الاثنين، 27 أبريل 2026

هل ينهار الدولار؟ سلاح الخليج الذي قد يهز النظام العالمي

 هل ينهار الدولار؟ سلاح الخليج الذي قد يهز النظام العالمي


كاتب، باحث اجتماعي، قطري

  • الصفقة التي بنت عرش الدولار

في عام 1974، عقد كيسنجر صفقة مع الملك فيصل غيرت وجه العالم: السعودية تبيع نفطها بالدولار حصرا، وأمريكا تحمي الخليج. لم تكتب في معاهدة، بل بنيت على كلمة وتفاهم ومصلحة مشتركة. من يومها أصبح كل بلد على وجه الأرض يحتاج دولارات قبل أن يحتاج نفطا، وهذا الطلب العالمي هو ما منح أمريكا قدرتها على طباعة النقود وتمويل حروبها وعجزها دون أن تدفع الثمن.

الخليج لم يكن يبيع نفطا فحسب، بل كان يبيع لأمريكا حق البقاء على عرش العالم. فماذا يحدث لهذا العرش لو قرر البائع أن يهزه فقط؟ ليس بالضرورة أن يهدمه بالكامل، بل أن يلوح بإمكانية بيع جزء من نفطه بعملات أخرى. أن يقول لواشنطن بهدوء: الصفقة التي عقدناها كانت قائمة على ضمان أمني، وأنتم اليوم تثبتون أمام العالم كله أنكم غير قادرين على الوفاء بهذا الضمان، فلماذا نبقى ملتزمين بطرفنا من الاتفاق وأنتم تنقضون طرفكم؟

العمود الأول من صفقة 1974، وهو أمن الممرات البحرية، قد سقط فعليا. وحين يسقط الأمن تسقط معه الثقة، وحين تسقط الثقة يبدأ المال بالبحث عن بدائل

الشرخ الذي كان ينمو في الظل

هذا ليس خيالا سياسيا. المقدمات موجودة على أرض الواقع. في السنوات الأخيرة، بدأت السعودية تفك ارتباطها الحصري بالدولار في تسعير النفط، فباعت نفطا للصين باليوان لأول مرة في عام 2023، ووقعت اتفاقية مالية مع بكين بقيمة 7 مليارات دولار تتيح التعامل باليوان مباشرة، وانضمت إلى منصة دفع رقمية مشتركة مع الصين. هذه ليست تصريحات صحفية، بل بنية تحتية مالية جاهزة للتشغيل.

وتقرير دويتشه بنك (Deutsche Bank)، أكبر بنك ألماني، الصادر هذا الأسبوع، يقول صراحة إن أسس نظام البترودولار كانت تحت ضغط حتى قبل هذه الحرب، وإن معظم نفط الشرق الأوسط يباع اليوم لآسيا لا لأمريكا. الحرب لم تخلق الشرخ، بل كشفت عن صدع كان ينمو في الظل منذ سنوات.

انهيار 94%.. والمال يبحث عن بديل

انظر إلى الأرقام لتفهم حجم ما يجري. حركة السفن في مضيق هرمز انهارت بنسبة 94% منذ بداية الحرب، من 1229 سفينة في النصف الأول من مارس/آذار العام الماضي إلى 77 سفينة فقط هذا العام. شركات التأمين البحري انسحبت. أقساط التأمين على المرور من المضيق قفزت من 0.05% إلى 7.5% من قيمة السفينة، أي أن التكلفة تضاعفت 150 مرة.


لا أحد يريد أن يمر، ولا أحد يستطيع أن يؤمن من يمر. هذا يعني أن العمود الأول من صفقة 1974، وهو أمن الممرات البحرية، قد سقط فعليا. وحين يسقط الأمن تسقط معه الثقة، وحين تسقط الثقة يبدأ المال بالبحث عن بدائل.

راي داليو، أحد أكبر المستثمرين في التاريخ ومؤسس أكبر صندوق استثماري في العالم، حذر هذا الأسبوع من أن هذه الحرب قد تكون الشرارة التي تطلق انهيار هيمنة الدولار وربما انهيار الإمبراطورية الأمريكية ذاتها. هذا ليس كاتب رأي على تويتر، بل رجل بنى إمبراطورية مالية من الصفر.

يأتي السيناتور ليندسي غراهام ليهدد هذا الخليج نفسه بعواقب إذا لم يحارب، وهو الرجل الذي اعترف على شاشة فوكس نيوز بأن سقوط إيران سيعني "أموالا طائلة" وأن أمريكا ستشارك في 31% من احتياطي النفط العالمي

حين يلعب خصمك بسلاحك

والمفارقة أن إيران هي التي بدأت تلعب بورقة البترودولار قبل الخليج. اشترطت اليوان ثمنا للمرور من هرمز، وسمحت للناقلات الصينية بالعبور بينما حجبته عن الأمريكيين والغربيين. والأرقام تتحدث عن نفسها: منذ بداية الحرب وحتى منتصف مارس/آذار، عبرت ناقلات تحمل 11.7 مليون برميل من النفط الإيراني إلى المصافي الصينية، كل برميل منها سوي خارج منظومة الدولار، وهذا يكفي لتشغيل دولة بحجم فرنسا لأكثر من شهر.

محلل في معهد تشاتام هاوس (Chatham House) لخّص المشهد بعبارة تستحق أن تحفر: "البترودولار لم يمت في مارس/آذار 2026. كان على أجهزة الإنعاش منذ أن بدأت الرياض تبني محفظتها مع بكين عام 2022. حصار هرمز فقط نزع الأجهزة." إيران أدركت أن أقوى ضربة يمكن أن توجهها لأمريكا ليست صاروخا على قاعدة عسكرية، بل زعزعة النظام المالي الذي يمول تلك القاعدة. فلماذا لا يدرك الخليج، الذي يملك من أوراق الضغط أضعاف ما تملكه إيران، أن هذا السلاح بين يديه وليس بين يدي غيره؟

قلق وجودي مقابل قلق انتخابي

ليس الأمر نظريا ولا بعيدا عن الواقع. في اللحظة التي تقصف فيها منشآت الخليج، ويراقب أهل الدوحة والمنامة والكويت سماءهم بقلق وجودي حقيقي، يراقب ترامب شاشة البورصة بقلق انتخابي ويقرر تأجيل الضربات حين ينزف مؤشر داو جونز، لا حين ينزف الخليج.

ويأتي السيناتور ليندسي غراهام ليهدد هذا الخليج نفسه بعواقب إذا لم يحارب، وهو الرجل الذي اعترف على شاشة فوكس نيوز بأن سقوط إيران سيعني "أموالا طائلة" وأن أمريكا ستشارك في 31% من احتياطي النفط العالمي. وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال (Wall Street Journal) أنه زار الموساد قبل الحرب ودرب نتنياهو على إقناع ترامب بإشعالها. أرقام بهذا الوضوح لا تحتاج تعليقا، تحتاج فقط أن نقرأها ونفهم أين نقف نحن في هذه المعادلة. الخليج يجلس على ورقة تجعل غراهام وكل الكونغرس يفكرون ألف مرة قبل أن يرفعوا أصواتهم: ورقة البترودولار. لا تحتاج إلى طائرة واحدة ولا جندي واحد، تحتاج فقط إلى قرار سيادي وإرادة سياسية.

الجميع يتنافس على ود الخليج، وهذا ليس موقف ضعف، بل موقف قوة استثنائية لا يملكها إلا من يجلس فوق أكبر احتياطي طاقة في العالم وأضخم صناديق سيادية في التاريخ ويتحكم في أهم ممر بحري على وجه الكرة الأرضية

نافذة لن تبقى مفتوحة

وحين أنظر إلى المشهد من بعيد، أرى أن ما يحدث الآن ليس أزمة عابرة، بل لحظة تحول تاريخي من النوع الذي يأتي مرة كل نصف قرن. النظام الذي بني عام 1974 يتشقق، والعالم ينتقل من نظام أحادي القطب إلى نظام متعدد المراكز، والخليج يقف في مركز هذا الانتقال لا على هامشه.

الصين تريد نفطه وهي أكبر مستورد للطاقة في العالم، وأوروبا تريد غازه وهي تبحث بيأس عن بدائل لروسيا، والهند تريد شراكته وهي ثالث أكبر اقتصاد على وجه الأرض، وأمريكا تريد دولاراته ونفوذه وصمته.

الجميع يتنافس على ود الخليج، وهذا ليس موقف ضعف، بل موقف قوة استثنائية لا يملكها إلا من يجلس فوق أكبر احتياطي طاقة في العالم وأضخم صناديق سيادية في التاريخ ويتحكم في أهم ممر بحري على وجه الكرة الأرضية. لكن القوة التي لا تستخدم في لحظتها تتحول مع الوقت إلى عبء، والنافذة لن تبقى مفتوحة إلى الأبد.

بأي عملة نبيع المستقبل؟

الخليج الذي نعرفه بنى ناطحات سحاب من الرمل، وحول صحاري إلى مطارات تنافس العالم، وأنشأ صناديق سيادية تشتري أندية كرة القدم والفنادق والموانئ في قلب أوروبا. هذا الخليج ليس ضعيفا ولا عاجزا، لكنه لم يختبر بعد في الميدان الذي يملك فيه أقوى أوراقه: ميدان المال.

اليوم، والعالم يتزاحم على بابه طالبا نفطه وغازه واستثماراته، عليه أن يسأل نفسه سؤالا واحدا لن ينتظر طويلا: حين تتصل بك واشنطن وبكين ونيودلهي ولندن في اليوم نفسه، كل منهم يريد طاقتك ومالك وولاءك، فهل سترد على الجميع بعملة واحدة وصوت واحد وقرار واحد هو قرارك أنت، أم ستظل تنتظر أن يحدد لك غيرك بأي عملة تبيع مستقبلك وبأي ثمن تشتري أمنك؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق