قرى الكوابيس والرعب
محمد صالح البدراني
صراع الكوابيس والأوهام:
لحظة صراحة مواطن تعوّد تحمل الهموم والعيش في بلاد الخوف والرعب، بدل أن تخدمه السلطات يخدمها وهي بدل أن تحميه تظلمه، فإن لم يشبعها لحمه قرقشت عظمه، وبلغنا ما بلغنا من التخلف. لقد أسمى الله جل وعلا أوطان الظلم بالقرى رغم أنها تحمل مدنية عصرها، وأسمى مواطن العدل بالمدن لأن فيها العدل.
فالتمدن إذن ليس بالعمارة والتقدم التكنولوجي فقط، بل بما يدل على نجاح المنظومة العقلية بإحياء الإنسانية والسلوك الصائب عندما يتلاشى الظلم وإن ظهر أحبط.
وليس الإسلام بأنك ترث دينا لا تفقهه، بل الإسلام أن يسلم الناس من لسانك ويدك وأن تقيم العدل، وليس أن تتعصب للأساطير والأوهام أو تريد أن تعلو في الأرض تستبد وتبيد غيرك، هذه الحيوانية -وهنا أظلم الحيوان لأنه لا يقتل إلا لحاجة- ليست الإسلام.
رأينا العالم الافتراضي قبل أن ينشأ على الإنترنت، وإنما في مساحة الدماغ التي ترسم سيناريوهات القهر وما يفرزه القهر من تشوه في طفرات الإبداع لتموت كما ماتت الأحلام في عالم الكوابيس وقرى الرعب التي تتنكر بلبوس المدنية؛ عالمنا الذي ما زلنا نعيشه مذ أن وعينا.
ونحن نسمي الوهم أملا، والحلم نخافه وننكر أننا حلمناه، نزعم أننا لا نعرفه طلبا للنجاة من جريمة الحلم؛ غير أننا نحقق أحلام السادة العظام الحكام على مر العصور والزمان، وهم مجموعة من الجهلة يظنون بنا الجهل لتجاهلنا.
مساحة الدماغ هذه هي ساحة الحرية التي يمارس فيها الرد على القهر والظلم، لكن لا فعل على الواقع، فالواقع هو واقع الطغاة وكل سرّاق النهار الذين ترقوا عن سرّاق الليل في غفلة الزمن، فلا زمن راحة عبر عشرات السنين بل نُقِل عبر أجيال المظلومين مئات السنين؛ وهل سيحاسب الله المظلومين لسكوتهم على الظلم أو اعتيادهم له، أم يحاسب الظالم على طغيانه؟ وما أشقانا إن كنا بعد كل هذا نستحق جهنم، وسنرى هنالك الظالم والمظلوم في وحدة العقاب واختلاف الذنوب، وكل وصل إلى مكانه بعلاقته مع الآخر.
للكون سنن وضعت والعدل كل العدل في تطبيقها، فهي معايير لقياس منظومة البشر العقلية، هي معيار نجاح الآدمية؛ عندما تخرج الآدمية من صناديق الجمود والتخلف والفساد الباطني والإيمان الظاهري ومعرفة قشرية؛ فلا فهم ولا وضوح للقضية.
المحتلون لا يعملون لمصلحتك:
هذه البلاد هي بلاد التصادم (clash zone)، حيث تتشابك بعنف أحيانا مصالح الآخرين، عندما يدعمون الظلم في المنطقة؛ ليس حبا في الظالم ولا علاقات استراتيجية مع المتخلفين في نظرهم، ورأينا أن قواعدهم ليست حماية للدول الوظيفية في المنطقة، فالدولة الغربية الحديثة لم تُبنَ على قيم أخلاقية وإنما بنيت على المنفعة، وما يطبق عندها من قوانين هي لحماية النظام بالاستقرار فالمدنية لا تتطور في بيئة مضطربة كبيئتنا، وما نراه هو استيراد وتقليد، ولا يظن أحد أنه بمنأى عن الانكسار وأن يعاد إلى واقع ما قبل استيراده للمدنية، أو ارتأى أن يقلد نتاجها العسكري ولم يغير عقليته التي تنتمي إلى ما قبل الإسلام بالهيمنة والغزو، ولم يبن علاقات سياسية ناعمة تحفظ الرفاهية ومصالح الجميع.
لا شك أن ما قلته أعلاه هو وهْم وحلم اليقظة في واقعنا، ومن الصعب أن نتقبل الأمر رغم وضوحه وإدراكه، فحين تستسلم الشعوب للأساطير وترى الحكومات الهشة تنهار ثم لا يأتي بديل مناسب والشعب لا يملك إلا إصدار الأصوات والدوران حول النار ثم ينتظر تصفية أخرى ويظن أنها ستحقق أوهامه عندما يقسم المجتمع؛ ولكل جزء حلمه الوهمي الذي مُنِحَ له وعلاقاته الاستراتيجية (كما يظن)، وأن الأيام ستأتي بهذا المستغل لحلمه فيحققه، وهو أداته بابتزازك وتوجيه غضبك لنحر إخوتك وتترسك بساتر الوهم فيخفف الثمن على عدوكم في تحقيق مسار تحقيق أهدافه.
الحروب للهدم لا للبناء:
الصراعات هي مقدمات حروب، والحروب لتنمية الكراهية والهدم للإنسان قبل البناء. الأهداف لا تتحقق بالميوعة والتفاهة، والناس كما نرى اليوم يتمسكون بتلابيب المعتقدات الغريبة، ويرون مجتمعاتهم وإمعانها بالتخلف، وهم يتمسكون بهدم أسباب نهضتها وأدوات رقيّها، ولا يمكن أن تبنى البلاد بالتفرقة والكراهية والفساد.
سنن الكون:
الظلم لا يدوم: ومهما دام فدماره أكبر، وما أسوأ الظلم من ظلم إخوتك، من قوم أو دولة أو أفراد، والنأي بالنفس عن الظلم نجاة وإن لم تنج منه في الدنيا، لكن السعي للقضاء عليه بالحوار والكلمة الطيبة وتجنب الفتن هو نجاة عملية لفاعله.
العمل هو سنة كونية حتمية وقانون إلهي ثابت رُكّب عليه الكون لاستمرار الحياة. والعمل نوعان في زمننا مع الظلم الطاغي فيه؛ عمل مع الظالم ويصب في برنامجه عندما أكون أداة له أو أطلق أوهامي وأنا أخدع النفس بزخرف الحياة والرفاهية الشخصية، على حساب من أزعم أني أعمل لهم، وهذا طغيان عبد الظالم وهو أشد ظلما من سيده الظالم.. وعمل ضد الظلم، ومواضع التغيير وكيفيتها واضحة لكن الأخذ بحرفها يحرفها، وهو من الجهل وفساد النفوس حرّف الدرب إلى غاياتها، فالقوة عند التمكين وعندما لا يكون الظالم أخاك، واللسان مع الطغيان من الحكومات والمتنفذين، والقلب بالصبر على الأذى من أخ وصديق، وعندما يكون للناس حكم رشيد فهو سيعيد تعريف هذه المعاني العظام.
خلاصة القول: نحن لا نحلم وإنما نعيش واقعا افتراضيا لا فاعلية لنا فيه، لأن من يحلم يسعى ونحن ساكتون، ننصح الضعيف ولا نعينه، ونسكت عن الطاغي ولا نناصحه؛ وهكذا، فهو تناقل دوار الألم جيلا بعد جيل وأبدلنا الرقي والعظمة بالهوان والتفاهة.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق