بياض الجزائر.. سردية أرض الذهاب والعودة
أحيانا ينتابنا الشعور بالعودة إلى الماضي، ذاك الذي لم نستطع التخلص منه، أو بالأحرى لا نملك القدرة على التصالح معه، لأننا آثرنا أن نختار ترحيل آلامه وآماله نحو مستقبل هو الآخر يرفض النظر إليه، إلا إذا اعترف بأن ثمة حاجة ملحة للتواصل مع ذواتنا، بغية سماع صوت الحقيقة، والحديث بلغة هي أقرب إلى الهامش منها إلى الخطاب السلطوي، حيث تتأتى معها اللحظات الأكثر جدلية في تاريخ المجتمعات.
ولعل ما كتب في نص آسيا جبار المعنون "بياض الجزائر"، سردية عن مواكب الهجرة، لا إلى الجنوب الكبير، أو الارتماء في أحضان تاريخ استعماري لم تطو صفحاته بعد، بل استدعاء لذاكرة لم تتآكل مع مرور سنوات التيه، ولم تستطع قوى الشر أن تغلق أبواب الشوق نحو جزائر صاغت هويتها ولغتها بما يحفظ للجغرافيا حضورا تاريخيا، واستمرارا للحياة في وجه موت غير مكتمل، يسعى جاهدا إلى إسكات الأصوات وتشويه الكتابة واغتيال الحقيقة.
إن سردية "بياض الجزائر" لآسيا جبار هي تعبير عن بحث في ذاكرة أرادت الإفلات من تشوهات الماضي، عبر استذكار جمالية الحضور لكتاب وثوريين وهامشيين، وقسوة الغياب الذي تركوه فجأة، ضمن صوت فني آمن بأن الكتابة خيار للتنوع، لا افتراضا لجدليات تنفخ في الانقسامات والهويات المستعصية. فالناجون، على قلة أسمائهم، من أكفان الموت البيضاء، ذاكرتهم لن تمحى لمجرد أن تبنى التماثيل، وتنشد عصبيات الماضي في مراسم التشييع الجنائزي. فالقصة ليست موتا يجتاح المكان، بل حكاية أرض تقاوم منافيها، لتعود أكثر بياضا ونقاء.
كان الموت يحيط بآسيا من كل جانب، لكن بعناوين قاسية ومربكة، لدرجة أنها منعتها من أن تصدق حقيقة الفقد الذي طالها
موت غير مكتمل
في سردها للأحداث التي عاينت جزءا مهما من حياة أصدقائها، تقترب آسيا بعمق من معنى أن يكون الموت ذا تفسير مغاير عن الطقوس الجنائزية والشعائر الدينية التي تتوارثها الأجيال فيما بينها، حيث تضع تصنيفا للموت حين تختصر نصفه في موت غير مكتمل، إذ كان استهداف النخبة والمثقفين من طرف من يدعون الحق في امتلاك الذاكرة والهوية، ويزعمون تمثيلهم التاريخي للغة والدين، صورة اختلفت عناوين حضورها السياسي والاجتماعي. فالخوف لم يستهدف الجغرافيا على امتداد تاريخها فحسب، بل طال اللباس والعادات والحرية، ليكون فكرة تجتاح اللغة والهوية والتنوع.
إن الطقوس الجنائزية التي أوردتها آسيا في سيرتها، ضمن شخصيات مقربة كعبد القادر علولة، وأخرى نخبوية كفرانز فانون، وقائمة مفتوحة للثوريين تبدأ من عبان رمضان، ما هي إلا إحالة إلى رفضها تدارك التغييرات الطارئة وفهمها ضمن سياقها، ليس لأن الكاتبة لم تع جيدا طبيعة الصراع الثوري ومخلفات الانفتاح الأيديولوجي، في إطار يبعث على الخوف من كل شيء عدا الموت، إذ بعد عقدين من الزمن، تفتح آسيا نافذة نحو أسماء كانت أقرب إليها، في يومياتها وحواراتها وفرحها بالاستقلال الوطني.
كان الموت يحيط بآسيا من كل جانب، لكن بعناوين قاسية ومربكة، لدرجة أنها منعتها من أن تصدق حقيقة الفقد الذي طالها. ففي لحظة، يغتال علولة، ويسقط فانون بعد أن أنهكته اللوكيميا، وتجتاح الخيبة عالم عبان رمضان، كأن الموت يريد أن يتركها لاختياراتها، لكنه يسلبها شغفها بالحياة، بالكتابة، وبالبحث المستمر عن الحقيقة، غير أن جبار استطاعت أن تنفذ ببراعة نحو الجزائر البيضاء، تلك الأرض بمروجها ومواكب حزنها وتقلبات ساستها، في مشهدية أطاحت بتعريف الموت كونه أكفانا تحملها ظلال ذاكرة تشبثت بوطنها الأم.
فانون مجددا
في بياض الجزائر، حضر فانون وكاتب ياسين وغيرهما من المثقفين الذين عرفت أرض الأمير عبد القادر كيف تحيي ذكراهم، فثمة ضرورة ملحة للبحث عن سؤال العودة، حينما يتعلق الأمر باستعادة جثامين ثوار قضوا في سبيل تحرير الأرض، من منازلهم التي اختاروا أن تكون موطنا لنعشهم. إذ كانت الحاجة إلى الإجابة عن سؤال: لماذا نستعيد رفات بعض الثوريين؟ مدعاة لفهم الفراغ الذي أراد البعض تسليطه على سرديات تاريخية، لمنح الشرعية للغة الواحدة. فآسيا لم تنبش قبور رفقاء الثورة، ولا راحت تهدم صروح أساطير تاريخية، إنما قدمت أسئلة في سرديتها، حيث يكون الاهتمام باستعادة ماذا؟ في وقت يهمش فيه الكثيرون ممن وقفوا في وجه السياسات الاستعمارية، من دون أن ينالوا اسما أو لافتة لشارع ما.
إن معذبي الأرض لم يموتوا برحيل فانون، بل ازدادوا شراسة حينما تعلق الأمر بترتيب البيت الوطني، فما كان بالأمس اختلافا في تعريف الثورة والاستقلال، أصبح بعد زمن بياضا يجتاح الجزائر بالاغتيال والتهديد والخوف، من دون معرفة الأسباب المقنعة التي تجعل شخصا ما يستهدف آخر، لقد عادوا مجددا ليطفئوا أنوار المعرفة في تكريماتهم الباهتة.
تجيب آسيا في سرديتها عن الأسئلة المقلقة التي أطلقتها في بداية رحلة الكلمات، ليس من منطلق نظرة تشاؤمية، أو اختزال للماضي في زاوية التضاد، بل لأنها اختارت أن تنحاز إلى الاعتراف، وإلى المصارحة، وإلى الكتابة التي تنقذها من بقايا الموت واليأس الذي حول الحياة إلى غربة موحشة. فما عاد المسرح يعرف عبد القادر، لكنه بات يحسن التصفيق عند كل استحقاق انتخابي، بينما تتوالى مشاهد التمثيل الجنائزي ليعم الصمت.
إن بياض الجزائر ليس ذاكرة عابرة، ولا سردية عن موت يزحف بعنف نحو المستقبل، بل طوق نجاة ترسمه الكلمات في مسرح الحياة
مسرح الكلمات
خلصت آسيا إلى حتمية مفادها أن الكتابة تشكل خطرا وجوديا، ليس على السرديات المضللة والخطابات السلطوية فحسب، بل تهدد أساطير ظلت جاثمة على قمة التقديس، حيث تعجز اللغة عن تفكيكها ومساءلتها، بل ترفض الإحالة إليها، كونها شخصيات مربكة، معتبرة إياها صورا تعيد إلى الذاكرة مفارقات بين أن يعود الأمير إلى الأرض، ويظل أوغسطين عالقا في منفاه.
ففي هذا السرد الغني لجبار، بقي حضور الأحبة والتاريخ واللغة حاضرا بنفس تعبيري ونقدي مؤسس، فهي لم تسقط في غياهب الكتابة الإقصائية، ولم تفرض وصاية على سردية تاريخية، بل قالت بوضوح تام إنها تقترب من أحبتها، ومن وطنها، ولغتها، بكل ما تحمل عبارات الأسى لاستكمال رحلة الذاكرة.
تعود آسيا من الماضي بعبارات لا تحمل الوجع والحزن فحسب، بل تريد أن تمنحنا فسحة من الأمل حينما يتعلق الأمر بأن نكتب، وأن نتكلم، وأن نعبر عن خصوصياتنا، تلك التعبيرات التي تهدد اللون الواحد المفروض على جغرافيا متنوعة، سرعان ما استطاعت لغتا المستعمِر والمستعمَر أن تلبسا وشاح الشرعية.
إن بياض الجزائر ليس ذاكرة عابرة، ولا سردية عن موت يزحف بعنف نحو المستقبل، بل طوق نجاة ترسمه الكلمات في مسرح الحياة، فآسيا جبار وقفت تتأمل لحظات ما قبل الرحيل، حيث نكون نحن جميعا، دون استثناء، لسنا على موعد مع النسيان، بل مع ميلاد جديد لوطن متنوع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق