الأربعاء، 13 مايو 2020

عواقب معرفة القراءة والكتابة!

عواقب معرفة القراءة والكتابة!

خواطر صعلوك
  • محمد ناصر العطوان


  • إن ما كُتب في مدح القراءة والكتابة كثير جداً، ويكفي مثلاً أن الأديان التي نزلت في كتاب وحثت على قراءة كتبها هي الأديان التي استمرت وتوسعت وضمت إليها الأتباع والمؤمنين، أما الأديان التي لم تعرف القراءة والكتابة فقد ظلت حبيسة الجماعات الإثنية أو البدائية.

    كذلك المجتمعات التي عرفت القراءة والكتابة تختلف عن المجتمعات التي لم تعرف القراءة والكتابة في درجة التنظيم والتعقيد والتحديد، والأفراد الذين مارسوا القراءة والكتابة يختلفون عن الأشخاص، الذين لم يمارسوا القراءة والكتابة في التحصيل المعرفي وإدراك الوضع البشري وإرضاء الذات.

    ولكن علينا ألا ننسى أن الفلاح الذي يحرث الأرض يقتلع بعض أسرار الطبيعة شيئاً فشيئاً، والبحار الذي يشق البحر يستخلص الحقائق العامة للطبيعة موجة موجة، أما فعل القراءة فيكتشف عالم الفكر حول استخلاصات الفلاح والبحار.

    ولا شك أن أصبح فعل القراءة مُشاعاً بين الناس عبر مرحلتين كبيرتين، الأولى عبر مطبعة «غوتنبيرغ» عام 1447م والتي ساعدت على تداول الكُتب ثم الصُحف بين المهتمين، والثانية عبر شبكة الإنترنت عام 1990م والتي تطلب التفاعل المستمر بين كل الناس عبر القراءة والكتابة، بيد أن هذا التفاعل المستمر يَغرق كله بسبب الكم الهائل لمواد وسائل إعلامية تزاحمه ولا يظهر منها الرصين بقدر ما يظهر منها الجانح، وقد يعتبر التأثير على المجتمع بالكلمات شبه مستحيل في وضع نفس هذا، ليس لأن المجتمع لا يقرأ أو يشاهد بل لأن المجتمع غارق في القراءة والكتابة والمشاهدة فسرعان ما ينسى ما قرأه لأن عقول الناس مغمورة بالمواد الهائلة التي يتعرضون إليها... لذلك فالقراءة والكتابة لن تساعدك كثيراً في هذا العصر تحديداً إذا لم تكن تعرف ماذا تريد؟
    أما إذا عرفت ماذا تريد... فهذا موضوع آخر.

    فقد تزيد من قدراتك المعرفية والمهارية في تخصصك.. أو تسعى لأن تكون مثقفاً... فإذا أردت أن تكون مثقفاً، فهذا موضوع آخر.

    في روايته الرائعة «يوتيوبيا» يعتقد أحمد خالد توفيق أن كونك مثقفاً لا يعني إطلاقاً أن تكون من الذين يوحدون القلوب ويؤلفونها، بل على الأرجح فإن الثقافة تفرق بين الناس، لأنها تطلع المظلومين على هول الظلم الذي يعانونه، وتطلع المحظوظين والأثرياء على قيمة ما يمكن أن يفقدوه... تجعلك الثقافة عصبياً حذراً، بالإضافة إلى أنها تحول قناعاتك وأفكارك إلى دين جديد يستحق أن تموت من أجله، أما الأسوأ من كل ذلك فهو أن تجعل منك الثقافة والقراءة المستمرة والكتابة بلا انقطاع شخصاً آخر، لا ينتمي للمظلومين ولا ينتمي للمحظوظين، شخص غريب مختلف شاذ أحمق غير متكيف وغير مندمج.
    والأسوأ من كل ذلك عزيزي القارئ أن تجعل القراءة والكتابة حقاً في دولة عربية أو نسوياً في مجتمع ذكوري أو من نشطاء حقوق الحيوان في مجتمع مؤمن بنظرية المؤامرة، أو يسارياً في دولة تعمل كل منظومتها السياسية والاقتصادية والأسرية والتعليمية بشكل طبقي، أو مؤمناً بالتنشئة الإسلامية في مجتمع ترفيهي.
    ورغم أهمية القراءة والكتابة، إلا أن الكثير من «الأميين» في الأبجدية أوسع ثقافة من بعض المتعلمين، لأن القراءة والكتابة ليست الفيصل، لذلك قد نجد فلاحاً أمياً يُعبر عن وعي ثقافي أكبر من هذا الحاصل على شهادة من إنكلترا، وفي دراسة أجراها الدكتور أحمد زايد كشفت البيانات أن الأميين في القراءة والكتابة، يبدون مرونة أكبر في قبول فكرة التعامل مع أفراد مختلفين عنهم في الصفات، والأغرب أن هذه المرونة تقل كلما ارتفعت المستويات التعليمية! أما ألطف ما أظهرته هذه الدراسة فهو أن مظاهر التناقض والازدواجية تبدو أظهر عند الشرائح المتعلمة منها عند الأميين.

    ليغفر لي المفعمون بالأمل وبالرواية وبقراءة 300 كتاب في السنة الواحدة، على اجترار الحديث الذي يقلل من كونك كاتباً أو قارئاً نهماً، في الواقع فأنا لا أقلل من ذلك، ولكني أشير إلى أن هناك عواقب لممارسة الكتابة والقراءة كما أن لها ايجابياتها المعروفة والمنشورة في كل مكان.
    وربما يسألني أحد القراء عن الدرس المستفاد من هذا المقال، فأقول: لا توجد دروس هو مجرد مقال، ولكن إذا كنت مصراً فإليك أهم الدروس «حاول ألا تجعل من القراءة والكتابة هروباً من واقعك».

    ومن الاكتشافات الكبرى في زمن «كورونا» أن الثقافة لا تحمي من البربرية، ومن عواقب القراءة والكتابة... إنها تجعلنا نخوض رحلات متعددة ومتنوعة، وتحرمنا رحلتنا الخاصة.
    تراكم الوعي من دون هضمه واسقاطه على رحلتك الخاصة... ستكون له عواقب وخيمة، لا يخرجك منها إلا ‎الله.
    وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر.

    @moh1alatwan

    ليست هناك تعليقات:

    إرسال تعليق