التوحيد بين الشكل والمقصد
قال سيد قطب رحمه الله: لن أعتذر عن العمل مع الله.
كلام قوي، ولكنه بسيط، ومع ذلك فلا يمكن أن يقول ذلك في زمن المحنة إلا الكبار، ويوما ما قال: ان الإصبع التي تشهد أن لا إله إلا الله خمس مرات في اليوم أبت أن تكتب حرفا واحدا للطاغية، هكذا ارتفع الرجل في أزمنة الحضيض، وعاش في القمة مع فكره، ولم يتنازل عن القمة بحال من الأحوال، بل ظل فيها حتى الرمق الأخير، وجاء إليه مرة شيخ معمّم أراد أن يذكره نطق الشهادة قبل إعدامه، فابتسم، ثم قال: أنت ترتزق بلا إله إلا الله، ونحن نموت لأجلها، ما أطول المسافة بين الرجلين، فهذا يدّعى، وذاك يعيش لأجل الحقيقة، ويموت لأجلها، ومع ذلك فالناس يتيهون بينهما، والسبب أن الطريق طويل، وأنه ليس مفروشا بالزهور والورود، فهو مفروش بالدموع والتضحيات.
ان سيد قطب قد يخطئ، لأنه بشر، ولكن الجميع متفقون على أن الرجل لم يكن كاذبا في دعواه، ولم يكن لاعبا بالمبادئ، ولم يكن يعرف بالتلون الفكري والمذهبي، بل كان جادا لا يعرف الهزل، ورافضاً للذل والجري وراء السراب، فعاش كريما، ومات عزيزا، بينما الناس اليوم يتحدثون عن الدعوة بلغة باردة، وكلام مرسل، ولا يفكرون ماذا تعنى كلمة (التوحيد)، فهي لا تعنى سوى الرفض لكل الآلهة المزيفة، والمعبودات الأرضية، والاستسلام لله الواحد القهار، فهذا هو لبّ التوحيد، وبهذا يصبح قضية القضايا، وجوهر الجواهر، فليس كلمة تقال بلا حساب، أو ترفع كشعار في السوق الفكري، بل هي عقيدة تعاش، وإيمان في القلب، وذكر في اللسان، وترجمة عملية في السلوك، فالتوحيد ثورة في العقل، ورحمة في القلب، ونور في الحياة، فهو رفض وقبول، وليس رفضا لأجل الرفض، وليس كذلك قبولا لأجل القبول، بل هو رفض يحمل دليلا وحجة، وقبولا مع الدليل والحجة، ولهذا، يصبح التوحيد قضية لا تنتهى، وفكر لا يبلى، وروح تسرى في الحياة لا تتوقف، وحجة دامغة عند لسان الدعاة الصادقين.
إن الإنسان بلا عقيدة جثة هامدة، فهو مع العقيدة يكون ذا وزن كبير، ومن هنا، رفع كل الأنبياء شعار التوحيد، وجعلوا مركز دعوتهم (فاتقوا الله وأطيعون)، فدعوة الأنبياء لم تكن فارغة من الفكرة المركزية، ففكرتهم المركزية تكمن في التوحيد، وفي قضية (لا إله إلا الله)، وقد بيّن سيد قطب رحمه الله أن (لا إله إلا الله) منهج حياة، وليس فقط كلمة تقال في اللسان، فهي مشروع كامل للتغيير، ومدرسة عظيمة لصناعة التاريخ، ومن هنا، كان التغيير عند الأنبياء صعبا، وعند غيرهم سهلا، والسبب هو أن الناس يبدأون التغيير من السطح، بينما منهج النبوة يبدأ التغيير من العمق، والعمق يحتاج إلى شيء واحد، وهو التوحيد الحقيقي، فالتوحيد الحقيقي يكمن في إخلاص العمل لله، وفي عدم الإشراك بغيره، وأن لا يمنح واحدا من المخلوق ما هو خالص لله، فالله هو المعبود، وهو المشرع، وهو المقصود في الطاعات، وحينها فقط يمكن أن يصبح التوحيد مشروعا لبناء الإنسان، وصناعة التاريخ، وانهاء الأرباب المزيفة من التاريخ، وإعادة البشرية إلى فطرتها الأولى، ومحاربة الفساد بكل أنواعه، وهذا ما صنعته التجربة النبوية من لدن نوح حتى محمد عليهم الصلاة والسلام.
لن يكون الداعية عظيما ما لم يكن سليم العقيدة، وصحيح العبادة، ومتين الخلق، ومثقف الفكر، وقوي البدن، ونافعا لغيره، وقادرا على الكسب، ومنظما لشؤونه، وحريصا على وقته، ومجاهدا لنفسه، وبهذا يمكن له أن يتميز عن غيره، فالداعية الصادق ليس من يعيش كما يعيش الناس، ولكنه هو الذي يعيش مع الناس، ولكنه ليس كالناس، فهو يهتم بذاته كثيرا، كما يهتم بقضايا أمته، ويعيش لفكره، ويشعر بخطورة الواقع، ويعمل مع غيره في تغيير هذا الواقع بقدر المستطاع، فيبدأ من حيث بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيبدأ من التوحيد بشموله، وليس بأجزائه المفصلة، فهو لا يقدم للناس عقيدة باردة، وكأنها فلسفة عقلية فقط، بل يقدم للناس عقيدة التوحيد كمنهج خلاص للبشر مثلما فعل نبي الله يوسف عليه السلام حين دعا إلى التوحيد الشامل (إن الحكم إلا لله، أمر أن لا تعبدوا إلا إياه) فهذا كلام قوي وواضح، فالحكم لا يكون إلا لله، والعبادة لا تكون إلا لله، فهذه هي معادلة التوحيد، وهذا هو الدين القيم (ذلك الدين القيم)، ولكن هناك من يجادل، ويناقش، ويراجع، ولكن الله قال (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) فالدين القيم هو التوحيد الشامل، وليس من التوحيد محاربة شرك القبور فقط، وقبول شرك القصور، وليس من التوحيد محاربة شرك القصور، وقبول شرك السوق (تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم) فهذا الزمن هو زمن عبودية السوق، فالشرك الظاهر ليس في المعابد فقط، بل هو منتشر في الأسواق العالمية والمحلية حيث يصبح الدولار إلها من دون الله، فيجب أن نتعلم فقه العقيدة والتوحيد بشمولية، ونعمل للدين بفهم أعمق، ونحاول أن نصحح الواقع بفهم وعلم وحكمة.
نعتبر التوحيد قضية القضايا، ونعتبر الشرك الفساد الأخطر في حياة الناس، ولكن المشكلة ما التوحيد الذى ندعو الناس إليه؟ وما الشرك الذي نحذر منه؟ فالتوحيد ليس كلمات تحفظ، بل هو قضية تعيش في الوجدان، ويعمل لها الإنسان ما دام في الدنيا (قل إني وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)،
فالتوحيد بهذا المنظور القرآني قضية للحياة، وليس فلسفة تدرس فقط في المساجد والجامعات ثم تحفظ، وتبقى في الرؤوس دون أن تتنزل في الحياة، فهذا ليس من التاريخ، ولا من الواقع، ولا تصنع مستقبلا، ومن هنا، يجب على الدعاة أن يعودوا إلى رشدهم من جديد، فالإسلام واحد، والفهم للإسلام قد يتنوع، وقد يتشكل، ولكن الذى لا يتنوع هو التوحيد، ومن هنا، كانت التجارب عند الأنبياء مختلفة، فالنبي هود عليه السلام عالج مسألة الاستكبار الحضاري، كما عالج لوط عليه السلام مسألة الهبوط الأخلاقي، بينما عالج شعيب عليه السلام مسألة الظلم الاقتصادي في حين عالج موسى عليه السلام قضية التأله السياسي، ولكن كل ذلك يكون في إطار التوحيد الشامل (يا قوم اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره).
في هذا الزمن، وفي هذه اللحظات التي بدأت بعض التجارب تعلن إفلاسها تبيّن لي بعد تأمل عميق لواقع الدعاة بأن منهج سيد قطب رحمه الله وشقيقه محمد قطب رحمه الله أقرب إلى الصواب في الكليات، وليس في الحزئيات، وما ورد في كتاب (واقعنا المعاصر) لمحمد قطب بحاجة إلى الدراسة من جديد، كما أن ما كتبه الشيخ العلامة الندوي رحمه الله (التفسير السياسي للإسلام) بحاجة أيضا إلى الدراسة، ولكن بسياقها، وبعقل نقدي، فالتيه الذي نعيشه يجعلنا نسأل، أين نحن اليوم؟ وما الذي فعل الدعاة؟ وأين نجحوا؟ ولماذا نجحوا؟ وأين أخفقوا؟ ولماذا أخفقوا؟
إن السقوط لا يعنى النهاية، وإن النجاح المادي لا يعنى الفوز، فالسقوط مرحلة، وليس نهاية، والفشل تجربة، وليس خسارة، والدعوة ليست قضية فردية، بل هي قضية أمة، ومسألة حضارة، وبناء تاريخ، فهي ليست مسألة دروشة، وخلافات عقيمة مع أفكار عفا عليها الزمن، فالدعوة حركة نحو عمق الإنسان، وأخرى نحو عقل الإنسان، وثالثة نحو حياة الإنسان، فالدعوة حركة إصلاحية، وتغييرية، (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق