أنت لست أنت.. وبورديو يعرف لماذا
منذ اللحظة التي نفتح فيها أعيننا على هذا العالم، لا نبدأ حياتنا كأفراد، بل كصدى لمحيطنا.
نحن مشاريع إنسانية قيد التشكيل، تتجاذبها أيادي الأبوين ومقاعد الدراسة وضجيج المجتمع، لنغدو في نهاية المطاف نسخاً منقحة من قناعات الآخرين.
نعيش في سجن مفتوح من البرمجة الاجتماعية، نتبنى طموحات لم نخترها، ونرتدي أثواباً فكرية فصلها لنا غيرنا، ظانين بسذاجة أننا نمسك بزمام القرار، بينما نتحرك وفق خوارزميات بشرية صامتة زرعتها فينا عقود من التنشئة التي لم نُسأل يوماً عن موافقتنا عليها، وما نسميه تطوراً قد لا يكون سوى تدجين أكثر تعقيداً لأنفسنا داخل القوالب الجاهزة.
هنا يبرز ما يمكن تسميته بالتنظيف الذاتي، لا كدعوة تبسيطية للتحرر السطحي، بل كعملية جراحية معرفية قاسية لإزالة الأنسجة الميتة من وعينا.
غير أن ثمة سؤالاً يُزعج هذه الفكرة من الداخل ولا يمكن تجاهله: إذا كانت أدوات التفكير ذاتها التي نستخدمها للتحرر قد صنعها المجتمع أيضاً، فبأي مطرقة تكسر القفص إن كانت المطرقة نفسها جزءاً منه؟
هذا ما أشار إليه بورديو حين تحدث عن الهابيتوس، ذلك التشكيل العميق للإدراك الذي لا يقتصر على ما نفكر فيه، بل يمتد ليشمل كيف نفكر، وما الذي يبدو لنا قابلاً للتفكير أصلاً.
الأمر أعمق من برمجة، إنه إعادة تشكيل للعقل من الداخل.
التنظيف الذاتي إذن ليس وقفة مراجعة مريحة، بل هو مواجهة مع احتمال مقلق: أن جزءاً من الزنزانة قد يكون في بنية العقل لا في جدران الغرفة.
ومع ذلك، لا يعني هذا الاستسلام للفكرة المريحة بأن التحرر مستحيل. يعني فقط أنه أصعب وأعمق مما تبيعه كتب التنمية الذاتية.
إن الأنا ليست سوى حارس السجن الذي يهمس في أذنك بأن القيود هي الأمان، وأن الخروج منها خطر يستحق الخوف. تفكيكها لا يعني إلغاء الذات، بل يعني أن تتوقف عن الدفاع عن هوية بناها الخوف لا الاختيار.
والمفارقة المؤلمة أن كثيراً ممن يشرعون في رحلة التنظيف الذاتي لا ينتهون إلى الحرية، بل إلى سجن آخر أكثر أناقة. يتركون قناعات مجتمعهم الأصلي ليتبنوا بحماس قناعات مجتمع التحرر، من أيديولوجيا الوعي إلى طقوس اليقظة الذهنية إلى أسواق التنمية الذاتية التي تبيع الحرية في علب مرتبة. وهكذا تتكرر الدائرة، لكن بمفردات مختلفة وأثمان أعلى.
التحرر الحقيقي لا يعني الوصول إلى بر الأمان الفكري، بل يعني أن تظل في حالة مساءلة دائمة لقناعاتك، بما فيها قناعتك بأنك تحررت.
مواجهة ما ورثناه من مكبوتات ثقافة الخوف والامتثال تتطلب جرأة من نوع مختلف؛ ليست جرأة التمرد الصاخب الذي يستبدل سلطة بأخرى، بل جرأة الوقوف في الفراغ دون أن تملأه على الفور بيقين جديد. لأن الإنسان الذي لا يطيق الفراغ الداخلي سيظل يبحث عن قالب يسكنه، ولن يفرق في النهاية كثيراً بين قالب فرضه عليه مجتمعه وقالب اختاره بنفسه من رف المكتبة.
بعد كل هذا الكنس المعرفي، تبرز الحقيقة المرة: أن الجزء الأكبر مما نسميه هويتنا كان قشرة خارجية.
ويبقى السؤال الذي لا تريحك إجابته: إذا نزعت عن نفسك كل ما علقه المجتمع عليك من ألقاب وتطلعات وأوهام، فهل ستواجه في المرآة كائناً تعرفه، أم ستكتشف أنك كنت غريباً عن نفسك طوال الوقت؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق