علماء التصنيف الحيوي يملكون عناداً يثير الأعصاب
د. محمد علي يوسف
حين تصرخ في وجوههم بأن هذا الكائن الداكن الذي يتدلى من زوايا غرفتك هو قطعا «حشرة» يرمقونك بازدراء أكاديمي ويخبرونك بحسم ليس حشرة.. أنه من «العنكبيات» (Arachnids)، والسبب البسيط أنه يملك ثمانية أرجل ولا يحمل قرون استشعار!
حسنا… في قرارة نفسك لن تفرق معك التسمية الأكاديمية.. ستنظر إليه على أنه حشرة.. وستعامله على أنه حشرة وستحاول جاهدا إزالة شبكته إذا تكونت في بيت مغلق أو غرفة مهملة ولا أظنك ستلتفت كثيرا إلى سجلات الانبهار العلمي التي سيفتحها العلماء الذين أنكروا حشريته حين يحدثوك عن خيوطه.
لكن صدقني لو تأملت تلك السجلات والحقائق فستنبهر..
انبهارك سينبع أساسا من بديع صنع الله في هذا المخلوق أياً كان الوصف الذي ستطلقه عليه..
هذه الخيوط الشفافة تتفوق على الفولاذ نسبةً إلى وزنها في قوة الشد، وتتجاوز «الكيفلار» المضاد للرصاص في مرونتها.
لو افترضنا أن هذا الخيط الذي يبدو واهيا ضُفر منه كابل بسمك قلم الرصاص، فتشير الحسابات النظرية إلى قدرة تحمل مذهلة يمكنها إيقاف مركبة مسرعة!
تصور..
بيت العنكبوت هو بناء هندسي فائق التعقيد والمتانة، يقف أمامه العلم الحديث مشدوهاً.
بعد أن تتجاوز مرحلة الانبهار ببديع صنع الله الذي أتقن كل شيء.. ستتجلى لك صدمة عميقة في السورة التي حملت اسم هذا الكائن العجيب
{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)}
(سورة العنكبوت)
كيف يكون الأوهن وهو المبني من أحد أقوى المواد الحيوية على وجه الأرض؟
الإجابة يا عزيزي تكمن في الفارق الشاسع بين «قوة المادة» و«حقيقة المأوى».
البيت في تعريفه الفطري هو ملاذ..
جدار يصد الريح..
سقف يمنع المطر، وحصن يرد الأعداء.
ومأوى تسكن إليه..
بيت العنكبوت على قوة مادته يخلو تماما من كل هذه الصفات.
هو هيكل مكشوف، لا يقي حراً ولا برداً، وتكفي تمريرة عابرة من يدك أو مكنستك لتمزيقه وتحويله إلى عدم..
بيت العنكبوت هو مجرد «فخ» أُقيم لاصطياد الآخرين، ويفتقر لأدنى مقومات الحماية لصانعه.
الأعجب أن الوهن يتجاوز هشاشة المعمار ليصل إلى قاع الروابط الاجتماعية.
في عالم العناكب، أسوأ مكان يمكن أن تتواجد فيه هو هذا “البيت”.
في بعض فصائل العناكب؛ تلتهم الأنثى ذكرها فور انتهاء التلقيح..
في أحيان أخرى الأبناء يغتالون الأم بمجرد خروجهم للحياة.
نحن نتحدث عن بيت تأسست جدرانه على الخيانة والقـ.تل المتبادل.
أي بيت هذا؟
لا سكن ولا مأوى ولا حماية..
مجرد هيكل لجذب الفرائس
هذا هو التشريح الدقيق لمن يعتمد على قوة من دون الله.
الذي يرتهن للمال، أو الجاه والمنصب، أو شبكات النفوذ البشري هو يعيش الوهم ذاته.
إن القوة الظاهرية للمادة لا تصنع أماناً إن انقطعت عن مدد السماء.
وكل حصن يُرفع بعيداً عن ركن الله الشديد = مجرد شبكة خادعة، تنهار أركانها على من احتمى بها عند أول اختبار حقيقي.
من يتجاهل تلك الحقيقة سيشيد حول نفسه حصوناً تبدو في ظاهرها صلبة كخيوط الفولاذ، ويتوهم أنه أحكم نسج روابط لا يمكن اختراقها وستكفل له الأمان الدائم وتصد عنه تقلبات الأيام.
وعند أول هبة حقيقية لعواصف القدر وحين يشتد الاحتياج إلى الملاذ الآمن ستتجلى الفاجعة ويكتشف المحتمي بتلك الجدران المادية أن ما شيده لم يكن سوى خيوط واهية تتطاير في الفراغ العريض.
عندئذ سيدرك أن القلاع التي احتمى بها كانت قصورا على الرمال لن تلبث إلا وتنهار وتتركه للعراء.. وأن من احتمى بهم من بشر ربما يكونون أول من ينهش لحمه لتأمين بقائهم ومصالحهم..
تماماً كما تقتضي قوانين ذلك البيت الواهن.
بيت العنكبوت..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق