الأربعاء، 22 أبريل 2026

هل وجود الأعداء نعمة ؟

هل وجود الأعداء نعمة ؟

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

يعتقد الكثيرون منا أن وجود عدو في حياتنا هو مجرد بلاء أو حظ سيئ يجب الخلاص منه فوراً، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فوُجود الأعداء في حياة الإنسان هو جزء من طبيعة الدنيا وتدافعها، وللفلسفة وجهة نظر قد تبدو غريبة، فهي ترى أن الأعداء "مفيدون" في كثير من الأحيان، لأن العدو هو أكثر شخص ينبهك إلى عيوبك ونقاط ضعفك التي قد يتغاضى عنها أصدقاؤك مجاملةً لك، وهو الشخص الذي يراقبك بدقة، وبدلاً من أن يكون عائقاً، يمكن أن يتحول إلى "وقود" يحفزك لتطوير ذاتك وتحسين مهاراتك لتثبت لنفسك وللعالم أنك الأفضل، فالعدو يجعلك دائماً في حالة يقظة وانضباط، ويمنعك من الركون إلى الكسل، وبهذا المعنى، يصبح الخصم أو العدو شريكاً غير مباشر في نجاحك وبناء قوتك.


ومع مرور الزمن وتطور الحياة، تغير شكل "العدو" تماماً، ففي العصور القديمة كان العدو واضحاً، وهو الشخص الذي يحمل سلاحاً ليهجم على أرضك أو قبيلتك، وكانت المعارك تنتهي بانتصار أحد الطرفين جسدياً، أما اليوم، فقد أصبح للأعداء أشكال خفية، ناعمة، وأكثر تعقيداً، فقد يكون عدوك زميلاً يحاربك بـ "الكلمات" أو الدسائس في أروقة العمل، أو منافساً يحاول تشويه سمعتك عبر منصات التواصل الاجتماعي، أو حتى تياراً فكرياً يحاول زعزعة مبادئك وقيمك، وهذا التغير جعل العداوات أقل عنفاً في المظهر، لكنها أكثر استنزافاً للأعصاب والروح، مما يتطلب منا وعياً أكبر لمعرفة من هو الخصم الحقيقي، وكيف نتعامل مع أنماط العداوة الجديدة التي لا تستهدف الأجساد بقدر ما تستهدف عقولنا واستقرارنا النفسي.


فلذلك فإن واجبنا الحقيقي تجاه هؤلاء الخصوم، هو التفكير في "الاحتواء" قبل الصدام المباشر، فالحكمة لا تكمن في كثرة المعارك وكسبها، بل في القدرة على إبطال مفعول العداوة بذكاء وهدوء، والصدام المباشر يستنزف طاقتك ووقتك وصحتك، بينما الاحتواء يعني فهم دوافع الشخص الآخر ومحاولة استيعابه أو تحييده وتجنب شره دون الدخول في صراع يستهلكك، فيجب أن يظل الصدام هو الخيار الأخير والاضطراري فقط، حين يكون هناك تهديد حقيقي لا يمكن دفعه إلا بالمواجهة، وتذكر دائماً أن أرقى أنواع الانتصار هو أن تنجح وتتجاوز خصومك بوعيك وأخلاقك، فليس من العقل أن تضيع عمرك في ملاحقة كل حجر رُمي عليك، بل الحكمة في أن تواصل طريقك تاركاً ضجيج الأعداء خلف ظهرك، فالحياة أقصر من أن نقضيها في حلبات المصارعة، ولطالما آمن العرب قديماً أن الأعداء هم "مِحكُّ الرجال"، فبهم يظهر الصبر ويُصقل المجد، كما قال الشاعر: "جَزى اللهُ الشَدائِدَ كُلَّ خَيرٍ.. عَرَفتُ بِها عَدُوّي مِن صَديقي"، لذلك كانوا يرون في الخصومة فرصةً لكشف العيوب التي يسترها المقربون مجاملةً، مؤكدين بلسان حالهم أن "عدوٌ عاقل خيرٌ من صديق جاهل".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق