الثلاثاء، 10 مارس 2026

الدولة الهاربة من شعبها

 الدولة الهاربة من شعبها

وائل قنديل


الخلط بين الدولة والسلطة (النظام الحاكم) من سمات الحكومات المُستبدّة، التي تحرص طوال الوقت على تكريس حالة من استعداء الشعب على الشعب، بإشاعة مناخ من التوجّس من الجماهير، غير أنّ هذه الحالة تتّخذ طوراً أقرب إلى الفوبيا لدى أهل السلطة في مصر، تدفعهم إلى التعبير عن نوع من الخوف الممزوج بشيء من الكراهية للجماهير، إلى الحدّ الذي يعترفون معه بأنّهم هربوا من الشعب إلى الصحراء، وبنوا لأنفسهم جدراناً تعزلهم عن الشعب وتحصّنهم منه.

 لا مشكلة في أنّ الدولة المصرية الحالية ترى في شعبها خطراً داهماً ينبغي الهروب منه، وإقامة جدران عازلة بينها وبينه، وإنما المشكلة الحقيقية أنّها تعمل على توريث هذه المشاعر المريضة تجاه الشعب لأجيال قادمة من العاملين في جهاز الدولة.

في الفرق بين المدن (الدول) الفاضلة والمدن الجاهلة، قال الفارابي، الفيلسوف الذي لُقّب المعلّم الثاني، ذهب مفكّرون إلى أنّه سبق جان جاك روسو في طرح رؤيته حول العقد الاجتماعي، قال إنّ خير المدن هي المدينة التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة على الحقيقة، وهي المدينة الفاضلة، أمّا المدينة الجاهلية فهي عكس المدينة الفاضلة، إذ إنّها مدينة الظنون والأوهام والمعتقدات الفاسدة.

 لا يخلو خطاب للجنرال عبد الفتاح السيسي من كمية هائلة من إساءة الظنّ بالشعب والتوجّس منه والحديث عنه بشيء من التململ، على نحو جعله يعترف صراحة بأنّه قرّر أن يبني عاصمة جديدة لكي تهرُب فيها الدولة من الشعب إذا كرّر الإقدام على الاحتجاج والغضب، فيقول في إفطار رمضاني مع الشرطة قبل يومين: "في 2011، كنت بشوف التليفزيون وهما بيهاجموا وزارة الداخلية في شارع محمد محمود، يمكن حد يستغرب قوي ويقول انت بتستدعي ده ليه؟ إذا مكنّاش نتعلم من كل.. من الدروس، أو نجيب دروس من كل موضوع بنتعرضله، يبقى إحنا مستفدناش من المشكلة أو من الأزمة أو من التحدّي اللي.. بيواجه الوطن، عشان ميتكرّرش تاني. وكان ساعتها، قُلت، كان وزير الداخلية، ربنا يديله الصحة، الوزير محمد إبراهيم، قُلتله لازم وزارة الداخلية تتنقل من القاهرة تيجي في حتة.. في مكان تاني. ولازم الدولة تتحرّك من مكانها اللي موجودة فيه في القاهرة ده، إلى مكان تاني".

فكرة تعميق الهوة بين النظام والجماهير، بدلاً من العمل على إصلاح هذه العلاقة من خلال حزمة من السياسات والإجراءات المُحترمة، تحمل في طياتها شكلاً من الاحتقار، وربما العداء مع هذا الشعب، فضلاً عن أنّها تجعل التعبير عن مطالب أو الاحتجاج على ممارساتٍ متعسّفة جريمة تستوجب العقاب، على أنّ الأخطر، مرّة أخرى، هو تسميم المستقبل بمشاعر توجّس وتحفّز لدى أجيال قادمة من رجال الدولة (النظام) تجاه هدا الشعب، وهذا ينقلنا إلى فلسفة النظام الحالي في إخضاع كلّ العاملين في الدولة لما يُمكن تسميتها "جلسات عسكرة" تشكّل رؤيتهم، ومن ثمّ طريقة تعاملهم مع الشعب مُستقبلاً، إذ يقول السيسي في إفطار آخر مع الأكاديمية العسكرية: "فيه ناس عايزة تفهم إيه الحكاية، ليه كدا؟ طب جايب.. طب أنا جايب الوعّاظ ليه؟ كل واحد حسب التعليم اللي اتعلمه، بتتشكل إلى حدٍّ كبير طريقة تفكيره، يعني إيه؟ يعني تلاقي الدكتور دايماً بيبصّ من منظور العقلية الطبية. ال.. القانوني، محامي أو كدا، بيبص من منظور العقلية القانونية.. كل واحد، لأن هو ال.. الراجل بتاع الدين.. لأن هو ده ال.. البنية ال.. العلمية، مش بقول الفكرية، العلمية اللي عنده، مبنية كدا، فهو لما بيشوف، بيشوف في الإطار ده، بيشوف العقلية الدينية لما تشوف العقلية الطبية، ولما تشوف العقلية آآ الهندسية، ولما تشوف العقلية العسكرية، ولما تشوف العقلية القانونية بنبقى عاملين إزاي، عشان ننصهر كنا ونبقى معقولين وبنتكلم لغة واحدة".

وبما أنّ هؤلاء كلهم سوف يجري صهرهم معرفيّاً وثقافيّاً في مراجل عسكرية وأمنية واحدة، فإنّ اللغة الواحدة التي سوف يتكلّمون بها مع جماهير الشعب هي اللغة العسكرية الأمنية، ونظرتهم إليه ستكون نفسها النظرة المشار إليها أعلاه: التوجّس من الشعب والتخندق في أماكن مُحصّنة بعيداً عنه، هناك في العاصمة الجديدة، بحيث لا يستطيع الوصول إليهم إذا غضب أو ثار على ظلم وفساد وتحطيم للكرامة الإنسانية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق