الخميس، 30 أبريل 2026

«جون فروم».. وطوائف البضايع

 «جون فروم».. وطوائف البضايع

د. محمد علي يوسف 


في جزيرة نائية من أرخبيل فانواتو بالمحيط الهادي كان المشهد يبدو لمن يراه غريبا جدا كأنه مقتطع من رواية خيالية..

رجال من قبائل بدائية يقفون في صفوف منتظمة على مدرج ترابي ممهد بأيديهم، يرفع بعضهم أعلامًا مصنوعة من الخيزران، ويرتدي آخرون سماعات رأس خشبية وهمية منحوتة بعناية، بينما تنتصب في طرف الساحة طائرة كاملة من القش والخشب..

طائرة شكلا فقط لكنها لا تطير ولا تتحرك، بيد أنها تُعامل بوقار كأنها طقس مقدس.

هنالك نشأت ظاهرة من أعجب ما سجله علماء الأنثروبولوجيا وأطلقوا عليها اسما غريبا.. 

طوائف البضائع Cargo Cults

ما الذي دفعهم لهذا الطقس العجيب وكيف رغم بدائيتهم صنعوا هذا المجسم لطائرة حديثة

القصة باختصار أنه خلال الحرب العالمية الثانية، كان سكان تلك الجزر يعيشون حياة بدائية معزولة تماما عن العالم..

فجأة، هبطت عليهم القوات الأمريكية وبنت قواعد ومطارات، وبدأت الطائرات تُسقط على القبائل شتى صنوف البضائع استمالة لهم..

طعام،

معدات،

ملابس..

أدوية..

كل ذلك كان يلقى عليهم من السماء في مشهد بدا للسكان المحليين وكأنه رزق سماوي يهبط عليهم من الغيب.

بعد أن تلقى البضائع كان الجنود يهبطون، يفرغون حمولاتهم، ثم تقلع الطائرات من جديد تاركة وراءها دهشة لم تعرف لها تلك مجتمعاتهم البسيطة تفسيرًا.

وحين انتهت الحرب، رحل الأمريكيون، وانقطع سيل الهدايا النازل من السماء..

هنا نشأت في تلك القبائل جماعات أشهرها حركة عرفت باسم John Frum movement حركة جون فروم

 آمن أتباع هذه الحركة بقدوم شخصية غامضة تُدعى «جون فروم»، يُعتقد أنها ستعود يومًا محمّلة بالخيرات والحمولات كما كانت الطائرات العسكرية تفعل زمن الحرب.

لا أحد يجزم حتى اليوم من هو جون فروم..

هل كان جنديًا أمريكيًا حقيقيًا، أم هو اسم محرّف لعبارة سمعها السكان من الجنود مثل «John from America»، أم هو رمز أسطوري تشكل في الذاكرة الجماعية.

مع مرور الزمن، تحولت الفكرة إلى عقيدة طقسية كاملة، لها احتفالاتها السنوية، وأعلامها، واستعراضاتها التي يعيد فيها الأتباع تمثيل مشاهد استقبال الطائرات، وكأنهم يحاولون استدعاء المعجزة الغائبة عبر إعادة إنتاج طقوسها الخارجية.

شقوا مدارج هبوط رمزية، بنوا أبراج مراقبة من الخشب، صنعوا نسخًا بدائية من الطائرات، وأعادوا تمثيل الطقوس الخارجية التي رأوها بأعينهم، على أمل أن تعود السماء إلى إرسال شحناتها.

لم يكن الأمر سذاجة بالمعنى التبسيطي الذي صوّرته الأدبيات الاستعمارية القديمة،

بعض علماء الإنسانيات يعتبرونها محاولة بسيطة لفهم ظاهرة التُقط ظاهرها، وغابت منظومتها العميقة.

لقد رأوا النتيجة..

البضائع في صورتها النهائية والطائرات التي ألقت بها لكنهم لم يروا المصانع، ولا شبكات الإمداد، ولا قوانين الطيران، ولا البنية الحضارية المعقدة التي تقف خلف مشهد الطائرة الهابطة.

والعقلية الوثنية ترجمت ذلك إلى طقوس تستدعي ما اعتبرته معجزة..

هكذا يميل الوثني للتبسيط

وكذلك فعلت قريش حين جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بالنور المبين

“وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِن رَّبِّهِ”

والحق أنه قد جاءهم بالآية الكبرى ذاتها، لكن الأبصار التي أدمنت المشهد العابر عجزت عن رؤية المعجزة المقيمة.

كان لابد في تصورهم من معجزة حسية..

شيء مادي ينزل من السماء..

عصا تنقلب حيّة، أو جبلًا يصير ذهبًا، أو نبعًا ينفجر من الصخر أمام أعينهم.

المشهد المادي الخارق هو ما يطلبونه، لأن الإدراك البشري حين يتعلق بالعَرَض المرئي، يميل إلى اختزال الحقيقة كلها في لحظة واحدة لابد أن تثير الدهشة.

هنا يأتي الرد القرآني ليحرر العقل من هذه الطفولة الإدراكية ويرتقي به من منطق المشاهدة الظاهرة إلى منطق الفهم والاستيعاب

“أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ”

 الإيمان لا ينبغي أن يكون رهينة الصدمة البصرية.

إن المعجزات الحسية ستُبهر العين لحظة، ثم ستنتهي بانتهاء شهودها، وتتحول مع الزمن إلى قصة تروى..

لكن القرآن معجزة من نوع آخر..

هو نوع يحمل إدهاشا بلا شك لكنه لا يتوقف عند حدود الدهشة وإنما يعبر إلى منطقة التفكر والذكرى..

هو لا يصعق الحواس ليخطف الانتباه ولكنه يبني القلب والعقل والروح من الداخل، طبقة فوق طبقة.

الوحي هنا يستبدل الصدمة البصرية المؤقتة بالبناء المستمر.

ينقل الإنسان من موقع المتفرج السلبي الذي ينتظر خرقا للطبيعة يتنزل من السماء إلى موضع المتدبر الواعي الذي يُستدعى إلى الفهم والتغير..

أما الإصرار على طلب الخوارق المادية بعد هذا القرآن الذي يكفيك فهو ليس بحثًا عن دليل جديد

هو في جوهره هروب من الجهد الذي يتطلبه التفكر.

رغبة في حقيقة جاهزة، مكتملة، تهبط على العقل بأجنحة من السماء دون أن يكلف المرء قلبه وفكره عناء الصعود إلى فهم ما وراء الأشياء…

لهذا تحسم الآية التالية الأمر بوضوح ويتكرر لفظ الكفاية..

قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا ۖ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

الشهادة الإلهية وحدها تكفي.

خالق الكون، ومدبره ومن صنع قوانينه، يعلم أن الإيمان الذي يولد من انبهار لحظي قد يذبل بزوال المؤثر أما الإيمان الذي يُبنى عبر الوعي والفهم، فيرسخ في القلب عميقا ثابتا..

ولهذا جاءت الخاتمة فاصلة لا لبس فيها:

“وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ”

والخسارة تبدأ من هنا قبل الآخرة.

 خسارة عقل يقف أمام كتاب يكفيه ما فيه فيدير ظهره له باحثًا عما يخطف بصره.. فإن لم يجده منزلا أمام عينيه مبهرا زعم انعدام وجود الدليل..

والدليل لم يكن غائبًا قط.

العطب كله كان دائما في جهاز الاستقبال الذي لم يلتقطه..

ولم ولن يكتفي..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق