نور الدين قدور رافع
- شيخ السياسة.. في رثاء الأمير الوالد
ليس من السهولة الحديث عن شخصيات عظيمة غيرت حياة الكثيرين ممن اختبروا العيش، وساهمت برقيها وعفتها في صناعة لحظات متميزة يصعب نسيانها. سنحاول -في هذه الأسطر الموجزة- جمع الحروف واحدا تلو الآخر؛ لاقتفاء سيرة رجل من أهم السياسيين الذين أثروا في مسيرة الأمة، حيث عرف بمواقفه الحميدة ومواقفه المشرفة الداعمة للحقوق الإنسانية. سنروي لحظات متميزة من سيرة شخصية لقبت بالأمير الوالد، الذي ارتقى إلى بارئه بعدما أفنى عمره في دعم مسيرة بلده المتميزة، لعلنا نتبع أثره بالحسنى، ويكون مسك الختام.
أتقن السياسة؛ ليرسم صورة شيخ يعتمد الوساطة منهجا لحل أعقد الأزمات، فكان يسمع من القيادات وشعوبها، ويأخذ عنهم، ويشاورهم في المعروف، حتى ألفوا صوته الحكيم ورأيه الداعم للحرية والعدالة الإنسانية
شيخ السياسة
مثل دور الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله- في أهم القضايا التي واجهت الأمة الإسلامية والعربية، نوعا من الحضور السياسي اللافت والمؤثر في عدة مسارات، كان من شأنها أن تغير خارطة الجغرافيا السياسية. وقد ارتبطت سياسات بلاده، في نظر كثيرين، بدعم عدد من القضايا العربية والإسلامية، والسعي إلى إيصالها عبر المنابر السياسية والأممية.
ولم يتخلف يوما عن تذكيرنا بضرورة الإصلاح الداخلي للدول، وهي المسيرة التي بدأت في دولة قطر على يديه، للخروج من واقع شهد صعوبة الحياة. فكان -بشخصيته المتفردة وآرائه الحكيمة- يسعى إلى فتح مسارات آمنة، وحلول مستدامة للمآسي التي عاشتها الملايين.
بل إن وقوفه المتواصل مع الشعوب التي انتفضت زمن الربيع العربي، ومع القضية الفلسطينية، كان مفتاحا لمعرفة شخصية الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بعيدا عن السياسة، وقريبا جدا من إنسان يأمل أن تكون أوطاننا مزدهرة.
مثل دور الأمير الوالد الشيخ حمد، على المستوى الاجتماعي، تحديا في مسارات الحلم العربي الذي افتقد، في فترة من الفترات، نماذج إصلاحية سياسية غير تلك التي روجت لها القنوات بثيابها الفاخرة. وكان الأمير حمد مختلفا عن تلك النماذج التي تكشفت خيباتها في امتحانات التغيير ونصرة المرابطين.
ومع أن العمل الأساسي الذي شغل شيخ السياسة -كما أحب أن أسميه- كان مشروعه الإصلاحي التنموي، ليس على مستوى دولة قطر فحسب، بل امتد ليطال منظومات عربية وإسلامية أراد لها أن تحقق قدرا أكبر من الاستقلال في قرارها السياسي، فإنه أتقن السياسة؛ ليرسم صورة شيخ يعتمد الوساطة منهجا لحل أعقد الأزمات، فكان يسمع من القيادات وشعوبها، ويأخذ عنهم، ويشاورهم في المعروف، حتى ألفوا صوته الحكيم ورأيه الداعم للحرية والعدالة الإنسانية.
ساهم بشكل كبير في نشر الوعي بالمشاريع الإصلاحية والخيرية، وفتح المجال لحرية الإعلام والصحافة، ودعم مشاريع مناهضة الفساد، ورسم مستقبلا لأمة اختارت أن تكون الحرية والعدالة عنوانها
ربما يمكننا اعتبار مرحلة التجديد والتنمية التي قادها الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله- نقطة فاصلة ومهمة في مسار الإصلاح والتنمية، بل نقطة "مركزية مغايرة" في تاريخ الشخصيات السياسية المعاصرة للأمة. وقد تجلت واقعيتها وفعاليتها وهي تحفر في وجداننا ومستقبلنا، وكان انتشارها بين مختلف الأوساط والطبقات ذا أثر بالغ في صياغة هوية الأمير الوالد، المتعددة الجوانب.
قدم مشروعه بوصفه مشروعا إصلاحيا وتنمويا، بعيدا عن المصالح الضيقة أو السعي إلى فرض إملاءات اقتصادية، بل كان خياله السياسي وطموحه الثقافي مرهونين بمشروعه الإصلاحي التنموي، لا بالرغبات القطرية الضيقة، لترى ظلاله الخيرة في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.
ولأن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كان يدرك جيدا الرهانات التي يقتضيها العمل السياسي، وتكلفته الباهظة إنسانيا ونفسيا، فقد جاد بنفسه وماله من أجل رفاهية شعبه وأمته، وتحلل من كل ما يشوبه من سوء ظن واتهام وفرية، ونأى بمشروعه الوطني التنموي بعيدا عن كل تقدير سلطوي أو احتكار ذاتي، ليكون مشروعا مستداما في عطائه.
وقد ساهم بشكل كبير في نشر الوعي بالمشاريع الإصلاحية والخيرية، وفتح المجال لحرية الإعلام والصحافة، ودعم مشاريع مناهضة الفساد، ورسم مستقبلا لأمة اختارت أن تكون الحرية والعدالة عنوانها. كما كسر حصار غزة حين زارها عام 2012، معلنا مشاريع إسكانية وتنموية للقطاع. وقد صدق من قال فيه: لقد أتعبت السياسيين من بعدك، أيها الأمير الوالد.
لم يسع إلى إسكات أي صوت ناقد أو استرضائه، بل شغلته طموحاته المذهلة والمتفردة، التي فاقت جميع التصورات، عن الدخول في جدالات عقيمة، مع احتفاظه بقدرته على حسم النزاعات بمرونة وسهولة
التحدي.. والأثر
ما من عمل سياسي أو تنموي إلا وله تحديات كبيرة، ولم يكن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني استثناء من حركة التاريخ في مواجهة العقبات التي اعترضت مشاريعه وأفكاره الإصلاحية، لكنه تفوق بحنكته وهدوئه على تلك العقبات التي كانت تتجدد مع امتحانات التاريخ وإرادة الناس في التغيير.
ولم يستسلم للضغوط في ترك مشروعه الوطني ورؤيته لمستقبل البلاد، حين تعرض لحملات التشويه والإنكار من بعض الأصوات الإعلامية، عقب وقوفه مع انتفاضات الربيع العربي. وكانت تلك الحملات التحريضية ضد شخصه وبلده تهدف إلى استرضاء سادتها الذين أمعنوا في القتل والتهجير والتنكيل بشعوبهم.
لكنه ترك خلفه تلك الأصوات المعارضة، والسهام البالية ترتد على أصحابها، ووقف بثبات في وجه الادعاءات، لتكشف مواقفه المشرفة من قضايا الأمة حقيقة شخصية الشيخ حمد.
لقد كان لتجاوز الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني تلك الضغوط والحملات البائسة أثر عظيم في إكساب مشروعه صورته الحقيقية، وإظهار جديته في تقبل أي نقد يوجه إلى سياساته الداخلية والخارجية. ثم أعلن تنازله عن العرش لابنه تميم عام 2013، مستكملا مسيرة التجديد والإصلاح بنفس شبابي، وصوت إصلاحي، وحضور أبوي ناصح.
يفنى الجسد في بركات تراب الأرض الطيبة، ويبقى أثر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني خالدا في ذاكرة الوطن، ووجدان الأمة، وذكرى الدار
فلم يسع إلى إسكات أي صوت ناقد أو استرضائه، بل شغلته طموحاته المذهلة والمتفردة، التي فاقت جميع التصورات، عن الدخول في جدالات عقيمة، مع احتفاظه بقدرته على حسم النزاعات بمرونة وسهولة، بعيدا عن التشنجات والانحيازات والتلفيق الممنهج. وفي زمن التخندق المميت والارتماء في أحضان المستحيل، بقي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يشق طريق الإصلاح والعمل التنموي مع ابنه الأمير تميم، كما بدأه أول مرة، منفتحا على كل الاحتمالات التي من شأنها أن تعيق أفكاره.
لم يحارب الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أولئك الذين وقفوا ضد أفكاره وتآمروا على مشروع وطنه، بل سعى إلى إبعاد دولة قطر عن كل التزام من شأنه أن يورثها خطايا بحق الإنسانية. وكانت لأخلاقه السامية ومواقفه الحكيمة قدرة على إطفاء نار الحروب.
ويشاء القدر أن يتوارى حضور الأمير الوالد جسدا، لكن روحه وصورته بقيتا -ولا تزالان- حضارة في نفوس القطريين وشعوبنا العربية. صورة اختلف الكثيرون في توصيفها، لكنها ستبقى شاهدة على مواقفه التاريخية والإنسانية، التي لا تنتهي بغيابه، ولا برحيله، ولا حتى بتعليق صورته على جدران التعزية، بل ستظل خالدة في وجدان وتاريخ دولة قطر.
ومثلما تكون البدايات على قدر أصحابها، تأتي النهايات بكراماتها، كأن القدر يرسم ملامح الخلود لأولئك الذين عاشوا في صمت من أجل الأمة. لكن الله شاء أن يكتب لهم القبول والرضا في قلوب الذين عرفوهم والذين لم يعرفوهم. ويفنى الجسد في بركات تراب الأرض الطيبة، ويبقى أثر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني خالدا في ذاكرة الوطن، ووجدان الأمة، وذكرى الدار.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق