مضر أبو الهيجاءبعد أن تنخَّم ملالي إيران نخامةً كبيرةً وقبيحةً، وبصقوها على القضية الفلسطينية وروّادها ومجاهديها في لقائهم مع الأمريكيين في باكستان، فإن الفلسطيني الذي يمتلك حدًّا أدنى من الفهم والانتماء والكرامة، لا يمكن إلا أن يُعيد حساباته، ويُبدِّل تصوّره حول النظام الإيراني وخلفية علاقته مع القضية الفلسطينية ومسألة المقاومة المرتبطة بها.
إن الفلسطيني الذي يمتلك كرامة — بغضّ النظر عن دينه — لا يمكن إلا أن يُعيد حساباته، بعد أن تعامى ملالي إيران عن كل مفردات وواقع وحاجات فلسطين، وذلك أثناء تفاوضهم مع الأمريكيين، في حين لم يتنازلوا — حتى آخر نفس — ولو لقطف ثمرة لصالح امتدادهم الأصيل وحزبهم القابع في لبنان.
وكما يعتبر اليهود العرب “جوييم” وبهائم تستحق القتل، فإن أبناء مشروع ولاية الفقيه الإيراني الطائفي يعتبرون المسلم المتّبع لكتاب الله، والمقتدي بسنة رسول الله ﷺ، كائنًا رخيصًا لا يستحق أي بذل؛ بل أمامه خياران: إما أن يُمتطى كالدواب والبهائم، وإما أن يُقتل في سياق التقرّب إلى الله — بزعمهم — وحبّ آل البيت وطاعة إمام الزمان.
إن الفلسطينيين المعذورين بالجهل سابقًا لم يعودوا كذلك اليوم؛ فقد شهد الحجر والشجر قبل البشر بجرائم النظام الإيراني الطائفي ضد المسلمين والأبرياء في العراق واليمن والشام والأهواز ولبنان، وأخيرًا — وليس آخرًا — غزة وفلسطين، الأمر الذي يشير إلى شبهة الاستكبار وبطر الحق لدى من أصرّ على موقفه المساند والمروّج لمشروع العدو الإيراني.
الشيخ صالح العاروري والتوبة من لوثة إيران
كان الشيخ صالح العاروري رجلًا داعيةً قرآنيًا ومجاهدًا، قضى جزءًا كبيرًا من حياته في السجون الإسرائيلية، الأمر الذي جعله مغيَّبًا وجاهلًا بحقيقة إيران، إلى الدرجة التي كان يقول فيها لمن حوله إنه بحث في الكتب — على حدّ قدراته العلمية — ولم يجد فروقًا كبيرة بين السنة والشيعة.
وقد انزلق الشيخ العاروري، كما غالبية قيادات حماس والجهاد، في تمجيد ملالي إيران والتعويل عليهم سياسيًا وعسكريًا. وما إن انطلقت معركة 7 أكتوبر — بتنسيق رفيع حول الفكرة والإعداد لها مع إيران وامتدادها في الساحات الخمس — حتى اتّضحت الورطة الكارثية، حين رفض حسن نصر الله الدخول في المعركة وفق الاتفاق المسبق مع حماس، وذلك على خلفية رفضٍ ومنعٍ إيرانيٍّ للحزب من الدخول.
بل أصرت الشخصيات الإيرانية على جهلها بالعملية، وقدّمت ضمانات عالية للأمريكيين بعدم توسع الحرب إقليميًا، وذلك في سياق استخدامها للرصيد الفلسطيني ودماء المجاهدين وشعب فلسطين حتى آخر قطرة دم، وحائط وبستان وبيت، في سياق معارك نفوذها، معتبرةً فلسطين وغزة والمقاومة دابةً تُمتطى وتُستخدم لهذا الغرض.
وما إن بدأت المعركة، حتى تصاعد الخلاف بين الشيخ صالح العاروري وحسن نصر الله في أكثر من موقف، حيث لم ينجح العاروري في إزاحة الحزب قيد أنملة عما رسمته له إيران من حدود عدم التدخل، إلا في نطاق محدود يحفظ الجمهور ويحاكي الحاضنة ولا يغيّر في موازين المعركة.
وقد كان هذا الخلاف سببًا في خروج العاروري من لبنان، حيث توجّه مع إسماعيل هنية إلى طهران، في محاولة للضغط على القيادة الإيرانية للدخول في الحرب إلى جانب المقاومة، لا سيما بعد أن دفعت حركة حماس بكل قوتها، وربطت مصيرها بهذه المعركة.
غير أن الرد الإيراني جاء مخيبًا؛ إذ قال لهما الخامنئي إن الأفضل أن تحققا “شرف النصر منفردين”، فعادا خائبين، وقد تكشّف لهما حجم الفجوة بين التصورات والواقع.
صالح العاروري: اغسلوا أيديكم من إيران
عاد الرجل حزينًا مهمومًا، وقد وجد نفسه وحركته وشعبه في مواجهة مصير ثقيل دون سند حقيقي، بعد أن بُنيت الحسابات على مفهوم “وحدة الساحات”. وفي هذا السياق، نُقل عنه قوله لرفاقه:
اغسلوا أيديكم من إيران وحزبها في لبنان، وأنا قد غسلت يدي.
ثم عاد إلى بيروت، مدركًا حجم المخاطر المحدقة به، قبل أن يُستهدف ويُقتل، رحمه الله وتقبله في الشهداء.
يحيى السنوار وإسماعيل هنية
ولو قُدِّر ليحيى السنوار وإسماعيل هنية أن يطّلعا على مواقف إيران في مسارات تفاوضها مع الولايات المتحدة في باكستان ومن قبلها عمان، لكان ذلك سببًا كافيًا لإعادة النظر جذريًا في طبيعة العلاقة معها، وهو ما ينطبق على كل من يسعى إلى مراجعة موقفه انطلاقًا من معايير الكرامة والاستقلال في القرار.
إنَّ كلَّ فلسطينيٍّ يتَّصفُ بالكرامة أو يبحثُ عن الهداية، لا بدَّ أن يُعيدَ النظرَ في مشروعِ ملالي إيران. وأمّا من ظلَّ سائرًا في طريقِ الغواية، فتلك وضاعةٌ ونذالة. وأمّا من عَلِمَ واستكبرَ فإنه أمام مخاطرَ عظيمة، ومن كان هذا حالُه مستكبرًا يبطرُ الحقَّ ويرفضُه، فإنَّه لن يَرَ ريحَ الجنَّة، وذلك هو الخسرانُ المبين.
مضر أبو الهيجاء فلسطين/جنين 17/4/2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق