الكوكب في قبضة مختلٍّ عقلياً
وائل قنديل
ثمة أسئلة كان الظنّ أنها من بديهيات التصدّي لأي حدث كبير بالمناقشة، كما في النوازل الكبرى التي تضرب البشرية، غير أن العالم يبدو في لحظةٍ نادرةٍ في التاريخ الإنساني، هي لحظة الخضوع للجنون، كسلاً عقلياً ربما، أو خوفاً من سطوة المجانين على الأرجح.
في الجحيم الذي صنعه الحلف الأميركي الصهيوني تغيّب الأسئلة المؤسِّسة للفعل، في مقابل الغرق في مطاردة ردّات الفعل، وكأنه بات مجرَّماً أن يطرح أحدٌ الآن تساؤلات بسيطة مثل:
مَن الذي بدأ الحرب؟ من المعتدي، ولماذا قرّر المعتدي أن يعتدي؟ ولماذا قرّر الطرف المعتدى عليه ردّ العدوان؟ وهل ردّ العدوان جريمة بينما العدوان نفسه عمل مشروع؟
الأسئلة ذاتها أُهملت في جريمة العدوان على الشعب الفلسطيني في غزّة، المستمرّة؛ إذ ذهب العالم إلى إدانة المقاومة ووصم فعلها بالإرهاب، من دون أن يتوقّف أحدٌ عند السؤال:
لماذا قرّر الفلسطيني أن يقاوم؟ متى بدأ الاحتلال ومتى جاءت المقاومة؟ وهل مقاومة الاحتلال رذيلة بينما الاحتلال فضيلة؟
يقول معلّق أميركي في شاشة "الجزيرة" إن إيران دولة إرهابية لأنها دعمت حزب الله وحركة حماس بالمال والسلاح، تهرّباً من السؤال:
لماذا نشأت "حماس" وكذلك حزب الله؟ ولماذا حملا السلاح وبحثا عنه عند الشقيق فلم يجدا، فذهبا إلى الجار والأخ البعيد؟ وبأيّ منطق يُصنَّف حمل السلاح لتحرير وطن محتلّ إرهاباً، بينما دعم كيان احتلالي إرهابي ومشاركته جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي هو الخير المطلق؟
من حقّك أن تستنكر القصف الإيراني الذي طاول أهدافاً مدنية في دول الخليج العربية، لكن يحقّ لك، وعليك إدانة العدوان الإجرامي الذي أدّى إلى ردّة الفعل، مع الوضع في الاعتبار أن هذا السيناريو تحدّث به الركبان قبل أسابيع من لحظة افتتاح الجحيم الأميركي الإسرائيلي، والذي يغذّيه دونالد ترامب كلّ يوم ويتوسّع فيه لكي يحترق الإقليم كلّه على يد سكّانه الأصليين، فيما يجلس رفقة نتنياهو ينتظران النهاية السعيدة للحرب العدوانية الإجرامية التي يديرانها على قاعدة حرق الشرق الأوسط كلّه وهدمه لإعادة بنائه وفقاً للمواصفات الصهيونية.
يطلّ ترامب من شرفته مبتسماً على الشرق الأوسط وهو يحترق، يذهب لقصف مصافي النفط وخزّانات الوقود الإيرانية، ويوجّه في اللحظة نفسها التحية إلى من يسمّيهم بـ"الشركاء الخليجيين"، ويشيد بدورهم في الحرب.
ثم يخرج إعلام نتنياهو ليعلن أن دولةً خليجيةً هي التي أحرقت المصفاة الإيرانية، ويأتي ترامب ليهنئ الخليجيين على انتصارهم التاريخي، فيكتب في منصّته الخاصّة: "إيران، التي تُهزم شرّ هزيمة، اعتذرت واستسلمت لجيرانها في الشرق الأوسط، ووعدت بأنها لن تطلق النار عليهم بعد الآن. لم يُقطع هذا الوعد إلا بسبب الهجوم الأميري والإسرائيلي المتواصل. كانوا يتطلّعون إلى السيطرة على الشرق الأوسط وحكمه. إنها المرّة الأولى التي تخسر فيها إيران منذ آلاف السنين أمام دول الشرق الأوسط المحيطة بها. قالوا: "شكراً لك أيها الرئيس ترامب". قلت: "على الرحب والسعة".
مسايرة هذا الجنون هي الجنون الأشد، والخضوع إليه أو تبريره انتحار. هكذا يقول الذين قرّروا الاحتفاظ بعقولهم سليمةً وضمائرهم حيّة.
فيكتب مثلاً ديفيد كورتن، مؤسّس حزب التراث البريطاني الذي كان معجباً بالرئيس الأميركي طوال الوقت:
"لقد دعمت الرئيس ترامب لسنوات عديدة، لكن هذا جنون كاليغولا ودموية نيرون".
ويكتب مايك كارلتون، أبرز الصحافيين الأستراليين الذي غطى حرب فيتنام، عن بيان ترامب الذي يورّط فيه دول الخليج في الحرب:
"إنه مجنون... الولايات المتحدة، وبالتالي الكوكب بأكمله، في قبضة مختلّ عقلياً".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق