الجبهة هي خزانة الكبرياء البشري..
د. محمد علي يوسف
عبر التاريخ لم يكن هناك فعل أثقل على نفس الإنسان من أن يهبط بهذه الجبهة التي تمثل ذروة الاعتزاز والأنفة، ليمرغها في التراب الذي تدوسه الأقدام.
لم تكن المعضلة يوماً في حركة الجسد نفسه في ذلك الشعور الداخلي الذي يسبقها.
في ليالي مكة العتيقة.. كانت التلاوة تتسرب في جنح الظلام.
كانوا يسمعون الآيات كما نسمعها اليوم؛ الكلمات نفسها لكن الأثر كان مختلفا..
شيئاً غامضاً كان يحدث لبعضهم دون البعض.
شيء يتسلل في صمت ليزيح صخوراً ثقيلة عن الصدور.
المستمعون للتلاوة كانوا يتأرجحون بين مؤمن يسلم قياده طواعية، ومكابر يرتجف من الداخل محاولاً التماسك، يراقب وينتظر زلة لسان أو اضطراب معنى.
ويمضي القارئ ﷺ في تلاوته، لا يرفع صوتاً ولا يغير نبرة..
تنساب الكلامات من بين شفتيه غضة نقية لتصل مباشرة إلى القلوب التي لم تزل فطرتها سانحة.
ثم تأتي لحظة لا تشبه ما قبلها
حين يبلغ المعنى حداً لا يُحتمل معه القلب وقوفا.. فيخرّ.
ثم يتبعه الجسد
لم تكن حينئذ حركة متكلفة ولكن انقياد صامت، كأن الأرض نادت فاستجابت الجبهة..
ومن خلفه.. يخرُّ من كان يؤمن، بينما يبتلع المكابرون زلزالاً يضرب كيانهم. بعضهم خرج يضحك بتوتر، وبعضهم خرج صامتاً..
وبعضهم سجد..
نعم البعض فعل رغم أصل المكابرة إلا أن القلب لم يحتمل لوهلة..
لكن أحداً لم يخرج كما دخل.
هكذا كان السجود.
وليست كل السجدات قراراً نتخذه بوعي كامل وترتيب مسبق.
بعضها يشبه سقوط الأشياء من يدك حين تنفلت قدرة أعصابك على الاحتمال.
انهيار هادئ، بلا ضجيج، لكنّه مكتمل التكوين.
تلك الجبهة التي ظلت مرفوعة طوال اليوم تناقش وتجادل وتزن الأمور ببرود مادي وتصعر للناس ما إن تمس الأرض بصدق حتى يتبدل كل شيء.
تخفت الأسئلة وتبهت الحيرة..
وينطفئ الصخب
ثم يسري في القلب يقين مباغت.. أنك أخيراً قد عدت إلى مكانك الصحيح.
ولأن هذه الحالة تحتاج إلى تجديد دائم، لم يكن فجر الجمعة وقتاً عادياً في مسيرة هذا الدين.
كان الأمر أشبه بإعادة تشغيل المشهد في كل أسبوع.
يقف إمام المتقين ﷺ في محرابه، والمدينة لا تزال تتأرجح بين النوم واليقظة، ليواظب على قراءة نفس بعينها دون غيرها.
هل واظب عليها لأنها قصيرة أو سهلة؟
لا أعتقد ذلك فثمة سور أقصر..
ربما لأن أثر السورة يستلزم ترسيخه بانتظام..
حين يستمع الموقن فيشعر أن مركز ثقله يتغير، وأن الوقوف بشموخ لم يعد وضعاً مناسبا بينما تتلى آيات لو أنزلت على جبل لرأيته خاشعا متصدعا
هنا تأتي اللحظة الحاسمة.. فيخر ساجداً في حركة تمثل انكشاف الحقيقة دفعة واحدة.
حقيقة العبودية..
في هذا المشهد المهيب، تتجلى الفكرة المركزية والمقصد الأكبر لسورة “السجدة”.
الاسم هنا ليس توصيفاً لحالة فقهية، ولكنه توثيق للحظة الانكشاف الاي حدثتك عنها.
أنت عبد والعبد له سيد وينبغي أن يذل ويخضع وينكسر مظهرا تلك العبودية..
هي ببساطة سورة “التموضع البشري” كما يجب أن يكون
هي لا تحكي قصة أو تؤصل تفاصيل علمية أو توجه لمناسك فقهية
هي تعيد ترتيب تكوينك الداخلي لتأخذك من لحظة العدم المطلق، مروراً بأطوار خلقك من طين وماء مهين، وصولاً إلى محطة التكليف واختبار الإرادة، ثم تضعك في النهاية وجهاً لوجه أمام مصيرك المحتوم.
سورة تجيب عن سؤال الكبر، وتخيرك بوضوح:
هل ستسجد الآن طواعية، أم ستنتظر يوماً لا يبقى فيك ما يقف؟
يتجسد التلازم الحتمي بين معرفة الله والسجود لعظمته في الآية المحورية التي تصف تلك الاستجابة الفطرية والتي بها سميت السورة
﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
تأمل اللفظ ﴿خَرُّوا﴾.
تحمل هذه الكلمة عنفوان التهاوي السريع، وتجسد السقوط المباشر كانهدام السقف أو انهيار البنيان المباغت.
هكذا استعمل القرآن اللفظ نفسه مراراً لرسم مشاهد السقوط المدوي ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾، (سورة النحل – الآية 26)
وكذا في تصوير السقوط من شاهق: ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾،
وحتى في وصف لحظة الموت وانقطاع الأجل والذي وقع لسيدنا سليمان عليه السلام
{فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)} (سورة سبأ)
وحين ينتقل هذا اللفظ إلى ساحة الإيمان، فإنه يصف تلك اللحظة التي تتلاشى فيها “الأنا” وتذوب تحت وطأة التعظيم.
ستلمحها في صعقة الكليم عليه السلام ﴿وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾، وفي توبة سيدنا داوود عليه السلام ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾.
وتتكرر الصورة كلما بلغ الإيمان ذروته، فترى أهل العلم في سورة الإسراء ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾،
وتراقب موكب الأنبياء وصفوة الخلق في سورة مريم
{أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩ (58)}
وكذلك المعرفة الحقيقية إذا صحت تزلزل أركان الكبر وتنسفه من القواعد، فيجد المرء نفسه مدفوعاً للسجود برد فعل داخلي تمتزج فيه الرغبة العارمة بالرهبة الصادقة دون أدنى تكلف.
وسحرة فرعون مثال ساطع..
قبل لحظات كانوا مجرد أدوات في يد فرعون محترفي وهم وخداع.
وحين سطعت الحقيقة أمام أعينهم، تخطوا مساحة التفكير وتجاوزوا أي مهلة للتردد.
ولقد عبر القرآن عن هذا الانقياد الساحق بصيغة مبنية للمجهول تقطع الأنفاس.
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾. (سورة طه – الآية 70)
كأن قوة خفية تسربت بشاشتها إلى أعماقهم
قوة تثبت أن الحقيقة حين تستقر في القلب، تسلب الجسد خيار الوقوف هنا عجزت أقدامهم عن حملهم واضطرت جوارحهم للتهاوي حين عرفوا أن للكون رباً يتصرف في كل شيء
وكان السجود هو النتيجة.
وفي وصف صلاة النبي ﷺ، تجد ذات الروح، فقد كان ﴿يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا﴾..
تأمل اللفظ الشبيه للخرّ
يهوي
كأن جاذبية السماء تشده إلى الأرض.
هذا الانقياد البديهي لا يأتي من فراغ ولكن من إدراك الإنسان لبيولوجيا عظمته وتواضع أصله في آن واحد. السورة تجيبك عن سؤال: لماذا نخشع؟ من خلال فتح ملف الذاكرة الأصلية
تذكرك بأصلك لكي لا تنتفخ أوداجك كبراً
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾. (سورة السجدة – الآية 7)
أنت مخلوق من الطين ابتداءً
ثم من الماء المَهِین الذي يُستقذر حتى ذكره..
ثم انتشلك من هذا الهوان بنفخة من روحه.
هذه النفخة هي التي جعلت لجبينك قيمة، ومنحتك السمع والبصر لتدرك، والفؤاد لتعقل فصرت إلى كائن سويٍّ نُفخت فيه الروح ومُنح أدوات الإدراك والفهم.
أوبعد هذا الانتقال من الحضيض إلى القمة، يتنكر الإنسان لأصله؟
يستوعب العقل السليم هذه الرحلة المذهلة، بينما يأتي العناد البشري الساذج ليستبعد فكرة البعث أصلاً ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾.
هم لا ينكرون القدرة الإلهية وإنما ينكرون حتمية اللقاء للهروب من استحقاقاته متناسين هروبهم المستمر من حتمية اللقاء ما هو إلا محاولة يائسة للتنصل من استحقاقاته، وتجاهلاً متعمداً لتبعات الوقوف بين يدي الخالق.
لذلك هم ينسجون لأنفسهم وهم الإفلات الدائم، ويتغافلون عن تلك المعادلة الصارمة..
الجبهة التي تستكبر عن السجود الاختياري في دنياها، ستطوى رقبتها صاغرة في أخراها.
وحين يُسدل الستار، وتنتهي مساحة الاختيار، سيُعرض مشهد الانكسار الإجباري الذي تذوب منه النفوس حسرة:
﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾.
تأمل هيئة “النكس” في هذا التعبير القرآني
إنها أبلغ صور الانهزام الداخلي والخزي المطلق.
تلك الرؤوس التي كانت تشرئب في الدنيا زهواً وعناداً، وتتعالى على نداء الفطرة، تتدلى اليوم في ذل مطبق يكسر العظم قبل النفس.
هو خضوع قاهر يفرضه جلال الموقف لكن بعد فوات الأوان
انحناءة إجبارية ثقيلة تدفع ضريبة التكبر الماضي، يوم تصبح الحقيقة شاخصة أمام الأعين، وتنطق الشفاه المرتجفة بيقين الاضطرار العقيم الذي لا يملك أصحابه إزاءه سوى أمنيات العودة المستحيلة.
ولأن المعرفة الحقيقية تورث انشغالاً يغمر الأرواح، يتجلى خضوع السجود العفوي الذي أشرنا إليه آنفا في مشهد ليلي مهيب، اختارت له السورة وصفاً بالغ الدقة
﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾.
تأمل الفاعل في الآية
﴿جُنُوبُهُمْ﴾
وكأن للجنوب إرادة مستقلة تنتفض بها عن الفراش!
إن إسناد الفعل إلى الجنب يحمل إشارة عميقة إلى التلقائية التامة، وكأن الجسد المنهك ذاته أصبح ينفر من دفء المضجع الوثير..
يتقلب بغير ارتياح ليدفع صاحبه نحو المناجاة.
والمحرك الخفي هنا هو “الهمّ”..
ذلك الهم الذي كثفه القرآن في كلمتين: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
هم يحملون رهبة من عاقبة ذنوبهم، جنبا إلى جنب مع رغبة تسوقهم إلى كرم ربهم.
ويخطئ من يظن أن اجتماع الخوف والطمع يخدش صفاء العبادة أو يعيبها؛ فهذه المشاعر هي عين الكمال وتمام التأدب مع الله جل جلاله والذي رغّب في ثوابه وحذّر من شديد عقابه.
هذا الهم المقدس هو الوقود الذي يملأ النفس ويستنهضها.
في الحديث، يصف ابن مسعود رضي الله عنه رجلاً يعجب الله منه!
رجل ثار من وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عند الله وشفقة مما عنده
هو ذات الانشغال الذي يتملك ذهنك حين تخلو بنفسك وتأوي إلى فراشك.. أين ترحل أفكارك؟
بم تفرح؟
وعلى أي شيء تندم؟
وقد تجسد هذا الأرق المبارك في قصة ذلك الرجل الذي بشره النبي ﷺ بالجنة، وحين تابعه سيدنا عبد الله بن عمرو ليكتشف خبيئته، وجده كلما تعارّ وتقلب في مضجعه ليلاً، انطلق لسانه بالتسبيح والتكبير والحمد والتهليل، ثم يعود لغفوته حتى يدرك الفجر فيقوم مرة أخرى ليصلي؟
هذا الانشغال الساري في العروق بعفوية وتجرد، هو الثمرة الطبيعية لمعرفة الله حق المعرفة.
ولأن هؤلاء الصادقين أسدلوا ستار الليل الكثيف على أرقهم المبارك، وتجافوا عن مضاجعهم في صمت مهيب بعيداً عن رصد العيون وموازين الخلق = عاملهم الودود بجنس صنيعهم
لقد كتموا دموعهم ومناجاتهم في عتمة الغرف، فكتم الله لهم في غيب السماء مكافأة تليق بصدقهم وتوازي عظمة ذلك السر المكتوم.
عطاء يتجاوز قدرة العقل البشري على التخيل، وثّقته تلك الآية الجميلة
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.
هذا الخفاء الإلهي للجزاء هو ذاته الذي تجلى لكليم الله موسى حين سأل ربه عن أعلى أهل الجنة مقاماً، فجاءه الجواب الرباني يفيض بالاصطفاء المطلق والحفاوة الخالصة
«أولئك الذين أردتُ، غَرَستُ كرامتهم بيدي وخَتَمْتُ عليها، فلم ترَ عينٌ، ولم تسمع أذنٌ، ولم يخطر على قلب بشر».
قومٌ اختارهم الخالق بعنايته، فغرس كرامتهم بيمينه، وجعل جزاءهم غيباً مطوياً عن مدارك الخلائق أجمعين، جزاءً يمسح عن تلك الجباه عناء السهر، ويقرّ أعينهم بما يعجز الخيال عن ملامسة أطرافه.
وإزاء هذا التباين الشاسع بين جبهة تخر ساجدةً حباً وطمعاً، وأخرى تستكبر وتنكر آيات خالقها، تنصب السورة ميزانها الصارم لتهدم محاولات التمييع البشري الخادعة والتي تتكرر عبر العصور
﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ﴾.
تساؤل استنكاري يعقبه حكم إلهي قاطع.
يزعم بعض أصحاب النظرات السطحية أن الفوارق تتلاشى وأن الجميع في النهاية سواء
القرآن يصحح هذا التصور الأجوف، ويفككه في مواضع شتى.
تقرأ باستمرار التوبيخ الصارم لذلك الخلط
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾،
وتسمع التعجب من تلك القسمة الجائرة: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
إنه الاستنكار المتكرر لأسوأ أحكام البشر حين يجمعون بين المختلفات ويسوون بين المتناقضات.
والقاعدة القرآنية تتأسس بوضوح شديد
الخلق يتفاضلون، والفوارق بينهم عميقة وحقيقية.
﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ… وَالْمُجَاهِدُونَ﴾
وتنسحب هذه المباينة أيضا على منازل المنفقين ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.
ويمتد قانون الفوارق ليشمل الطبيعة ذاتها
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ… وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾.
وتتوالى التساؤلات لتهز العقول الغافلة: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾،
﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾.
والإجابة الحاضرة دوما والتي لخصتها سورة السجدة
لا يستوون..
لا يستوون في مسار الدنيا ولا في مستقر الآخرة.
من المستحيل عدلاً وشرعا وعقلا أن يتساوى من أسلم قياده لرضوان الله، بمن مضى يعب من سخطه.
لذلك جاء تفصيل المصير في هذه السورة فاصلاً لا لبس فيه
﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا﴾ (سورة السجدة: 19)
ضيافةً وتكريماً، في مفارقة مرعبة لحال الفاسقين المحاصرين بالعذاب المتجدد
{وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (20)} (سورة السجدة)
ومع هذا المصير المرعب للمكابرين، تتجلى الرحمة الإلهية في مساحات الدنيا على هيئة ابتلاءات موجعة، قد تبدو قاسية في ظاهرها، لكنها عميقة الغاية في باطنها
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
يسمي القرآن كل بلاءات الدنيا عذاباً أدنى،
الأمراض، والأسقام، والآلام، وفقد الأحبة، وحتى إهلاك الأمم الغابرة بطوفان أو ريح صرصر = كلها مشاهد تبدو هينة وضعيفة التأثير إذا ما قورنت بذلك العذاب الأكبر الذي يعجز الخيال البشري عن الإحاطة بهوله.
هذه الآلام الدنيوية ليس شرطا أن يكون مقصدها الانتقام المحض..
هي في حقيقتها صافرات إنذار ومشارط جراحية دقيقة، تُستعمل لغاية واحدة
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
الألم يكسر غلاف الكبرياء، ويدفع الجبهة للسجود الطوعي قبل أن تُساق الأبدان إلى نكس الرؤوس بإجبار وذل.
وهنا نعود إلى غاية السورة ومقصدها الظاهر من اسمها
إلى تلك اللحظة التي تضع فيها جبهتك على التراب، لتكتشف أنك في الحقيقة ارتفعت…
تجاوزت جاذبية الطين لتقترب ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.
في السجود تتقلص مسافات الكون المهولة، وتُستعاد “ذاكرة العناية” الممتدة بينك وبين الخالق…
تتذكر كم مرة سألته فأعطاك
﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾
وكم مرة سجدت باكياً مختنقاً بالهم، ثم نهضت وصدرك منشرح، وقد خف وزن همك الثقيل، حتى وإن بقيت تفاصيل الخارج على حالها.
هذه الذاكرة المطمئنة هي ذاتها التي برّدت النار على إبراهيم، وآنست وحشة يوسف في غيابات الجب، وربطت على قلب مريم عند جذع النخلة، وأفاضت السكينة على زكريا حين نادى مناجاة الخبير
﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾.
هؤلاء أودعوا أعماقهم ذاكرة السجود والقرب واستشعروا بيقين تام أن دعاء الساجد يُختزن بعناية، ليُستجاب في اللحظة التي تُحيي القلب، بعيداً عن أمنيات العجلة البشرية القاصرة.
فكم من لطف خفي يتنزل عليك اليوم، كاستجابة مؤجلة لسجدة قديمة، ألصقت فيها جبهتك بالأرض وهمست “يا رب”؛ فانفتح لك في الغيب باب لا يُسد.
وحين تغادر الروح وتدخل مستقرك الأخير مقطوعاً عن كل شيء، سيكون أقصى ما يهفو إليه كيانك هو العودة لتلك الأرض، لتضع جبهتك ساجداً مطمئناً، كأنك تخبر التراب أنك تعرف هذا المكان..
تألف هذا السكون، وتعشق هذا القرب.
فأرجوك، تجنب تأجيل هذا الحنين حتى تصبح تحت أطباق الثرى. استدعه الآن في زمن تضخمت فيه الضوضاء وتكاد تتلاشى منه السكينة.
عد إلى أرض السجود حيث تتساقط الحاجة للمبررات وللشرح الطويل.
احفظ ذاكرة السجدة حية نابضة في صدرك، وإياك أن تدعها تذبل في زحام الأيام الموحشة.
من سجد بقلبه، كُتب له القرب قبل أن يُكتب له الفرج..
ومن عرف الأرض التي يُوضع عليها الجبين؛ عرف يقيناً إلى أين تُرفع الدعوات.
من كتابي «مفاتيح سور القرآن» الجزء الثاني

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق