بالأصل عارية عن الصحة.


وخلصت لجنة تحقيق رئاسية إلى أن المعلومات الاستخبارية الأميركية حول امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل كانت مختلقة، وأنه "لم يتوفر دليل واحد" على صحتها. وتبين كذلك أن شهادات وروايات المنشقين العراقيين وأعضاء المجلس الوطني العراقي بهذا الشأن كانت مختلقة ولا أساس لها من الصحة.


المرحلة الانتقالية

في مايو/ أيار 2003، قام رئيس سلطة التحالف المؤقتة السفير بول بريمر بحل الجيش وأجهزة الاستخبارات العراقية وحظر مشاركة حزب البعث في العمل السياسي. وأدى القرار إلى إقصاء مئات الآلاف من العراقيين المدربين، وخلق ذلك فراغا أمنيا وسياسيا في بلد تعرض لسنوات من التدمير.


وترافق انتقال السلطة من أيدي الأميركيين إلى العراقيين خلال العقد الأول من القرن الحالي مع مقتل عشرات آلاف العراقيين، واندلاع انتفاضة مسلحة ضد الوجود الأميركي، ثم دخلت البلاد في حالة من عدم الاستقرار ما لبثت أن تحولت في بعض فصولها إلى حرب أهلية.


سيدة وطفلها تفر من القصف في البصرة في أبريل/نيسان 2003 (أسوشيتد برس-أرشيف)

الانتخابات والعنف الطائفي

في أعقاب سقوط صدام الذي اتهم بقمع العراقيين الشيعة والأكراد، تفرغت السلطة العراقية المؤقتة لخلق نوع من التوازنات العرقية والطائفية في البلاد، فلجأت بعد عام 2003 إلى المحاصصة الطائفية عند اختيارها لأعضاء مجلس الحكم، عبر توفير تمثيل نسبي للجماعات الشيعية والسنية والكردية داخل أجهزة الدولة.


وفي حين أتاح اعتماد هذا النظام قوة سياسية واقتصادية للأحزاب التي هيمنت على المشهد السياسي منذ عام 2003، فقد عمق في الوقت ذاته الانقسامات الطائفية التي استشرت داخل العراق وفي المنطقة.


ورغم انتشار العنف، منح العراقيون عام 2005 أصواتهم لحكومة بولاية كاملة ولبرلمان يضم غالبية من الأحزاب الشيعية. وبعد إقرار دستور عام 2005، قام نظام حكم يمنح منصب رئاسة الوزراء للشيعة ورئاسة البرلمان للسنة، في حين كانت رئاسة الدولة ذات الصلاحيات الشكلية من نصيب الأكراد.


كان فشل الحكومات المتعاقبة في التعامل مع العراقيين السنة وعدم فعالية مؤسسات الدولة وفسادها، سببا لانتشار العنف الطائفي في أرجاء البلاد. واتخذ ذلك شكل التمرد في الأنبار والفلوجة، بالتزامن مع تصاعد أعمال العنف في مناطق الجنوب حيث الوجود القوي لأنصار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر.

أنصار مقتدى الصدر يتركزون في محافظات الجنوب العراقي (رويترز)

ما بعد الانسحاب الأميركي

ويرى مراقبون أن القبضة الأمنية الثقيلة لأجهزة الأمن في المناطق السنية أدت إلى تعزيز النزوع نحو التطرف، والتحاق بعض أبنائها بتنظيم الدولة الإسلامية، في حين يرى مراقبون آخرون أن ذلك مرده عدم تقبل بعض السنة لانتهاء هيمنتهم على العراق، كما كان الحال عليه في عهد صدام حسين.


وأدى انسحاب القوات الأميركية والفراغ الأمني الذي خلفته في المنطقة الفرصة لتنظيم الدولة الإسلامية كي يحكم قبضته، وهو ما أفضى إلى إعلان الخلافة الإسلامية عام 2014 في الموصل، والسيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، قبل أن ينتهي ذلك بهزيمة التنظيم عام 2017 بعد حملة عسكرية شاقة شاركت فيها الولايات المتحدة الأميركية من جديد.


في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، أطاحت أوسع حركة احتجاج يشهدها العراق بحكومة عادل عبد المهدي، وأجبرت البرلمان على اعتماد قانون انتخابي جديد. وقد قتل على يد قوات الأمن والجماعات شبه العسكرية خلال الانتفاضة نحو 600 ناشط، في حين يتواصل استهداف ناشطين آخرين حتى اليوم.


احتجاجات 2019 أتت بقانون انتخابي جديد (وكالة الأنباء الأوروبية)

وتواصلت الاحتجاجات غير المسبوقة التي استمرت أشهرا لغاية فرض القيود المصاحبة لانتشار فيروس كورونا في أكتوبر/ تشرين الأول 2020. وقد أتت في إطار الرد على حملات القمع التي تشنها مليشيات مرتبطة بأحزاب سياسية مناهضة للإصلاحات، وهو الأمر الذي يزيد من مخاطر الحرب الأهلية.


ورغم ذلك فإن الحكومة الأخيرة التي شكلها محمد شياع السوداني ضمت ائتلافا حصل على أقل من 15% من أصوات الناخبين. وهو ما يرى فيه عراقيون شاركوا في الاحتجاجات تمثيلا لتحالف بين جماعات سياسية ومليشيات باحثة عن مصالحها الخاصة ومسؤولة عن تقييد الحريات المدنية.


تمثيل نيابي ضعيف يدعم حكومة شياع السوداني (رويترز)

وقد دفع ذلك عراقيين كثيرين إلى منح ثقتهم للزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي أعلن نفسه وطنيا عراقيا. وكانت مليشيات مقربة منه قد اتهمت بارتكاب أسوأ أعمال العنف خلال الاحتراب الأهلي الذي شهده العراق بعد عام 2003.


يشار إلى أن أعمال العنف بين أنصار الصدر وجماعات شيعية مناهضة له خلفت 30 قتيلا في أغسطس/ آب 2022، وهو ما يؤكد أنه رغم الخطوات التي قطعها العراق يبقى بلدا غير مستقر رغم مرور عقدين على الغزو الذي بني على العرض "المضلل" لوزير الخارجية الأميركية الراحل كولن باول أمام مجلس الأمن، وكان من المفترض أن يبدأ معه العراق حقبة جديدة من الديمقراطية التي أسس لها بول بريمر منذ عام 2003.

السبت، 5 سبتمبر 2020

منجد المدرس.. العالم العراقي الذي أحدث ثورة في تطوير الأطراف الروبوتية

منجد المدرس.. العالم العراقي الذي أحدث ثورة في تطوير الأطراف الروبوتية


حكاية اليوم استثنائية بكل المقاييس، لها الجانب القاسي وجانب يمنح الأمل، وكأنها حكاية مختصرة عن الحياة عندما تضعك أمام الاختبار الأصعب لتمنحك بعدها الفرصة الأعظم.
البروفيسور منجد المدرس، أسطورة جراحة العظام والكسور، الأستاذ بكلية الطب جامعة نوتردام بأستراليا، العراقي الذي أعطى للعالم أجمع مثالًا على الإرادة عندما تقف بوجه المصاعب لتصنع المعجزات، والعيش في بلاد الحرب والموت التي تصنع إنسانًا يهب الأمل والحياة.

الميلاد والنشأة

المدرس مواليد بغداد 1972، منحدر من أسرة أرستقراطية مثقفة محبة للعلم، والده كان قاضيًا بالمحكمة العليا ووالدته مديرة مدرسة عانت من التمييز إبان حكم نظام البعث للعراق بسبب رفضها الانتماء للحزب.
تخرج في كلية بغداد عام 1991 (من أشهر وأعرق المدارس الثانوية بالعراق، أسسها اليسوعيون الأمريكيون عام 1932 وضمت المتفوقين وأبناء النخبة، وخرجت العديد من الشخصيات العراقية المشهورة كرؤساء الوزراء والعلماء وعمداء الجامعات وسفراء العراق لدى الأمم المتحدة وغيرهم من الشخصيات العراقية المعروفة)، ثم التحق بكلية الطب جامعة بغداد ليتخرج فيها عام 1997.

بدأ الاختبار الأول لإنسانية المدرس في أثناء فترة تدريبه كطبيب مقيم، كان يومًا عاديًا من أيام عام 1999 تغيرت فيه حياة المدرس للأبد، عندما أُحضر للمستشفى التي يعمل بها مجموعة من الجنود العراقيين لتقطيع آذانهم (قطع صيوان الأذن كانت عقوبة الجنود الفارين من الخدمة العسكرية في أثناء حكم حزب البعث للعراق بقيادة صدام حسين)، حيث وضع المدرس أمام خيارين: إما خيانته لمبادئه وإطاعة الأوامر بقطع الآذان بوحشية وإما يلقى مصير زميله الذي رفض فتلقى رصاصة بالرأس.
تلك اللحظة المرعبة التي عاشها المدرس قرر بعدها ترك العراق والهروب إلى المجهول، فاستطاع الفرار من العراق إلى الأردن ثم إلى ماليزيا ومنها إلى إندونيسيا، ليبدأ طبيب الأمس - الذي تهاوت أحلامه بأن يصبح جراحًا - رحلته على قارب متهاوٍ يشاركه فيه 150 شخصًا نحو جزيرة كريسماس (تقع في المحيط الهندي على بعد 500 كيلومتر من إندونيسيا، تعتبر وجهة لطالبي اللجوء).





عند وصوله إلى البر الأسترالي تحول منجد إلى مجرد رقم "982" مختوم على ذراع في مخيم كيرتن سيئ السمعة (في كيمبرلي، غرب أستراليا).
يذكر المدرس أيام اللجوء والوضع اللاإنساني الذي يعيشه اللاجئون والإجراءات التعسفية من ضرب وبصق وتحرش وإهانات في سيرته الذاتية "WALKING FREE" (صورة)، ويصفها العيش في المخيمات بالـ"الجحيم".
خارج أسوار المخيم، لم يكن الطريق معبدًا بالورود، لكنه يقول إنه تربى على أن ينظر للجزء الممتلئ من الزجاجة "مفهومي عن عجلة الحظ التي ترمز إلى طبيعة ديناميكية الحياة، موضعك في هذه العجلة يتغير تبعًا لعدة أمور ولكن تعلمت أن محركها الأساس هو ذاتك".
حاول المدرس إيجاد فرصة عمل ولم يجد غير تنظيف المراحيض، رغم ذلك لم يتسلل اليأس إليه، ليبدأ بعدها مشوار ترخيص مزاولة الطب في أستراليا والعمل في مستشفى قاعدة ميلدورا كمقيم في جراحة العظام، ثم ينتقل للعمل إلى مستشفى ولونجونج، حيث أمضى عامًا كطبيب عظام غير معتمد يتبعه عام آخر في مستشفى كانبيرا.
يقترب المدرس من الحلم، رغم العقبات والتمييز الذي لاقاه كونه لاجئًا، لكن في عام 2004 استطاع الالتحاق ببرنامج تدريبي لزمالة جراحة العظام والكسور في نيو ساوث ويلز ليكملها ويحصل على لقب (FRACS (Orth عام 2008، ثم يحصل بعدها على ثلاث زمالات ما بعد التخصص من (زمالة في تقويم مفاصل الأطراف السفلية في مستشفى سيدني، زمالة جراحة مفصل الورك والركبة من برلين - وزمالة الإصابات ببرلين).

على ناصية الحلم

تأثر المهندس بواقع الحروب التي شهدها العراق، فمنظر الأشخاص الذين فقدوا أطرافهم ومن بعدها فقدانهم الحياة التي كانوا يطمحون عيشها طالما أرقت المدرس، يقول المدرس إنه لطالما كان معجبًا منذ طفولته بفكرة الأطراف الصناعية الذكية، عندما كان طفلًا في الـ12 من عمره أدهشته فكرة الإنسان نصف البشري ونصف الروبوت في فيلم الـTERMINATOR.
ربما للبعض كالمدرس يكفي إيمانك بفكرة لتجعلها حقيقة، اليوم يعتبر المدرس واحدًا من أصل ثلاثة جراحين حول العالم رائدين في تكنولوجيا osseointegration (تتضمن هذه الجراحة المتطورة إدخال الطرف الصناعي المشابه لحد كبير الشكل التشريحي الطبيعي بغرسه داخل العظم بحيث تنمو العظام والعضلات حول التيتانيوم ليندمج بشكل سريع وآمن).
طور المدرس الجيل الجديد من الأطراف الاصطناعية المزروعة بالعظام التي توفر قدرًا أكبر من الحركة والراحة، يقول المدرس: "ما يجعلني أفعل ذلك، أنني جئت من منطقة مزقتها الحرب حيث كان الناس يفقدون أطرافهم بانتظام، بالنسبة للبعض، هذا أسوأ من الموت، لأنه يغير حياتهم بشكل أساسي".
يحاول المدرس اليوم أن يهب الحياة لفاقدي الأطراف، حيث زار العراق مرات عديدة لإجراء العمليات لفاقدي الأطراف من القوات الأمنية والمدنيين، وتحدث عن زيارته للعراق وكم المآسي التي يعيشها الناس في العراق في كتابه الثاني going back، كما زار رام الله وعدد من العواصم العربية لمساعدة المتضررين من الحروب .
فضل الثورة التي أحدثها المدرس في مجال تطوير الأطراف الروبوتية، أصبحت أستراليا رائدة العالم في هذا المجال، فيقصدها الأطباء من كل العالم ليتدربوا على هذه الجراحة المتطورة، الأمر الذي استرعى اهتمام وإعجاب الأمير هاري الذي زار مستشفى ماكواير الجامعي حيث يعمل المدرس ليرى الجندي البريطاني الذي فقد ساقيه في حرب أفغانستان وأعاد له المدرس قدرته على المشي مرة أخرى.
لم يتوقف طموح المدرس عند هذا الحد، فيعمل اليوم مع فريقه البحثي في مستشفى ماكواير لتطوير الإحساس بالأطراف الروبوتية بأن تنقل الشعور بطريقة تحاكي إحساس الأطراف الحقيقية، بالإضافة إلى إسهاماته في مجال الطب، فإن المدرس ينشط في مجال حقوق الإنسان ودعم اللاجئين.
"أنا أومن بأن كل إنسان له مهمة بهذه الحياة، مهمتي أن أساعد الآخرين وأجعل الأمور تسير بشكل أفضل". 
حيث ساهم في تأسيس Asylum Seekers Centre "مركز طالبي اللجوء" وهي مؤسسة غير ربحية لدعم اللاجئين وطالبي اللجوء بتقديم الاستشارات والإعانات التي يتم جمعها من حملات التبرع والدعم الحكومي في بعض الأحيان، كما ساهم في حملة i came by boat التي تهدف إلى تسليط الضوء على معاناة طالبي اللجوء من خلال نشر قصص اللاجئين الذين نجحوا في خلق قصص نجاحهم في المجتمع الأسترالي.
رحلة اللجوء التي عايشها المدرس وتجربة مخيم كيرتن الذي يصفه بالجحيم على وجه الأرض جعلته مدافعًا قويًا عن حقوق اللاجئين، حيث يحاول تغيير السياسات المتبعة في المخيمات (من حيث المدة المجهولة التي يقضيها اللاجئ لحين قبول طلبه، إلى معارضته لاحتجاز الأطفال في المخيمات دون تقديم الدعم النفسي وإيجاد فرص تعليم لهم).
وبذلك نرى المدرس يساهم في حملات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين UNHCR، ويلقي الخطابات الملهمة حول العالم في العديد من المحافل كونه سفيرًا للصليب الأحمر الأسترالي، والمتحدث في TEDXSydney عن حكاية لجوئه التي تدعم قضية اللاجئين. 
ونظرًا للخدمات الإنسانية التي أسهم بها منجد المدرس، فقد تم اختياره أسترالي العام 2020 بولاية نيو ساوث ويلز
يعيش المدرس اليوم في أستراليا، ويؤمن بأن هذه الحياة قصيرة وأن لكل إنسان القدرة على صناعة المستقبل والحياة التي يريد، مؤمنًا بأن الإنسان لا بد له أن يترك الأثر الجميل معرفة يسير على خطاها الناس أو عمل خير ينتفع به الناس من بعده ممتن للحظات السعادة التي يعيشها عند مساعدته للآخرين.
كتب بواسطة:زينب الملاح