الثلاثاء، 14 أبريل 2026

بين الاستبداد والفوضى: كيف يوازن الفقه المقاصدي بين مقاومة الظلم وتجنب الانهيار؟

 بين الاستبداد والفوضى: كيف يوازن الفقه المقاصدي بين مقاومة الظلم وتجنب الانهيار؟

أحمد هلال‎

"النتائج المتوقعة معيار لا يقل أهمية عن تشخيص الظلم"- 

في المسافة الشائكة بين الاستبداد والفوضى، يقف العقل الفقهي والسياسي أمام سؤالٍ لا يقبل التبسيط: كيف يمكن مقاومة الظلم دون أن يتحول السعي إلى العدالة إلى بابٍ لخرابٍ أوسع؟ هذا السؤال ليس جديدا في تراثنا، لكنه اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، مع تعقّد الدول الحديثة وتشابك العوامل الداخلية والخارجية.

الفقه السياسي الإسلامي، في أحد مساراته الأكثر نضجا ومرونة، لا ينظر إلى السلطة باعتبارها قيمة في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق غاية أسمى: إقامة العدل وصيانة الكرامة الإنسانية. ومن هنا، فإن أي نظامٍ يتحول إلى أداةٍ للقمع الممنهج، ويُعطّل العدالة، ويصادر الحريات، إنما يفقد -تدريجيا- مبررات بقائه من منظور المقاصد، حتى وإن احتفظ بأدوات القوة.

لكن هذه النتيجة النظرية لا تفتح الباب تلقائيا إلى الدعوة للتغيير الجذري أو المواجهة المباشرة، فالمسار المقاصدي، بخلاف القراءات العاطفية أو الثورية المجردة، يضع الواقع في قلب الحكم، ويجعل من "النتائج المتوقعة" معيارا لا يقل أهمية عن "تشخيص الظلم" ذاته. فليس كل ظلمٍ يُزال، لأن بعض محاولات الإزالة قد تفضي إلى ما هو أشد وطأة وأطول أمدا.

الاستبداد مرفوض شرعا، لكنه لا يُقاوَم بأي ثمن، والعدالة مطلوبة، لكنها لا تُطلب بوسائل تؤدي إلى انهيارها الكامل


من هنا تتشكل معادلة دقيقة: الاستبداد مرفوض شرعا، لكنه لا يُقاوَم بأي ثمن، والعدالة مطلوبة، لكنها لا تُطلب بوسائل تؤدي إلى انهيارها الكامل. هذه الجدلية هي التي أنتجت ما يمكن تسميته بـ"سُلَّم التغيير"، حيث تتدرج الوسائل من الإصلاح السلمي، إلى الضغط المجتمعي، وصولا في حالات استثنائية إلى التغيير الجذري، بشروطٍ صارمة تكاد تجعل هذا الخيار الأخير نادر التحقق.

الإصلاح السلمي يظل الخيار الأول، ليس فقط لأنه الأقل كلفة، بل لأنه الأكثر انسجاما مع طبيعة المجتمعات المركبة. فالتغيير الحقيقي لا يحدث فقط بإزاحة سلطة، بل ببناء بديل قادر على إدارة الدولة دون الانزلاق إلى الفوضى. وهنا تكمن إحدى الإشكاليات الكبرى في تجارب التغيير المعاصرة: غياب البديل المؤسسي الواضح، أو ضعف القدرة على ضبط المرحلة الانتقالية.

وحين يفشل الإصلاح، يظهر خيار "المقاومة المدنية" بوصفه مساحة وسطى بين الخضوع الكامل والانفجار الشامل. هذا النمط من الحراك، إن أُحسن تنظيمه، يمكن أن يخلق توازنا تدريجيا، ويفرض كلفة سياسية على الاستبداد دون أن يفتح أبواب العنف. لكنه، بدوره، يحتاج إلى وعيٍ جماعي، وتنظيم، وقدرة على الصبر، وهي شروط لا تتوفر دائما.

أما التغيير الجذري، فهو في هذا المسار ليس حقا مطلقا، بل احتمالٌ مشروط، ولا يُنظر إليه من زاوية "الشرعية الأخلاقية" فقط، بل من زاوية "الإمكان الواقعي". هل توجد قدرة حقيقية على التغيير؟ هل هناك بديل أفضل؟ هل يمكن تجنب الانزلاق إلى صراع دموي؟ هذه الأسئلة ليست ترفا فكريا، بل هي جوهر الحكم ذاته.

في هذا السياق، تصبح قضايا مثل الاعتقال الواسع، وتقييد الحريات، وغياب العدالة، علاماتٍ على خللٍ عميق في بنية النظام السياسي. فهي لا تمثل فقط انتهاكاتٍ قانونية، بل تمس جوهر المقاصد التي قامت عليها فكرة الحكم في الإسلام: حفظ النفس، وصيانة الكرامة، وتحقيق العدل. غير أن الإقرار بهذا الخلل لا يعني تلقائيا أن كل وسائل مقاومته مشروعة أو حكيمة.

التحدي الحقيقي إذن ليس في توصيف الواقع، بل في اختيار المسار. فالمجتمعات لا تعيش في فراغ، وأي محاولة للتغيير يجب أن تأخذ في الحسبان موازين القوة، وتركيبة الدولة، واحتمالات التدخل الخارجي، وطبيعة النسيج الاجتماعي. التغافل عن هذه المعطيات قد يحوّل النوايا الحسنة إلى كوارث تاريخية.

بين الاستبداد والفوضى، لا يكفي أن نختار الموقف الأخلاقي الصحيح، بل يجب أن نختار الطريق الأقل كلفة للوصول إليه


ما يقدمه المسار المقاصدي، في جوهره، هو دعوة إلى العقلانية الأخلاقية: أن نتمسك بالمبادئ دون أن نفقد البصيرة بالواقع، وأن نرفض الظلم دون أن نقع في فخ التهور، وأن نبحث عن التغيير لا بوصفه لحظة انفجار، بل عملية تراكمية معقدة.

وفي النهاية، لا توجد وصفة جاهزة تصلح لكل زمان ومكان؛ لكن يمكن القول إن المجتمعات التي تنجح في تقليل كلفة الصراع، وبناء بدائل تدريجية، والحفاظ على حد أدنى من الاستقرار، هي الأقرب إلى تحقيق انتقال حقيقي نحو العدالة. أما تلك التي تختزل المسألة في ثنائية إما الخضوع أو الانفجار، فغالبا ما تدفع أثمانا باهظة، دون أن تضمن الوصول إلى ما خرجت من أجله.

بين الاستبداد والفوضى، لا يكفي أن نختار الموقف الأخلاقي الصحيح، بل يجب أن نختار الطريق الأقل كلفة للوصول إليه. وهذا، في جوهره، هو التحدي الأكبر الذي لا يزال مفتوحا أمام العقل السياسي في عالمنا العربي.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق