‏إظهار الرسائل ذات التسميات جمال عبد الستار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جمال عبد الستار. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 10 أغسطس 2026

حين يستعملك ربك

حين يستعملك ربك


حين يستعملك ربك..


تروى قصة آدم أحيانًا وكأن الأرض كانت عقوبةً نزل إليها الإنسان بسبب خطيئته، وكأن الله أخرجه من نعيم الجنة إلى شقاء الحياة، لكن القرآن يفتح لنا أفقًا آخر؛ فلم تكن الأرض في قصة آدم عقوبة نزل إليها بعد الخطيئة، ولا كان الخروج من الجنة إبعادًا عن مقام التكريم؛ فإن الله تعالى قد قدّر له الاستخلاف في الأرض قبل أن يخلق آدم، وأخبر ملائكته بذلك 

فقال سبحانه: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30).


فالأرض لم تكن حادثًا طارئًا فرضته الخطيئة، وإنما كانت ميدان الاستخلاف الذي سبق في التقدير الإلهي، فلم تكن الأرضُ سجنًا أُهبط إليه الجسدُ ليعاقَب، بل كانت محرابًا أُقيم ليتجلى فيه السر، ولم يكن الهبوط انكسارًا في مسيرة العروج، بل كان بدايةَ رحلةٍ قُدِّر لها أن تبدأ بالتطهير لتنتهي بالتمكين.


إن الذين ينظرون إلى القصة بعين الحرف يرون الخطيئة سياجًا يُحاصر الأب الأول، أما الذين يقرؤونها بنور البصيرة فيرون أن الإرادة الإلهية قدرت الخلافة قبل أن تُغرس الشجرة، وكتبت الاستخلاف في الأرض قبل أن تزل القدم، فكيف يكون الهبوط عقوبةً، والقرار الإلهي قد سبق بالخليفة قبل إيجاد المكلف؟


إنما كانت الشجرة ابتلاءً لتتكشف كوامن القدرة، وكانت الزلة سبباً ليتعرف العبد على اسم الرب «التواب»، فلولا العثرة ما انكسر القلب، ولولا الانكسار ما طُرِق باب الاجتباء، ولولا الاجتباء ما أُلبِس الإنسان رداء الأمانة في المعترك.


هناك، عند أعتاب التوبة، لم يكن التلقي مجرد كلمات تُحفظ، بل كان نفحةَ حُب تفتح للروح أفقاً أسمى من جنة الأكل والشرب؛ كان انتقالة من نعيم الجزاء المجلوب بالجاهزية إلى نعيم المجاهدة الصانع للكرامة.


لقد كان آدم في الجنة يُنْعَم عليه، فلما نزل إلى الأرض صار يُستعمل؛ وبين أن تكون مُنْعَماً عليك وبين أن تكون مُستعمَلاً، تتجلى أسرار المحبة، فالأولى عطاء ربوبية، والثانية اصطفاء عبودية؛ الأولى رزق الأجساد والأرواح، والثانية إشراق الأنوار الإلهية على يد العبد لتسري إلى الوجود.


حين يستعملك ربك

الاصطفاء في كتاب الله ليس مقعداً يُستراح عليه، بل هو مضمارٌ يُركض فيه، ليس وثيقة أمان تُريحك من عناء السير، بل نفخة إلهية تُحَمِّلك ثقل العوالم، حين يختارك الله، لا يعدك بليالٍ دافئة بلا سهر، ولا بمسالك مفروشة بالورود؛ بل يعدك بأنه سيكون معك، يُلهمك إن عييت، ويشد أزرك إن ضعفت، ويكون سمعك الذي تسمع به وبصرك الذي تبصر به، وأي شرف لأمة من التراب أصلها، أن يجعل الله من بين أناملها الفانية دلالة عليه، ومن بين كلماتها الضعيفة هدايةً لقلوب عباده؟


إن الناس يرجون الراحة، والعارفين يرجون التمكين في الخدمة، الراحة طينٌ يتطلب السكون، والخدمة نورٌ يبتغي السريان؛ (فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) (الأنعام: 122)؛ 

فكم من إنسان طوى الدهر ذكره لأنه عاش لنفسه في استراحة ومات! وكم من عبد أضناه التعب في أبواب النفع المتنوعة فأضحى اسمه نجماً في السماء تصلي عليه ملائكة الرحمن! 

فقيمة المرء ليست في قيمة ما ادخره من هدوء، بل في حجم الشعلة التي اقتبسها من النور الإلهي ليضيء بها ظلمات الآخرين.


قد تكون خدمتك كلمة تثبيتٍ لقلبٍ مكسور، أو مسحة عطفٍ على رأس يتيم، أو غرس علمٍ ينفع الأجيال، أو صبراً شامخاً في وجه الباطل؛ لا تهم الصورة، فالصور خالية، وإنما الإخلاص روحها، وصدق النسب إلى الله سرها.


حين تحاصرك الأثقال، وتستبد بك الرمضاء، وينتابك العياء من طول الطريق، لا تتلفت بحثاً عن ظلال الاستراحة؛ بل انظر إلى علياء الموقف، تطلع إلى الأثر الخفي الذي يتركه حفاؤك في الطريق؛ فلعل هذا التعب الذي تشكوه هو أزكى عبيرٍ يرتفع منك إلى الملأ الأعلى.


ولعل هذا الثقل الذي ينوء به كاهلك هو الحبل الذي يشدك إلى محراب العبودية كي لا تسقط في هاوية الفراغ، الله لا يستعمل المحبوبين ليضنيهم، بل يستعملهم ليظُهر بهم، وليجعل من ذواتهم جسوراً تعبر عليها رحمته إلى عباده.


السؤال الذي ينبغي أن يطرق جدران قلبك كل صباح ليس: ماذا سآخذ اليوم من الدنيا؟، وإنما أين أقامني سيدي في اليوم؟ وفي أي ميدانٍ أجرى نوره على يدي؟ إذا رأيت نفسك تُساق إلى قضاء حوائج الناس، وتُدفع إلى إحياء الموات في النفوس، ويُجرى الخير على لسانك وقلمك وقدمك، فاعلم أنك في مجلس الاجتباء، فلا تقل أرهقتني التكاليف، بل قل: الحمد لله.


إن قصة الإنسان في هذا الكون ليست مرثية نزولٍ من الفردوس، بل هي ملهمة صعود بالإحسان، تبدأ من زلةٍ تُستغفر، لتمر بتوبة تُقبل، فاجتباء يُرفع، فاستعمال يُشرف، حتى تنتهي بالعودة الكبرى؛ عودة ليست كالدخول الأول، بل عودة المحارب الذي يحمل جراحه كأوسمة، ويقدم تعبه كقربان، ويدخل الجنة لا لكونه ساكناً قديماً فحسب، بل لكونه خليفة أدى الأمانة، وحفظ العهد، وعمر الأرض بصدق عبوديته.


إن الأرض لم تكن منفى لآدم، وإنما كانت ميدانًا؛ ولم تكن التوبة سقوطًا، وإنما كانت طريقًا إلى الاجتباء؛ ولم يكن الاجتباء دعوة إلى الراحة، وإنما كان إعدادًا لحمل الأمانة؛ ولم يكن الاستخلاف امتيازًا، وإنما كان استعمالًا، وما أكرم العبد حين يكون الله قد اختاره لشيء.



فاطمئن أيها المكدود في مناهج الخير، وافرح باستعمال الله لك؛ فالراحة لم تُخلق لهذه الدار، فما أشرقت شمس العطاء إلا من فجوة العناء، وما خُلقنا لنستريح بل خُلقنا لنستعمل فإذا أتممنا البناء قيل لنا:

    (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ) (الحجر: 46).          




 






الأربعاء، 15 يوليو 2026

الخندق الآمن

الخندق الآمن

بقلم: أ.د. جمال عبدالستار
الأمين المساعد للاتحاد العالمي لعلماءالمسلمين


تتداعى الأمم على أمتنا، وتتشابك القضايا، وتتقاطع المصالح، وتتعدد الرؤى والمسالك، ويتطلع المسلمون إلى مسار، وتشرئبُّ أعناقهم إلى خندقٍ يحتمون فيه من لهيب المعركة، وطوفان التجريف الذي يتهدد الأمة في أي لحظة من ليلٍ أو نهار.

طوفانٌ يقسم الأمة إلى معسكر إيمانٍ لا نفاق فيه، ومعسكر نفاقٍ لا إيمان فيه، يتمايز فيه أهل الحق من الباطل، ويُفصل فيه الخبيث عن الطيب، فيهلك من هلك عن بينةٍ، ويحيى من حيَّ عن بينةٍ، وفق قانونٍ قرآنيٍّ مطردٍ لا استثناء فيه، قال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد: 17).

في هذا الوقت العصيب، تتطلع الأمة إلى خندقٍ يحتمي فيه المؤمن من غارات الكفر المتلاحقة، ومكره المتنوع، ونيرانه الحارقة، ومخططاته الماكرة، فمتى تجد هذا الخندق؟ وأين عساه أن يكون؟

خندق الاستسلام للكفر والطغيان

إن خندق الأمان لن يكون عند تلك الراية التي تنادي بالتماهي مع مخططات الأعداء، والاستسلام للواقع البئيس، وعدم الوقوف في وجه العاصفة، والرضا بالحد الأدنى من الوجود على هامش الحياة، أو على الأكثر الانخراط داخل منظومته لمحاولة تحقيق أي صورة من صور الإصلاح ولو كانت ضئيلة! لأن هذا مهادنةٌ للظلم حذَّرنا الله تعالى من الحد الأدنى منها، فقال سبحانه: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود: 113)، وهو جهلٌ بمصير هذا الطوفان؛ لأنه مهما طال به المقام فهو إلى بوارٍ وخسران، قال تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۖ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء: 81).

وقد وصف الله تعالى عاقبة قوم سارعوا إلى التماهي مع معسكر الكفر والطغيان، وحذَّرنا من مصيرٍ محتومٍ يلاقيهم، وسيعاقب به كل من سار على نهجهم في كل العصور والأزمنة، فقال تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة: 52).

و«عسى» في القرآن لحتمية التحقق وليست للرجاء، وكأن الله تعالى يُخبرنا أن مصير هذا المسار أنه سبحانه سيأتي بالفتح يقينًا، أو يجري حوادث مخالفةً لتوقعاتهم وتطلعاتهم، فيندموا بعد فوات الأوان، ويُكشف ما انطوت عليه نفوسهم الخبيثة من مرضٍ وجُبنٍ وخور.

خندق النفاق والمداهنة

إن خندق السلامة لن يكون كذلك بالانتساب لثلة المنافقين من أنظمة الاستبداد والطغيان الجاثمة على صدور الأمة، تهدر ثرواتها، وتُغلق أفواهها، وتُغير هويتها، وتَسلب إرادتها، وتَحرمها حريتها، وتستعبدها لخدمة المنظومة الدولية المارقة عن شرع الله ودينه، المعادية لمنهج الإسلام وقيمه، المحاربة لشريعته، المُغيِّرة لفطرته.

لن يكون بالتماهي مع منظومة النفاق في المنطقة حلاً ولا مخرجًا، بل سيكون إمعانًا في السقوط، وتماديًا في الهبوط، ومزيدًا من الخيبة والإخفاق، واستمرارًا لدفع مزيدٍ من أبهظ الأثمان، فلا أمان معهم، ولا صديق لهم، ولا مستقبل لوجودهم، فالله تعالى وعد بكشف أمرهم وفضح باطلهم، وصدق الله تعالى إذ يقول: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۖ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة: 9).

وقد حذَّرنا الله تعالى من مسلكهم حيث تحيط بهم العقوبة، ويُحجب عنهم النصير، قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء: 145)، وعاقبتهم ستكون بجمع سكان خندقهم ومن انتسب إليهم مع خندق الكفار ومن لاذ بهم في النار، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) (النساء: 140).

خندق الإلحاد

لا أعتقد أن الهروب إلى خندق الإلحاد يقوم به عاقلٌ أو ينصح به راشد، فهو خندق الانتحار بمخالفة الفطرة والتمرد على رب الكون، والتنكر لقوانين الكون ودلائل الإيمان القاطعة، فيظن في أول أمره أنه نجا بمعزلٍ عن الآلام، ولكنه لم يدرك أنه سقط في الضنك الذي لا غنى بعده، والهمِّ الذي لا فرج بعده، والحزنِ الذي لا فرح بعده، والاضطرابِ الذي لا استقرار بعده، فيفقد طمأنينة الحاضر، ويتلظى بنيران الخوف من المستقبل، وصدق الله تعالى إذ يقول: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ۖ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) (طه: 124)، وقال تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: 31).

خندق الانسحاب

وهو خندق الانسحاب من ميدان التكريم بالاستعمال إلى خندق الانشغال بحظوظ النفس والصرف والاستبدال، والهجرة إلى حيث الدعة والتراخي، والبحث عن ترف الحياة والاستمتاع بها، معرضًا عن حمل الرسالة وتبليغ الأمانة وإقامة الدين، وعدم الاضطلاع بمهمة الاستخلاف الذي خلقه الله من أجلها، وسخَّر له ما في الكون لإعانته على النجاح في أدائها!

الهروب إلى خندق الانسحاب سماه القرآن تهلكة، حيث ورد أن بعض الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قالوا فيما بينهم خفيةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قد كنا تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه، هلمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها! فأنزل الله الخبر من السماء: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: 195)، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، ونَدَع الجهاد، فلم يكن الانسحاب أمانًا لأحد قط، قد قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: 24).

خندق الأمان

اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، لا أمان في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: 82)، وهذا يقتضي أن نعضَّ على معالم الإيمان في قلوبنا بدوام التزكية القلبية وصدق التوكل على الله تعالى، منطلقين من قوله سبحانه: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) (إبراهيم: 12).

خندق الأمان يكمن في تجديد البيعة مع الإسلام بصدق الانتساب إليه، فيعلنها السالك بكل وضوحٍ وقوةٍ وصلابةٍ ومحبةٍ واعتزاز: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس: 72)، بل يسأل ربه في كل وقت: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: 101)، ويكون شعاره: سأعيشُ معتصمًا بحبلِ عقيدتي وأموتُ مبتسمًا ويَحيا ديني.

المساهمة في صنع السفينة

إن الطوفان الذي يهدر بأمواجٍ من الفتن كالجبال ينادي الأمة بوجوب انحيازها لصناعة سفينة النجاة دون ترددٍ أو تلكؤ.

إن صناعة السفينة واجب الوقت وأمان المستقبل، شريطة أن يكون النص القرآني حاضرًا مع نوحٍ عليه السلام: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (هود: 37).

فأول الأمر يتطلب صدق التوكل على الله والاستعانة به (بِأَعْيُنِنَا)، وثانياً أن تُبنى السفينة وفق منهج الله وشرعته (وَوَحْيِنَا)، وليس وفق تبعياتٍ للفلسفات الأرضية والتوجهات الدولية والتطلعات الحزبية.

فعلى السالكين أن ينحازوا لأهل السفينة؛ فقائمٌ يخطط أول ملامحها على الأوراق، وعاملٌ ينحت، ومهندسٌ يرسم، وصاحب مالٍ ينفق، وعابدٌ يدعو، وعالمٌ يغرس المفاهيم، ونجارٌ يغرس المسامير، ومحترفٌ يضبط حركة الألواح، فإن لم تكن من صناع السفينة فكن من المنتسبين إليها أو الداعمين لها أو القائمين على حراستها أو صيانتها أو توفير الطعام لأهلها، ومن لم يبذل في صناعة السفينة جهده إعدادًا، فلن يُستخدم يوم الطوفان جهادًا.
وأخيراً أقول: لا تستصغر عملاً، لا تتردد في غرس كلمة الإسلام في روع طفلٍ ناشئ، ولا أن تُربي على منهج الإسلام جيلًا صاعدًا، ولا أن تنحاز لقيم الإسلام في مجتمعٍ ناشز، ولا أن تنشر الأمل بكلمة صدقٍ في مجتمعٍ بائس، انطلق وأعلنها بكل وضوحٍ دون تردد: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۗ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (هود: 56)، وتيقن أنك بالانحياز لخندق الإيمان قد فُزت بالوعد الرباني (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: 141).


السبت، 11 يوليو 2026

صناعة الأمجاد.. من عقول المصلحين إلى أقدام اللاعبين!

صناعة الأمجاد.. من عقول المصلحين 

إلى أقدام اللاعبين!


إن الشيطان لا يطلب من الناس أن يعبدوا الأصنام 

الحجرية كما كان يفعل الأولون، بل يصنع لكل عصر 

أصنامه التي تناسبه، فقد يكون الصنم فكرة، أو شهوة، 

أو شهرة، أو مالاً، أو سلطة، أو صورة، أو لعبة، وكل 

شيء تجاوز قدره حتى استولى على القلب، وصرفه 

عن رسالته، فقد أخذ من معنى الصنم بقدر ما استولى 

على ذلك القلب.

ومن ذلك ما نراه اليوم مما يمكن تسميته بـ«البيضة 

الشيطانية»؛ تلك الكرة الجلدية التي ألقى بها الشيطان 

أول الأمر مستصغرة، فالتقفها أتباعه ونفخوا فيها من 

عصبية نفوسهم وأهوائهم، حتى تضخمت وصارت 

صنماً دولياً يُعبد في محاريب العصر الحديث.

وإنَّ هذا الطوفانَ الإعلامي العولمي الذي ينفخ في جِلْدٍ 

ميت فيستعبد به عقول الملايين لهو التجسيد الحيّ 

والتحذير النبوي الصادق من شؤم «الرجل يكذب 

الكذبة فتبلغ الآفاق»، وهل ثمة كذبة بلغت الآفاق 

واستعبدت النفوس كأن تتوهم أمة مستخلفة أن مجدها 

يُصنع بأقدام اللاعبين لا بعقول المصلحين؟


كرة القدم.. من الهزل إلى العصبية!


لقد وُجدت هذه اللعبة لتكون مجرد تسلية تزجي بها 

النفوس كَلَالها في أوقات الفراغ، ولكن السحر 

الشيطاني، حين يمتزج بغفلة الجماهير، يحيل اللعب 

عبادة، والتسلية منهج حياة، وهكذا تأسست لهذا الوثن 

الكروي منظمات دولية، وصار لها كهنة وسدنة

 يحمون فكرتها، ويشرعون قوانينها، ويصنعون من 

طقوسها ديناً عالمياً بديلاً، فتحول العالم إلى سوق 

عولمية كبرى، وشُيدت الأندية والأكاديميات، وانتقل 

الأمر من هزل الملاعب إلى جد العصبية والتنازع.

بل وصل الانحراف بالوعي إلى حد جعل الولاء 

والبراء، والحب والبغض، يعقدان على ألوان القمصان وشعارات النوادي! إنها غربة العقل حين يذهل عن حقائق الوجود ويلتمس العزة في جلود منفوخة بالهواء.
ويا ليت الأمر وقف عند حدود اللهو، بل إن الأعجب والأشد نكراً أن هذه اللعبة استحوذت على مفاهيم الأمة وخطفت مصطلحاتها الشريفة، لقد انحرف مفهوم «المدافعة» -الذي هو سُنّة الله في دفع الفساد وإقامة الحق- ليصبح محصوراً في حراسة الشباك نظيفة، وانكمش مفهوم «النصر» من إعلاء كلمة الله ونصرة المظلوم وبناء الحضارة، ليتلخص في إحراز الأهداف وهز شباك الخصوم بقذائف كروية! واأسفاه على أمة أورثها وَهْمُ الملاعب عِزاً زائفاً، بينما مقدساتها وقيمها ترزح تحت وطأة الهزائم الحقيقية.

الرياضة.. وهزيمة المبادئ!
إن أمة الإسلام، حاملة الرسالة الخاتمة ووارثة النبوة، جديرة اليوم بوقفة مراجعة صادقة وهزّة وعي عنيفة، لقد أصبحنا نرى من العجائب ما يندى له جبين الغيرة؛ علماء يرفعون الأكف بالدعاء لفوز فريق، ولاعبون يسجدون شكراً لإصابة شباك خصم، وجماهير تحشد الطاقات وتحترق حماساً، وتبذل الأموال والأوقات، في الوقت الذي تخبو فيه حرارة القضايا الكبرى للأمة، وتفتر الهمم عن حمل رسالة الحق، وتضعف الغيرة على الدين والأوطان!

وليس العيب قط في رياضة تُمارَس لتربية الأبدان، ولا في ترويح مستساغ تطلبه النفوس، وإنما العيب، كل العيب، في اختلال الموازين وانحدار الاهتمامات من معالي الأمور إلى سفاسفها، حتى تغدو الهزيمة الكروية أشد وقعاً على النفوس من هزيمة المبادئ والضمائر!

فاحذروا بيضات الشيطان قبل أن تفقس؛ فإنها لا تخرج أول الأمر إلا لعبة، ثم لا تلبث أن تصبح قضية، ثم عقيدة، ثم هوية، ثم سجناً واسعاً لا يشعر المسجون أنه فيه، ومن يومها لا يعود الشيطان بحاجة إلى أن يقود الناس بالسلاسل، لأنهم يحملون قيودهم في قلوبهم، ويحسبونها زينة، وهي في الحقيقة أغلال.


وهذه المنظومة العبثية ليست أولى بيضات الشيطان في تاريخنا المعاصر؛ فكم من أفكار برّاقة ظنها الناس شيئاً عظيماً، ثم ما لبثت الأيام أن كشفت عن وجهها الكالح بعد أن أفسدت العقائد والعلاقات، لقد عاشت البشرية دهراً تحت ظل «بيضة الشيوعية» حتى انبرى من يلفق لها ثوباً من الشريعة، ثم تلتها «الرأسمالية» و«الاشتراكية»، حتى وصلنا إلى البيضة الكبرى؛ «الديمقراطية الغربية» وحقوق الإنسان!
تلك الأكاذيب الميتة التي صاغتها المنظومة الدولية المستبدة لتكون أصناماً من عجوة تأكلها الأنظمة الطاغية كلما جاعت إلى السيطرة، وما نراه اليوم من اغتيال لإرادات الشعوب، وقتل وتجويع للأطفال، وهتك للأعراض على مرأى ومسمع من العالم، لهو الدليل القاطع على أن تلك الشعارات ما هي إلا شروط يفرضها المستكبر لشرعنة بغيه، وإشاعة الفواحش، وإفساد الفطرة الإنسانية وتلويثها.

الاستقلالية الإسلامية

إن العلاج الناجع لهذه التبعية المقيتة لا يكون بالانخراط في هذه المنظومات الفاسدة أو العكوف في محاريبها، بل في عودة الأمة إلى شريعة ربها لتسترد هويتها المفقودة، وتصطبغ بصبغة الله التي لا تبلى، لن يكون الفوز يوماً في نيل كأس، ولن يكون النصر في اعتلاء منصة تتويج كروية، بل النصر الحقيقي في أن تقوم الأمة بدورها الاستخلافي، وتغرس قيم الإسلام في كل نادٍ ومحفل، وتحمل أمانة البلاغ للعالمين؛ لتكسر راية الشيطان وتدحر زيف شياطين الإنس والجن.

يا أحبتي، إنه نداء حار يخرج من سويداء القلب إلى

 كل ذي عقل مؤمن وهمة عالية: انحازوا إلى دينكم،

 واعتزوا بهويتكم، وتعالوا نقدّم للبشرية الحائرة

 نموذجاً حضارياً ينقذها من ظلمات المادية والعبث،

 ويعيد للإنسان تكريمه الإلهي الذي ضيعه لصوص 

العقول.

إن الأمة التي نزل في حقها قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: 110) لا يليق بها أبداً أن

 تختزل مجدها في أهداف تُسجل، بل مجدها في هداية

 البشر ونشر العدل وصناعة الحياة،

فمن يوقظ القوم من غفلتهم قبل فوات الأوان؟


الاثنين، 16 فبراير 2026

رحلة إلى الأعماق

رحلة إلى الأعماق
أ.د. جمال عبدالستار

هلمَّ بنا نرحل لا إلى أرضٍ تُرى، ولا إلى أفقٍ تُدركه الأبصار، بل هي رحلةٌ إلى الأعماق؛ حيث يسكن الكنز الدفين، وتُخبَّأ الثروة الضائعة، ويتوارى نورٌ خافتٌ ينتظر من يوقظه، إنها رحلةٌ لا تحتاج زاداً من متاع الدنيا، بل تفتقر إلى شجاعة مواجهة، وصدق بحث، وحنينٍ لم ينطفئ تماماً في أفئدتنا، سنبحر معاً في عباب الداخل، نُنقّب بين طبقات النفس عن شوقٍ باهتٍ أرهقته الغفلة، وعن يقينٍ غطّاه غبار الأيام، وعن بوصلةٍ اضطربت حين تكاثرت الاتجاهات؛ لسنا هنا لنجلد ذواتنا، ولا لنغرق في عتمة العتاب، بل لنستعيد توازن القلب، ونضبط مؤشر الروح على جهة السماء.

فهيا بنا نغوص.. نُزيح الركام عن معادننا الأصيلة، ونمسح الضباب عن مرآة أرواحنا، حتى يعود النور أوضح، والشوق أصدق، والبوصلة أثبت، إنها رحلة إصلاحٍ لا استعراض، وعودة لا هروب، واكتشاف يعيد إلينا أنفسنا كما أرادها الله: حيّةً، واعيةً، متجهةً إليه بالكلية.

افتح باب قلبك

أغمِض عينيك الآن.. واستشعر في صمتك ذاك النداء الخالد: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) (الذاريات: 50)، إن هذا الفرار ليس هروباً من الدنيا بحد ذاتها، بل هو نزوحٌ مقدس من ضجيجها المنهِك إلى سكينة محبته ورحمته الواسعة سبحانه؛ أغمضهما جيداً، وكأنك في هذه اللحظة توصد أبواب السوق بكل صخبه ومساوماته، لتفتح بقلبك باب الآخرة بكل أحداثه ومشاهده، دع عنك تلك الزخارف التي تتلألأ في عينيك ساعةً ثم تخبو كأن لم تغنَ بالأمس، وتذكر قوله سبحانه: (وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران: 185)، ليس المطلوب منك أن تهجر الدنيا بجسدك، بل أن تمارس أصعب أنواع الزهد العرفاني؛ أن تُنزلها من عرش قلبك لتسكن تحت قدميك.

تفقد مواضع النظر الرباني

انزل الآن إلى غور قلبك، فتّش في زواياه عن موضع نظر الله إليك؛ ألم يخبرنا الصادق صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ»؟ فما حال ذاك القلب لو كُشف الغطاء ونظر إليه ربك في هذه اللحظة؟ ما الذي سيراه الملك في داخلك؟ فتّش.. وأخرج ما لا يليق بمقام النظر الإلهي، أخرج الغيرة المذمومة، والتطلّع إلى ما في أيدي الناس، والرغبة المحمومة في رضاهم، انزع الشحناء، واغسل البغضاء، وحرّر قلبك من أسر المقارنات المادية؛ فقد قال تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الزخرف: 32)، وقال: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) (طه: 131).

كنزك المفقود

تفقّد داخلك ستجد غناك هناك، لا في الممتلكات والثروات؛ بل في صدق إيمانك بالغني المغني سبحانه، وحسن توكلك عليه، واكتفائك به عن جميع خلقه، فسعادتك التي أعياك البحث عنها مخبأةٌ في قلب الرضا والتسليم، ومطويةٌ في طمأنينة الامتنان؛ ولن يبحث عن السعادة والمكانة عند الناس إلا مَن فقدها في حضرة نفسه، وكلما ذهل المرء عن جوهره النفيس، بالغ في بيع روحه بثمنٍ بخيس.

الرضا والافتقار

اعلم أن الرضا ليس كلمةً تُقال، بل هو مقامٌ وجودي يُعاش، هل رضيت بالله رباً حقاً؟ هل رضيت بحكمه حين وافق هواك وحين خالفه؟ هل سلّمت لحكمته حين فهمت وحين لم تفهم؟ أم أن في أعماقك اعتراضاً خفياً يتزيّا بلباس السؤال؟

ثم تفقد قلبك من الكِبر؛ ذلك الدخيل الخفيّ الذي قد يتسلل في ثنايا الطاعة نفسها، تذكّر قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»؛ ذرةٌ واحدة قد تحجبك عن جنة عرضها السماوات والأرض، فاخضع لله سجوداً، واعترف بفقرك، وردد من أعماقك: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ إنها كلمة العارفين حين تنكشف لهم حقيقتهم: عجزٌ كامل أمام قدرةٍ كاملة.

أنوار التوحيد وأشواق اللقاء

ابحث عن التوحيد في ثنايا الروح؛ هل الله في وجدانك حقاً أكبرُ من خوفك؟ أكبرُ من طموحك الذي يؤرقك؟ وأعظمُ من خساراتك التي كسرتك؟ ابحث فيه عن المحبة؛ هل إذا ذُكر الله اقشعر قلبك شوقاً، أم أن الذكر بات مجرد عادة يجري بها اللسان؟ ابحث عن الرجاء؛ هل تترقب رحمته بلهفة من ينتظر رزقاً أو فرصةً دنيوية؟ وابحث عن الشوق الصادق؛ هل تحنُّ حقاً إلى لقائه؟ فمن كان يرجو ذلك اللقاء، فإن أجل الله لآتٍ لا محالة.

مشهد العبور والسِّر المكنون

تخيّل تلك اللحظة في أول ليلةٍ بقبرك، حين يُغلق اللحد، وتنصرف خطى الأحباب، وتبقى وحيداً إلا من عملك، هناك، في ذاك الضيق، لا ينفعك إلا صدقك، ولا يؤنس وحشتك إلا ذكرك، ولا يضيء عتمتك إلا إخلاصك الذي ادخرته.

تخيّل نفسك الآن في مشهد العرض العظيم: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (الطارق: 9)؛ هناك لن يُسأل عن ظاهرك المنمّق، بل عما كان في سرّك المخبوء، وحين يُقال لك: (اقْرَأْ كِتَابَكَ) (الإسراء: 14)، تأمل حالك؛ هل ستقرأ بطمأنينة الواثق، أم بارتجاف المفرّط؟

رمضان والاستغناء بالله

أغمِض عينيك مرةً أخرى، واسأل نفسك بصدق: كيف ستطأ قدماك عتبات رمضان؟ أبقلبٍ مشتّتٍ في أودية الدنيا، أم بقلبٍ فارغٍ من كل شيء إلا من الله؟ اجعل لك في هذه الأيام سرّاً لا يعلمه إلا هو؛ دمعةً تسيل في خلوة، صدقةً تخرجها بيمينك فتخفيها عن شمالك، أو ركعةً في ظلام الليل لا يشهدها إلا جبار السماوات والأرض.

تذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ»؛ فاحفظ حدود قلبك من الأغيار، يحفظ الله روحك من الشتات والضياع.

دعك من ضجيج الناس وأخبارهم قليلًا، واشتغل بالله كثيراً؛ فلا تضيع عمرك في تتبّع شؤونهم فتفوّت على نفسك خبر نفسك، إن أعظم المشاريع قاطبة هو إصلاح الداخل، لأنه إذا أصلحت السريرة، تولّى ربك إصلاح الظاهر؛ فمن أصلح سره أصلح الله علانيته.

إن رمضان بابٌ يُفتح كل عام، لكنه لا يُفتح إلا لمن قصد الدخول بصدق، فأقبِل بقلبٍ منكسر، وروحٍ مشتاقة، ونفسٍ تائبة، وقل بلسان حالك: يا رب، لا أريد رمضان عادةً أكررها، بل أريده قُرباً منك أعيش به ولأجله.

تذكر أن رمضان ليس موسم جوعٍ للأبدان، بل هو رحلة عودةٍ للأرواح إلى مآبها، تأمل كيف كان حال النبي صلى الله عليه وسلم حين يحلّ الشهر؛ كيف يتغير كيانه، فيكون أجود ما يكون، ويعتكف بقلبه، ويُقبِل بكليّته على مولاه، لم يكن رمضان في مدرسته برنامجاً زمنياً، بل كان مقاماً وجودياً يتنفس فيه العبد أنوار القدس.

اللهم اجعلنا ممن إذا دخل رمضان، غمرته رحمتك، وإذا خرج منه، خرج مغفوراً له، وقد انقاد قلبه إليك بالكلية، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد؛ ذاك الذي كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه حباً وشوقاً، ثم يقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟»، فكن أنت ذاك العبد؛ الذي يبحث عن الله في كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء؛ فإن وجدته وجدت كل شيء، وإن فقدته فقدت كل شيء.

الأحد، 8 فبراير 2026

حين يضيع الطريق من أهله

 حين يضيع الطريق من أهله 

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾



السبت، 15 نوفمبر 2025

رسالة خاصة.. إليك أنت!

 أفِقْ من غفلتك والتحِقْ بالقافلة..

رسالة خاصة.. إليك أنت!



ربما لا أعلم من أنت، ولا في أي مكان تعيش، وما عملك، وما جنسك، وما دينك، لكنني أُوقِن أن هذه الرسالة، التي وصلتْك وقرأتها، إنما أنت المقصود بها، ربما لستَ الوحيد، ولكنك مخصوص بها على وجه التأكيد.

فلا تُهمل قراءتها، ولا تغفل عن رسالتها، ولا تُشغل نفسك بمن كتبها، ولكن أحسِن استقبالها، فقد يكون فيها سرٌ لك لا أعرفه، وربما كُتبت من أجلك دون أن أعلم؛ لكن تَيَقَّن أنها رسالتك، وأنت المعني بها، رسالة قُدِّرت لك من لدُنِ الخفاء الإلهي، فلا تُضيّع وقتك في غير ما اختصك الله به لأجل هذه اللحظة، وهذا المسار الموعود.

بينما أنت منشغل بهموم دنياك: مَن أقبل عليك ومَن جفاك، ومَن سبقك ومَن أعرض عنك، أو مَن أتاك، وأنت مشغول بنفسك وتطلعاتها، وتدور في محراب هواك وأوديتها.. 
هناك خَلْقٌ يسبقونك الآن، هناك من يغرسون الآن، وهناك من يجدّون وأنت تلعب، ويزرعون وأنت تلهو، ويبنون وأنت تهدم، ويرتفعون وأنت تهبط، وينطلقون وأنت تُسوِّف، ويُشمّرون عن ساعد الجد وأنت قابعٌ متخوّف.

لو نظرتَ إليهم لرأيتَ ألسنتهم لا تفتر عن ذكر ربها بآلاف، بل بعشرات الآلاف، من التكبيرات والتسبيحات والتهليلات، وهناك من يقطع الساعات في تلاوة وتدبّر الآيات، وهناك من يُقيم الليل لا يفتر، وهناك من يسعى في حوائج الناس، وهناك من يبحث عن مريض ليعوده، ومَن يتفقَّد محتاجاً ليُغنيه، أو مكسور الخاطر ليجبره، هناك من يعمل بلا كلل، ويُقبل بلا مَلَل، ويُناجي بلا فتور، وكل واحد منهم يحمل في قلبه حرقة الوصول، ويخشى أن ينقطع به الوَرد.

وأنت ما زلت تلتفت مُتَشاغلاً بمن أتى ومَن ذهب، ومَن جمع ومَن ترك، أو تنشغل ببدنك ووزنك، أو ثيابك ولباسك، أو ما تملك وما تجمع أو تزرع، أو ما فاتك وما ضاع منك، وما بعت وما اشتريت، وما خسرت وما أكلته الضباع منك!

ألا تُفكر أن تنزل إلى ميدان السباق، وأن تحرق سفن التردد والتواني، ويكون هدفك اللحاق، أو تُسارع مع المتنافسين لتفوز؟


فإذا أردت ذلك، فاعرف حقيقة مهمتك، وحدِّد أصل معركتك، وتيقّن أن الفَوْتَ هناك هو الفَوْتُ، وأن الفوز ليس هنا، ولكن بعد الموت.

قُمْ، وألْقِ ما في يمينك، وأعلِن ثورة على ما يشغلك، وتوقف عن العبث، ونادِ السائرين المسرعين أن: خذوني معكم!

والحَقْ بقوافل السائرين، واخشُر قلبك معهم، ولُذْ بصحبتهم؛ حتى لا يفترسك ذئب الفراغ، أو تلدغك حياتُ الهوى، أو تُغرِّر بك ثعالب الطريق.

فأنت متى صرختَ في نفسك فأنهضتها من سُباتها، وأيقظتها من غفلتها، وخوّفتها عاقبة التخلف وسوء مصير التوقف ومرارة الحرمان من التعرف، وبؤس طعم الصَّرْف عن الطريق؛ لربما تذكَّرتْ فبَكَت على ما فاتها، أو ندمت على ما فرّطت، أو سجدت سجدة الأوّابين.

فيُفتح لها الباب، ويناديها ربُّ الأرباب، فيُذيقها من لذة المناجاة ما يُداوي به جراحاتها، ويجمع شعْثَها، ويفك قيود أسرها، فتطير مع أسراب المحبين تُغرِّد بالمحبة وتهيم بالشوق وتتعالى على كل القيود.

فتلتفت التفاتة إلى ما كان يشغلها لتُدرك ساعتها أن الحقائق ليست هنا بل هناك، وما يوجد هنا إلا الخيال والأوهام! فلا الفقير فقير، ولا الغني غني، ولا الصحيح صحيح، ولا المريض مريض، ولا الأسير أسير، ولا الطليق طليق.. ستتغير كل المفاهيم.

سترى أن الفقر ليس في الفقْد، إنما الفقر في حرمان الذكر، وأن الغنى ليس بالاكتناز، إنما الغنى بالرضا والاكتفاء، وأن السعادة ليست فيما أخذت، إنما السعادة فيما أعطيت أو فيما تركت، وأن الرزق ليس شرطاً أن يكون فيما أعطاك، بل قد يكون عين الرزق والغنى فيما حُجِب عنك فحماك.

سترى في قوافل السالكين أفواجاً لا طاقة لأحد بمُسايرتهم، وكأن الملائكة تأخذهم على أجنحتها تسرع بهم للحاق بفيوضات الإحسان، فتُدرك أن شهرتك في عالم الزوال خَبَلٌ وأوهام، وإنما العبرة بمَن اشتهر في القوافل، وسبق في التنافس، وغاب عن نفسه فخفّ وزنه وعلت همته، فارتقى فوق السحاب، فصار حُراً من قيود الأرض، سكنت روحه وهدأت جوارحه؛ لأنه استراح من نفسه ووصل إلى ربه.

لا تصل إليه أصوات العابثين، ولا يرى صور اللاعبين، ولا يشغله شاغل، ولا يحجبه حاجب، ولا يمنعه حاجز، فأولئك هم الذين غرس الله كرامتهم بيده، وحجبهم عن الخلق ليكونوا له وحده، فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ما أعدّه لهم ربهم من الأفضال على قلب بشر.

فانظر أين أنت، وماذا تريد؟ فقيمتك بقدر همك، فلا يكن لك قبل الوصول همٌّ، ولا قبل اللقاء راحة، ولا قبل الجنة منزل.

الاثنين، 10 نوفمبر 2025

حين تسقط الأقنعة ويبدأ الاصطفاف

 حين تسقط الأقنعة ويبدأ الاصطفاف




يتساءل العقل المسلم كثيرًا، ويتردّد صدى السؤال في أروقة الفكر: أفي خضم هذه العواصف المتتابعة، والمحن المزلزلة، نقف على أبواب الدخول إلى تيه جديد، لا ندري كم يطول ولا متى يكون الخروج منه؟ أم أننا، على العكس، نلامس أول شعاعٍ من فجر الخروج من تيهٍ قديم طال مكثنا فيه، واشتدت علينا ظلماته، وكابدنا فيه من الآلام ما لا يعلمه إلا الله؟

وأزعم -والعلم عند الله تعالى- أن الأمة تقف اليوم على أعتاب الخروج من التيه الذي رزحت تحته عقودًا، وأنها بدأت تضع قدمها على العتبة الأولى من عتبات النهضة والتمحيص، ومن آيات هذا الخروج وبوادره المبشرة ما يلي:

- الانكشاف والتمايز:

هذا الانكشاف الواسع الذي ظهر لكل مستبصر، وهذا التمايز الحادّ المؤلم، الذي لم يدع رمادية في المواقف، ولا لبسًا في التصورات، حتى غدت الحقائق جلية، والأدوار مفضوحة، والوجوه عارية من أقنعتها المتقنة، فما نراه اليوم من صراعٍ فكريّ، وتحولاتٍ اجتماعية، وغربلةٍ قاسية في صفوف الأفراد والكيانات، ما هو إلا صورة من صور قول الله عز وجل: (مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (آل عمران: 179).

فتمييز الخبيث من الطيب سُنة ربانية ماضية، وغربلة الأمة قبل نهوضها ضرورة تمهيدية، وقبل أن تتسلم الأمة راية الشهادة على العالمين، لا بد أن تُمحّص، وتُصفّى، وتُعرّف بحقيقتها؛ (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة وإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال: 42).

- الإمامة الكاذبة:

حينما تدرك الأمة أنها كانت في التيه تصلي لغير القبلة الحقيقية، وتجاهد في غير ميدان النضال، وتدرك حقيقة كثير من الأئمة الذين وقفوا في المحراب للاقتداء بهم، واصطفت للصلاة خلفهم، ومنحتهم كامل ثقتها، وعظيم تقديرها، وكامل احترامها، فلما انقشع الظلام وبدت لوامع الفجر، بان للأمة أن بعضاً من أئمتها مزيفون، وبعضهم تصدر للإمامة بلا وضوء، وبعضهم كانت قبلته هواه، ومحرابه صنم نفسه، ولعاعة رغبته، ووضاعة مقصده! فإنها يومئذ قد تخلصت من كتائب الدجالين، وكهنة المعابد، وذئاب الليل، فما أسعدها بيوم الخلاص! وما أقربها لشاطئ الأمان!

- الحدود والأعلام:

حينما تدرك الأمة أن حدودها التي ما فتئت تقاتل لحمايتها، وتتغنى بمتانتها، وتفخر بارتفاعها وصلابتها، ما هي إلا قضبان سجونها، وأسوار زنازينها، وسلاسل قيدها، وأسباب ضعفها، وما هي إلا أسوار أقامها الطغاة ليحولوا بينها وبين باقي أعضاء جسدها، حتى لا تستمد منهم قوتها، ولا يكتمل بهم بنيانها، ولا يتوحد بهم شملها، ولتظل مقطعة الأجزاء متفرقة الأنحاء متباعدة الأطراف، يحبس الطغاة كل عضو منها في قفص خاص ليسهل عليهم تقطيعه، وتفتيته، فإنها يومئذ قد بدأت خطواتها نحو الخروج، وانطلاقها نحو المستقل الرحيب.

- حين يسقط القناع:

حينما تُدرك الأمة أن الجلاد قد ارتدى ثوب القاضي، وأن منصة القضاء في أكثر مواطنها ما هي إلا موطئٌ لتقنين المظالم، وشرعنة الاستبداد، وتجميل الطغيان، وتطهير سيرة الجناة من دنس الخيانة والفساد!

وحينما تكتشف –بصدمة الفاجعة– أن اللص المحترف هو ذلك الضابط الرفيع، وأن الخائن المندس هو أمين الشرطة الذي احترف التزوير والتضليل، وأن من يغتال أمنها ويغتصب كرامتها هو ذاته من أُوكل إليه حماية حُرماتها وسلامها!

فحينها، تُدرك الأمة –بوعي اليقظة– أنها بدأت تخرج من أنفاق التيه، وتسير على طريق النور، وتتنفس نسائم الفجر الصادق.. ذلك هو الوعي حين يشرق، والحق حين يُكشف، والمستقبل حين يُولد من رحم الألم والخذلان.

- حينما تسقط الأصنام:

حينما ترى الأمة أن أكثر النُّخب السياسية والثقافية، والفكرية والإعلامية، والفنية والدينية والحقوقية –تلك التي كانت في كهف التيه نجوم هدايتها، ورموز قدوتها، ومنابع إلهامها، وزينة محافلها– ما هي في الحقيقة إلا دمى مصنوعة، وأوراق محروقة، وأحجار مرصوصة، وكذبة محبوكة، وقرود مدربة على الرقص في كل الساحات، والقفز على كل الحبال!

فإني أجزم -والعلم عند الله- أن هول الصدمة كفيل بإعادة وعيها، وإيقاظ بصيرتها، وفتح عيونها على الحقيقة، وإرشادها إلى الطريق الصحيح، ليكون لها بعد الغفلة يقظة، وبعد التيه مسار، وبعد الانخداع فلاح ونهوض.

- على مشارف اليقظة الكبرى:

حينما تُصبح الحرب على الإسلام والمسلمين أمراً جلياً لا لبس فيه، ويغدو العداء للهوية عقيدة راسخة لا جدال حولها، وتتهاوى أمام العيان أصنام الحريّة الزائفة، والديمقراطية الفاجرة، ويُفضَحُ عفنُ المنظمات الدولية، وتنكشف وَضاعة أكثر المؤسسات الحقوقية.

وحين تُدرك الأمة –وقد آن لها أن تُبصر– أن النصر لا يُهدى بلا إعداد، ولا يُنال بلا بذل، وأن الجوع لا يُسَدّ بلا إنتاج، والأمن لا يتحقق بغير جهاد، والنهضة لا تقوم إلا بعلم وعلماء، والنجاح لا يُرجى إلا بتعاون صادق وبذل جماعي، والانطلاق نحو المعالي لا يكون إلا بالتضحية والفداء.

فإنها بلا شك قد خرجت من كهف التيه، ولامست أول الطريق، وأبصرت طبيعة المعركة، ووعت حقائق الأمور، وأسرعت لامتلاك أدوات المواجهة والبناء.

- حين يُدرك الفرد مهمته:

في خضم التحوّلات الكبرى، لا يبقى للفرد خيار التفرّج أو التراخي؛ بل عليه أن يُعدّ نفسه ليكون صالحًا للاستخدام، مؤهّلًا للاستعمال، مستحقًّا لمقام الاستخلاف.

فعلى كلّ ابنٍ من أبناء هذه الأمة أن يُراجع زاده، ويشحذ أدواته، ويتأهّب لمسؤوليات المرحلة، قبل أن يُطوى اسمه في سجلات المنسيّين، أو يُقصى إلى هامش العاجزين، أو يُستبدل بغيره في ميدان الساعيْن نحو المجد والتمكين.

إن السباق الحضاري، لا ينتظر المتثاقلين، ولا يرحم الغافلين.

استعدوا لوثبة الأسد الجريح

تأهّبوا لوثبة الأسد الجريح، إذا نهض من كبوته، وزأر بعد صمته، ودَوَّى زئيره في الآفاق، وارتعدت له فرائص الطغاة، وارتجّت له عروش الظالمين، فليتأهب العالم لصوت لا يخرج إلا إذا آن أوان التغيير.

وانشروا في الأرجاء عبير الأمل، وانفثوا في الأرواح نسائم الرجاء، وبشّروا الغادي والرائح أن الغدَ المذخورَ عند الربِّ الكريم، يحمل في طيّاته بشائر الخير، وصباح البصيرة، وأنوار الإدراك، وتطلعات اليقين.


فهو فجر قادم لا محالة، يُشرق على أمةٍ وعَت، وقلوبٍ صدقت، وسواعدَ استعدّت.