الخميس، 23 أبريل 2026

إضاءات منهجية نحو خطوات جادة في سورية

إضاءات منهجية نحو خطوات جادة في سورية

النهضة الإسلامية في مسار التجربة السورية: بين الحقيقة والوهم، ومتطلبات تحقيق المأمول.

  مضر أبو الهيجاء

لا يختلف اثنان على أن تطلع المسلمين -أفرادًا وجماعات- إلى قطف ثمار التضحيات الجسام التي قُدمت على أرض الشام يمثل دافعًا مركزيًا في الوعي الجمعي المعاصر، خاصة في ظل ما قدمته أجيال متعاقبة من العلماء وطلابهم وعموم الشعب السوري من تضحيات ممتدة عبر عقود.

وإذا كانت الأهداف المتوخاة من هذه التضحيات متعددة، فإن في مقدمتها تحقيق الاستقلال الحقيقي، القائم على امتلاك الإرادة السياسية المستقلة، بوصفه شرطًا لازمًا لتمكين الشعوب من تقرير مصيرها، بعيدًا عن أشكال الهيمنة الخارجية، ولا سيما تلك المرتبطة بالنفوذ الغربي المتحالف -تاريخيًا وسياسيًا- مع المشروع الصهيوني في المنطقة.

وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار أن جملة من الأهداف المرحلية قد تحققت، لا سيما في ضوء التراجع الكبير الذي أصاب بنية المنظومة الأسدية، التي كانت تمثل مركز الثقل في التحكم بمفاصل الدولة، خصوصًا المؤسستين الأمنية والعسكرية.

 وقد انعكس هذا التراجع في توسيع هامش الحريات العامة بدرجة لم يعهدها المجتمع السوري منذ استقرار النظام البعثي في الحكم في ستينيات القرن الماضي.

غير أن الإقرار بهذه التحولات لا ينبغي أن يقود إلى استنتاج متعجل مفاده تحقق “التحرير الكامل”، إذ إن هذا التصور ينطوي على قدر من التبسيط، بل الوهم السياسي؛ ذلك أن البنية العميقة للنفوذ الخارجي، ولا سيما الغربي، لا تزال حاضرة ومؤثرة في تشكيل المسار السياسي، سواء عبر أدوات مباشرة أو من خلال ترتيبات إقليمية ودولية تسعى إلى إعادة إنتاج النظام السياسي السوري ضمن محددات لا تنسجم بالضرورة مع تطلعات الشعب السوري وعلمائه وثواره ومصلحيه.

وفي المقابل، فإن اختزال ما جرى في كونه مجرد “إعادة إنتاج” أو “مسرحية سياسية” لا يقل اختلالًا عن الطرح السابق؛ إذ يتجاهل حجم التحولات الواقعية التي فرضتها كلفة الصراع، بما في ذلك إعادة تموضع القوى الدولية، وتراجع أدوار إقليمية فاعلة، وفي مقدمتها النفوذ الإيراني، الذي شكّل -خلال مرحلة ما بعد عام 2003- أحد أبرز عوامل إعادة تشكيل التوازنات الطائفية والسياسية في المنطقة.

وعليه، يمكن توصيف الحالة السورية الراهنة بأنها تقع ضمن منزلةٍ وسطى بين تحققٍ جزئي للتحرير، واستمرارٍ فعلي لعناصر الهيمنة الأمريكية على المسار السوري؛ وهي حالة انتقالية مركّبة تستدعي قراءة دقيقة، تتجاوز ثنائية النفي والإثبات، وتستند إلى تحليل بنيوي لطبيعة السلطة ذات عقدة اللون الواحد، وحدود الاستقلال الحقيقي دون خداع، وأنماط التأثير الخارجي التي فرضت نفسها وبدأت تمارس دورها في اغتصاب إرادة الشعب السوري وتبديد آماله.

السلطة السورية بوصفها أداة مرحلية!

في ضوء ما سبق، يمكن النظر إلى السلطة السورية الحالية بوصفها كيانًا مرحليًا، يتشكل ضمن توازنات داخلية وخارجية معقدة، ولا يمكن اعتباره -في صورته الراهنة- معبرًا مكتملًا عن الإرادة الشعبية أو محققًا نهائيًا لأهداف الثورة، لاسيما أنه لا يضم بشكل حقيقي النسيج الثوري، بقدر ما تحكمه العقدة الصلبة لهيئة تحرير الشام، وحولها أشكال وألوان مختلفة ليست ذات نفوذ ولا قدرة حقيقية على صياغة القرار.

إن فهم طبيعة كيان السلطة ووظيفته يقتضي التعامل معه ضمن سياقٍ انتقالي، يخضع لإكراهات الواقع، ويتأثر بمحددات القوة الإقليمية والدولية، وهو ما يفرض على الفاعلين في المجال الإسلامي والسياسي إعادة ضبط مواقفهم واستراتيجياتهم وفق قراءة واقعية منضبطة، تراعي الإمكانات والقيود معًا، كما تسعى لسد الثغرات وتطوير وتقويم جسم السلطة الانتقالية القائم.

الخصام النكد: هل يقود إلى شرخ الجسد؟

من الواضح أن العلماء والدعاة يعملون في جانب المجتمع على قدم وساق، ويسعون لبنائه وترميمه وسد حاجاته ومعالجة اختلالاته، فيما تسير السلطة السورية في مسارٍ أحادي الاتجاه، غير ملتفتة كثيرًا -أو متوقفة بقدر كافٍ- أمام عشرات الملاحظات المباشرة وغير المباشرة التي يطرحها رواد العمل الإسلامي الدعوي والجهادي والسياسي في الساحة السورية، سواء من الرعيل القديم أو من النخب التي تشكلت على امتداد ربع القرن الأخير وخلال الثورة.

ولا شك أن استمرار هذا الحال دون مراجعة وقائية جادة، تُنشئ قنوات تواصل فعالة، وتعيد ضبط الإيقاع بين مكونات الفعل الإسلامي والسياسي، سيؤول في نهاية المطاف إلى ما يتمناه الخصم: خلق فجوة حقيقية بين المجتمع والسلطة. وأقل ما يمكن أن يترتب على ذلك من آثار هو تعويق العمران وعرقلة مسار النهضة؛ إذ إن شرط النهضة هو حالة التوأمة -أو على الأقل التكامل- بين كيان السلطة والكيان المجتمعي الذي تقوده النخب ويوجهه العلماء.

الصراع الفعلي: بين الهيمنة الخارجية وطموح الشعوب!

لا بد من التوقف والتذكير الدائم بأن الصراع الحقيقي القائم في المنطقة ليس — في جوهره — بين شعوبها وكيانات السلطة القائمة، على اختلاف أشكالها، بل هو صراع بين إرادة الهيمنة الخارجية — وفي مقدمتها الفاعل الأمريكي — وبين شعوب المنطقة التي تسعى إلى استعادة دورها الحضاري وتحقيق نهضتها المستقلة.

الثقب الأسود المهدٍّد لمستقبل سورية!

ومن ثم، فإن أي قراءة مختزلة للصراع تُعيد إنتاج التناقض داخل الجسد الداخلي، وتغفل عن طبيعة التحدي الخارجي، إنما تسهم — بوعي أو بغير وعي — في إضعاف القدرة الجمعية على الفعل، وتفتيت الجهود التي يفترض أن تتجه نحو استعادة الاستقلال الحقيقي وبناء مشروع نهضوي متماسك.

الخلاصة

لا خيار أمام السوريين اليوم إلا أن يقفوا -بمجموعهم- خلف الدولة، وأن يتضامنوا مع السلطة القائمة، رغم ما فيها من قصورٍ وعجزٍ واختلالات، بغية تقويمها وتصويب مسارها، وكذلك لمنع حدوث فجوة بين المجتمع السوري الفاعل ورواده العاملين على الأرض في المسار الإسلامي والنهضوي، وبين السلطة القائمة؛ إذ إن هذه الفجوة — إن حدثت — كفيلةٌ بتمزيق التجربة، وتمكين الفاعل الخارجي من إعادة هندسة سورية وفقًا لمصالحه، بما يفرغ التضحيات من مضمونها، ويُفوّت على السوريين تحقيق أهدافهم الحقيقية.

إن الاقتراب من السلطة والإحاطة بها تقويمًا ومتابعةً ونصحًا، خيرٌ من الابتعاد عنها وتركها لقمة سائغة تُستغل في سياقات خارجية، قد تعيد إنتاج المشهد السوري إلى مربعاتٍ سابقة، وتُضيّع الفرصة التاريخية المتاحة لبناء سورية الجديدة التي تليق بتضحيات شعبها، وتستند إلى وعي أبنائها وانتمائهم، وتُترجم أهدافهم في الاستقلال والنهضة والعمران.

وإذا كان الفعلُ والموقفُ المجتمعيُّ يُمثِّلان صمّامَ الأمانِ في التجربةِ السورية، فإنَّ السلطةَ القائمةَ تُعدُّ عاملًا حاسمًا في استكمالِ الإنجازِ على النحوِ الصحيح، وفي الإطارِ الزمنيِّ الطبيعيِّ.

فهل يعي رجالُ الحكمِ في سورية حساسيةَ وأهميةَ موقفهم الجادِّ والمؤثِّر في تحقيقِ ما يرومه الناس، ويسعى إلى تحقيقه العلماء، مستفيدين من مدارسِ النقدِ الواجبةِ لرصدِ الخللِ وتقويمِ المسار؟

مضر أبو الهيجاء بلاد الشام 22/4/2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق