مضر أبو الهيجاءليست الشورى في التصور الإسلامي مجرد إجراءٍ شكليٍّ أو تقليدٍ اجتماعي، بل هي منهجُ هدايةٍ يربطُ العقلَ البشريَّ بالوحي، ويضبطُ مسارَ التفكيرِ والتقديرِ والسلوك. وقد جاء الأمرُ بها للنبي ﷺ -وهو المؤيَّد بالوحي- تأكيدًا على مركزيتها في بناء الرأي، وترسيخًا لثقافةٍ جماعيةٍ قائمةٍ على التناصح والتكامل، لا الاستبداد والانفراد.
وفي المقابل، يشهد واقعُنا المعاصرُ تصاعدًا غير مسبوقٍ في الاعتماد على أدواتِ الذكاءِ الاصطناعي، التي باتت تُستَخدم في مجالاتٍ واسعةٍ تمتد من تحصيل المعلومات إلى توجيه السلوك واتخاذ القرار. وهنا يبرز فرقٌ جوهريٌّ يغفل عنه كثيرون: الفرقُ بين امتلاك المعرفة وبلوغ الهداية.
تقديرُ العلماءِ لا يمتلكهُ الذكاءُ الاصطناعيُّ مهما بلغ!
فالذكاءُ الاصطناعي -مهما بلغ من دقةٍ وقدرةٍ- يظلُّ أداةً لمعالجة المعلومات، يُحسنُ جمعَها وترتيبَها وعرضَها، لكنه لا يمتلك معيارًا ذاتيًا للحق، ولا ارتباطًا بالوحي، ولا وعيًا أخلاقيًا يضبطُ مخرجاته. ومن هنا فإن قيمته الحقيقية تكمن في كونه وسيلةً مساعدة، لا مرجعيةً مُوجِّهة.
أما الهداية، فهي في جوهرها ثمرةُ اجتماعِ العلمِ مع الخشية، والمعرفةِ مع الانقياد للحق، وهو ما تجسّده وظيفةُ العلماء بوصفهم ورثةَ الأنبياء، الذين لا يقتصر دورهم على نقل المعلومات، بل يتجاوز ذلك إلى فقه الواقع، والنظر في المآلات، وربط الجزئيات بالكليات، ضمن منظومةٍ مرجعيةٍ قائمةٍ على الوحي.
الكِبْرُ الخفيُّ والبحثُ عن تمجيدِ الذات!
إن الخلل لا ينشأ من استخدام الذكاء الاصطناعي، بل من إزاحة الشورى واستبدالها به، خاصة عندما يتحول إلى بديلٍ عن العلماء، أو وسيلةٍ لتبرير الأهواء بدل تصحيحها. فبعض الناس قد يستثقلُ مشقّةَ التناصح والمراجعة، ويبحث عن إجاباتٍ جاهزةٍ لا تُلزمه، فيجد ضالته في أداةٍ لا تحاسبه ولا تقوّمه.
وهنا يتسلل الكِبر الخفي، حين يُستبدل طلبُ الهداية بطلبِ الموافقة.
الهدى مطلبُ المتقين الذين يريدون وجهَ الله
إن الشورى في حقيقتها ليست تبادلَ آراءٍ فحسب، بل هي سعيٌ إلى الحق، وتحرٍّ للهداية، واستنارةٌ بمن جمعوا بين العلم والتقوى. بينما الذكاءُ الاصطناعي — مهما تطوّر — يبقى خارج هذا الإطار، لأنه لا يملك وعيًا تعبديًا، ولا مسؤوليةً أخلاقية.
ومن ثمّ، فإن العلاقة المتوازنة تقتضي: أن يُستفاد من الذكاء الاصطناعي كأداةٍ معرفيةٍ نافعة، مع الحفاظ على مركزية الشورى،
والرجوع إلى العلماء في القضايا التي تتجاوز حدود المعلومة إلى مجال الهداية والتكليف.
وخلاصة القول:
إننا أمام ثورةٍ معلوماتيةٍ كبرى، لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في أدواتها، بل في تحويلها إلى بدائل عن مصادر الهداية. فالمعلومة قد تُنير الطريق، لكن الهداية وحدها هي التي تُوصل إلى الغاية.
فهنيئًا لمن اتقى وبحثَ عن الهدايةِ بين العلماءِ ونجا، ويا لويلِ من استكبرَ واتخذَ من الذكاءِ الاصطناعيِّ -منزوعِ الهداية- إمامًا.
يقولُ سبحانهُ وتعالى:
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ الإسراء: 9
مضر أبو الهيجاء بلاد الإسلام 22/4/2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق