التطبيع الحلو والتطبيع المر
تبدو المسافة أبعد من بعد المشرقين بين موقفي الحكومات والشعوب العربية، بشأن مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني، إذ ثمّة اندفاع هستيري للأنظمة العربية في هذا الاتجاه، يقابله امتناع شعبي طاغٍ عن تعاطي هذا الدواء القاتل الذي تريد الحكومة اللبنانية، كمثال، تجرّعه، بوصفه العلاج الوحيد المُتاح لقضايا الاقتصاد والسياسة.
كلّ هذا مفهوم وتُدركه الحكومات والشعوب معاً، أمّا غير المفهوم حقًاً فهو هذا الإصرار من بعض وسائل الإعلام على ممارسة التطبيع، بالمعنيين، الحرفي والاصطلاحي، له، من خلال استضافة وجوه صهيونية على شاشات عربية للاشتباك معها حول مسألة أنّ الشعوب ترفض التطبيع،
فهل يستقيم منطقاً أن تحارب التطبيع بممارسة التطبيع؟
يبدو أنّنا سنضطر إلى تعريف التطبيع للمرّة الألف، ربما، ولنتخذ مثالاً ما استقرّت عليه نقابة الصحافيين المصريين منذ ثمانينيات القرن الماضي، والتي حدّدت موضوع التطبيع في:
التطبيع المهني والنقابي:
ويشمل تبادل الزيارات بين أعضاء النقابة وأعضاء المُنظّمات أو الروابط الصحافية الإسرائيلية. ...
الممارسات الصحافية المباشرة:
يُمنع إجراء مقابلات صحافية مع مسؤولين إسرائيليين أو التعاون مع وسائل إعلام تابعة للاحتلال. ... الزيارات الميدانية: يُحظر على الصحافيين زيارة الأراضي المُحتلة بتأشيرة إسرائيلية أو عبر قنوات رسمية تابعة للاحتلال.
... المشاركة في فعاليات مُشتركة:
يمتدّ الحظر ليشمل حضور مؤتمرات، أو ورش عمل، أو مهرجانات تشارك فيها جهات إسرائيلية رسمية، حيث يُعتبر ذلك نوعاً من إضفاء "الصبغة الطبيعية" على وجود الاحتلال. ... أن يستضيف مذيع عربي شخصية صهيونية، ويتبادل معها المناقشات والقفشات ثم يهلّل بعضهم:
الله عليك، يا أستاذ، لقد أحرجته. لقد أفحمته!
السؤال هنا:
هل يختلف مفهوم التطبيع من فترة إلى أخرى، وبالتالي يختلف الرأي فيه باختلاف المراحل والأشخاص؟
الشاهد أنّ الكيان الصهيوني كما هو، بل ازداد إجراماً وتوحّشاً وعنصرية، والاحتلال توسّع وانتقل من الحدود التي كان يقف عندها عندما افتتح العرب (مصر أنور السادات) مسار التطبيع، إلى حدود جديدة في عمق لبنان وسورية وفلسطين، ويحلم بالمزيد. وبالتالي، تنتفي مبرّرات التعاطي معه بالتطبيع الإعلامي، بزعم كشفه أو فضحه، عبر استضافته وإلقاء الأسئلة والاتهامات عليه، فهذا بالضبط ما يتمناه الصهيوني، أن يكون وجوده معك عاديّاً، حتى لو هزّأته وسخرت منه وهزمته في الجدال.. وفي نهاية اللقاء تبتسم، ساخراً أو مُنتشياً وتشكره على وقته معك.
هذا تطبيع بائسٌ ورخيص لا يزال مستمّراً على شاشات عربية، منها "الجزيرة مباشر" التي استضافت صهيونيّاً وقحاً تكلّم عن اصطفاف دول عربية، منها "الشقيقة مصر"، بحسب ما قال الإسرائيلي، ضدّ إيران ومحور المقاومة، ليدخل معه المذيع في وصلة من التحدّي العبثي بأنّ الشعب المصري يرفض التطبيع، ويأبى أن يصف متحدّث صهيوني مصر بالشقيقة...
يا له من بؤسٍ تطبيعيٍّ زاعق، غير أنّ الأكثر بؤساً أن يساير بعض الجمهور هذه اللعبة ويصيح:
الله عليك، يا أستاذ، لقد أفحمته ولقنته درساً، وكأنّه يصفّق لأسوأ أشكال التطبيع وأخطرها.
سيُقال لك، في هذا الصدد، إنّ هذا يخدم قضية الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال عن طريق دحض مزاعم العدو وأقواله.
هذا هراء آخر، حيث لا يوجد فلسطيني عاقل، يتمسّك بحقّه في التحرّر من الاحتلال ومقاومته، يمكن أن يوافق على وجود وجوه وأصوات قاتليه على منصّات الإعلام العربي.
وهنا يمكن الرجوع إلى أدبيات حركات المقاومة الفلسطينية ووثائقها في هذا الخصوص، حيث اجتمع ممثلون للفصائل الفلسطينية والمؤسّسات الصحافية في غزّة في 20 فبراير/ شباط 2021 ووقّعوا ميثاق شرف لمواجهة التطبيع الإعلامي، نصّ على التعهّد بعدم الظهور على أيٍّ من المنصّات التابعة للاحتلال تحت أيّ مُبرّر، وعدم استضافة أو دعوة أو التعامل بأيّ شكل مع أيّ ممثّل رسمي أو غير رسمي للاحتلال على أيٍّ من الوسائل الإعلامية، وتجريم مشاركة الصحافيين والمؤسّسات الصحافية والعربية في مؤتمرات وندوات وورش عمل مع الصحافيين والإعلاميين والمؤسّسات الإعلامية الإسرائيلية.
مؤسفٌ أنّ المواقف من التطبيع باتت تتباين بحسب فاعله، فيكون حلوًاً إن مارسه من ننحاز له، ومُرًاً لو جاء ممن نقف ضدّه. ومرّة أخرى: بالفطرة، وبالمنطق، وبالمعادلات الحسابية البسيطة، فإنّ كلّ خطوة تقرّبك من الكيان الصهيوني، تبعدك عن فلسطين، وأيّ مساحات ممنوحة للصهيوني كي يقوم بتسويق روايته، هي في اللحظة ذاتها مساحات مُقتطعة من الفلسطيني المُعتدى عليه وصاحب الحقّ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق