الخميس، 16 أبريل 2026

الحرب على الإرهاب: كيف تحولت إلى ذريعة لتدمير الدول؟

 الحرب على الإرهاب: كيف تحولت إلى ذريعة لتدمير الدول؟

خليفة آل محمودخليفة آل محمود 

محامٍ ومدون سياسي، قطري

 تظهر التجربة أن من يقطف ثمار هذه الحروب في الغالب ليس من خاضها بل من أشعلها وأدار مسارها ويراقبها من بعيد 

عام 2001 دشن مصطلح جديد هو "الحرب على الإرهاب"، ووقف الرئيس الأمريكي أمام شعبه ليقول: من ليس معنا فهو ضدنا.

بهذه النظرة، قسمت أمريكا دول العالم لأول مرة في التاريخ إلى قسمين: إما التأييد، وإما أن تصنف في خانة الأعداء، لتغادر وفودها عواصم الدول محذرة ومهددة، حتى قيل للباكستانيين مثلا: إما التعاون في الحرب أو الإعادة إلى العصر الحجري، كما ذكر الرئيس الباكستاني برويز مشرف.

وأمام هذا الواقع، اندفعت الدول للمشاركة في هذه الحملة بدافع الخوف، أو ربما بدافع التخلص من خصومها من خلال الاستفادة من هذه التهمة المعلبة. ولكن، ونحن في عام 2026، يبرز سؤال جوهري: ما نتيجة كل ما حدث؟ وللإجابة، لا بد من العودة إلى ما قبل ذلك بسنوات طويلة.

لا يسأل عن الدمار أو التهجير أو شلالات الدماء، بل يتوقف كل شيء عند مبرر واحد: الإرهاب، ولكن ما كان يجري هو "فوضى خلاقة"، كما وصفتها كونداليزا رايس، وزيرة خارجية أمريكا آنذاك

في بداية الخمسينيات بدأت ظواهر إقصاء جزء مهم من المجتمع، وأصبح غالب المجتمعات العربية عبارة عن حكومات عسكرية لا تسأل عن نتائج أعمالها، وسجناء جريمتهم إبداء رأيهم، والناس أمام خيارين: إما الصمت أو السجن.

وبناء على ذلك، لم تنشأ مجتمعات صحية وسليمة، بل ساد الاستبداد واختلت القيم، فأصبحت الوجاهة لمن لا قيمة لهم، بينما ألصقت صفة الإجرام بالمفكرين والعلماء، وانعكس ذلك حتى على الأدب؛ فبرزت أعمال راقية كتبت في السجون، مقابل ضعف وهشاشة وإسفاف في الإنتاج الثقافي في الحياة العامة، وكان الزج في السجن يسوَغ له غالبا بمبررات قانونية أو اتهامات بالسعي للوصول إلى السلطة.

والمفارقة أن هذا الأسلوب، الذي استخدم للتمسك بالسلطة وإقصاء الخصوم، لم يدرك أصحابه أنه سيتحول لاحقا إلى أداة يستخدمها الآخرون ضدهم؛ فقد أصبح مبررا للتدخل الخارجي، وذريعة لاحتلال دول وتغيير أنظمتها، بل وتبريرا لارتكاب جرائم وإراقة بحور من الدماء وإزالة مدن كاملة من على الخارطة.

وفي امتداد لهذا المسار، خيضت حروب كثيرة في السنوات الماضية بسردية واحدة: "الإرهاب"، وأصبحت تلك الكلمة مشروعا كبيرا تبني عليها الدول إستراتيجيتها.

"الإرهاب" كلمة فضفاضة دون توصيف دقيق، تحولت إلى مفتاح ماستر يفتح كل أبواب المنطقة، بل مبرر لكل الجرائم المرتكبة؛ فأمريكا تقصف اليمن وأحرق الفلوجة في العراق بالفسفور الأبيض باسم محاربة الإرهاب، وبشار قتل السوريين بالكيماوي باسم محاربة الإرهاب، وروسيا جعلت مدن الشيشان ركاما باسم محاربة الإرهاب، وغير ذلك كثير.

لا يسأل عن الدمار أو التهجير أو شلالات الدماء، بل يتوقف كل شيء عند مبرر واحد: الإرهاب، ولكن ما كان يجري هو "فوضى خلاقة"، كما وصفتها كونداليزا رايس، وزيرة خارجية أمريكا آنذاك.

تلك الحروب تذكرني بمجموعة رياضيين كانوا في معسكر للجيش، وفرض عليهم الجزاء كما يحدث في كل المعسكرات، وهو أن يلعبوا مباراة كاملة لمدة تسعين دقيقة دون كرة قدم وبوجود حكم! يقول أحدهم: كنا نركض، نمرر، نحتج، نحصل على بطاقات، وتحتسب ركلات جزاء، بل وتهدر أيضا، وكل ذلك دون وجود كرة أصلا… مشهد عجيب ومضحك ومرهق، لكن الخوف من عقوبة أشد جعل الجميع يتعامل معه بجدية كاملة.

بهذا المعنى، يبدو كثير من الحروب في منطقتنا أشبه بتلك المباراة؛ الجميع يشارك، والقواعد موجودة، لكن الأساس غائب، وفي النهاية هناك من سيأخذ النتيجة لنفسه، وهو الذي يراقب المشهد العابث في الظل من بعيد.

في أول انتخابات نزيهة في الجزائر، حاز الإسلاميون نحو 80%، وكان لهم الحق في تشكيل الحكومة، ليتدخل الجيش وتجهض التجربة، وتدخل البلاد في نفق مظلم استمر سنوات

وبالعودة إلى أحداث سبتمبر/أيلول، نجد أن وسائل الإعلام امتلأت برجال دين ومفكرين ومحللين، يحذرون من ظاهرة الإرهاب وخطورتها، وينبهون الشباب بشأنها، ويصفونها بأنها وباء على المجتمعات.

اعتدنا على تلك العمائم في كل تفجير وحدث، وكان الإسلام- دين السلام والسكينة- بحاجة إلى تبرير دائم! لكن، وبعد سنوات طويلة من هذا التحشيد، تظهر محطات مفصلية تستحق التوقف.

ففي أول انتخابات نزيهة في الجزائر، حاز الإسلاميون على نحو 80%، وكان لهم الحق في تشكيل الحكومة، ليتدخل الجيش وتجهض التجربة، وتدخل البلاد في نفق مظلم استمر سنوات، لكن السؤال الأهم هنا، والذي أتت الانتخابات بجوابه: من يملك الشارع؟

السؤال الذي يتكرر أمام جميع الحكومات: أنختار البناء، أم نستمر في إلقاء الموارد في محرقة لا تكتفي، وتقول: "هل من مزيد"؟

واليوم، ونحن في عام 2026، وبعد سنوات من محاربة هذه الظواهر، تتضح النتائج: احتلال مدن، وتدمير أخرى، والسيطرة على منافذ مهمة، واستنزاف شامل.. كل ذلك تحت عنوان واسع هو "محاربة الإرهاب"، في مشهد لا يبتعد كثيرا عن مباراة لعبت دون كرة.

ومن هنا، تتضح دلالة العبارة: "درهم وقاية خير من دينار علاج"؛ فدول العالم العربي أمام خيارين واضحين: إما الاستثمار في الداخل عبر التنمية والاستقرار وفتح قنوات النقاش، أو الاستمرار في استخدام أدوات الاستبداد، التي قد تتحول لاحقا إلى مبرر لتدخل خارجي؛ فالحرب على الإرهاب بدأت في الداخل وانتهت بتدخلات من الخارج، فضلا عن خسارة في الأموال والدماء.

السؤال الذي يتكرر أمام جميع الحكومات: أنختار البناء، أم نستمر في إلقاء الموارد في محرقة لا تكتفي، وتقول: "هل من مزيد"؟

ختاما: تظهر التجربة أن من يقطف ثمار هذه الحروب، في الغالب، ليس من خاضها، بل من أشعلها وأدار مسارها ويراقبها من بعيد.. وتستمر القصة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق