الأحد، 19 أبريل 2026

خواطر الفجر من أوهايو الأمريكية

خواطر الفجر من أوهايو الأمريكية
داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي

تعلمت من المفكر المصري الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله ثلاثة أمور:

١- لا أكتب، ولا أتكلم إلا بعد القراءة والبحث، وانتظر كثيرا حتى يتضح الأمر، وأراجع افكاري باستمرار، وقد أتراجع من فكرة كنت اعتقدها صحيحة إن لاحت لي أنها ليست كذلك.

٢- تعلمت منه أن الناس نوعان، عضوي ووظيفي، فالعضوي ينتمي إلى المجتمع والوطن بشكل تام، والوظيفي له انتماء محدد، فهو يستفيد ويفيد، وبقاؤه في المجتمع في هذه النقطة، ولهذا نجد اليوم أن أغلب الفتن تأتى من الوظيفيين، ولكن الوظيفي يتغير وفقا للجغرافيا والثقافة.

٣- تعلّمت منه قبل أن أعيش في الغرب أن المجتمع الغربي تقوم علاقاته على التعاقد، لا على التراحم، فهم قد تجاوزوا علاقات التراحمية، فهم اليوم يعيشون في مرحلة ما بعد الحداثة، ومن أهم مظاهرها (العلاقات التعاقدية)، بينما تكون العلاقات في العالم الإسلامي تراحمية، ولكن ليست كذلك في كل الازمنة، فهو قد تحدث في سيرته الذاتية إن والده، وكان تاجرا مصريا مارس العلاقات التعاقدية بشكل مهني، ولكنه في شهر رمضان يتحول إلى إنسان تراكمي بشكل غير عادي.

رأيت بالتجربة أن العلاقات هنا في الغرب تعاقدية حتى ما بين الجاليات المسلمة، فهم يعيشون تلك اللحظات منفعلين بالواقع، ولكنهم لا يعرفون أن هذه اللوثة قد أصابتهم وهم لا يدرون، ومع هذا، فاننى توصلت إلى أنه من المهم إن تقوم العلاقات الإنسانية على ركنين:

– الركن المعنوي، وهو أن لا تخرج العلاقات من خط الرحمة (فالراحمون يرحمهم الرحمن)، وأن الإنسان حين يخرج من هذا الإطار فيصبح بلا أدنى شك (l, Homme Machine) اي الإنسان الآلي، كما يقول الأستاذ علي عزت بيجوفيتش.

– الركن القانوني، وهو أن لا تكون العلاقات مفتوحة بلا حدود، فلا بد من عقود تنظم الحياة البشرية، ولهذا كانت العلاقات الزوجية في جانب منها تقوم على العقد، وفي جوانب منها تقوم على الرحمة والمودة، وهكذا تصير كل علاقة بين الإنسان والإنسان يجب أن تقوم على العقد، فكانت العلاقة السياسية تقوم على البيعة، والبيعة عقد سياسي بين الحاكم والمحكوم، والتجارة عقد بين البايع والمشترى، والإبحار، وكل حركة قاصدة في الحياة البشرية يجب أن تتحدد عبر عقود قانونية وفقهية.

إن النهضة الإسلامية لا تتحقق إلا بهذين الشرطين، التراحم والتعاقد، فالعلاقات التراحمية مه أهميتها لا تصنع وحدها نهضة، كما أن العلاقات التعاقدية مهمة جدا لبناء المجتمع الحديث، ولكنه لن يقوم إنسانية إذا ابتعد عن التراحم والتعاطف والتضامن.

في بعض الأحيان نحتاج إلى تقنين (العلاقات التراحمية) حتى لا تكون سيولة بلا هدف، ولهذا نجد مثلا قوله تعالي (فلا اقتحم العقبة. وما أدراك ما العقبة. فكّ رقبة. أو إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيما ذا مقربة. او مسكينا ذا متربة. ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. أولئك أصحاب الميمنة).

نحن أمام معضلة حضارية في هذه اللحظات الصعبة، فكيف نحول هذه المشاريع القرآنية إلى أفكار اجتماعية ذات نفع عام؟ كيف نصنع المجتمع التراحمي في القرن الواحد والعشرين؟ كيف يعرف المسلم الفاعل اجتماعياً الطبقات الهشة؟ وكيف يصل إليهم؟ وكيف يمكن للمسلم أن يساهم بشكل فاعل تحرير الناس من العبودية بكل اشكالها (فك رقبة)؟ وكيف يمكن للمجتمع المسلم صناعة التضامن من خلال بناء المجتمع المدني (وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة).

إن العمل المدني (الطوعي) تحوّل في زمن الحضارة الإسلامية إلى مشاريع وقفية، فالوقف إضافة حضارية للإسلام في المسيرة البشرية، فهو ايضا تحويل المشاريع القرآنية والنبوية إلى عمل منظم وقانوني، فهو يجمع بين التراحم والتعاقد، والعجيب أن المسلمين فتحوا في هذا الباب فتحا مبينا، ومن خلاله أسّسوا مجتمعا مدنيا بعيدا عن قبضة الحكام، وتدخل السياسيين، ولكن الدولة الحديثة (الغول) الجديد بعد لحظات الاستعمار حولت الوقف من مشروع مدني إسلامي إلى مشروع مسيس لا رحمة فيه، ولا نظام يحقق الأمل للبشرية.

لم ينجح مشروع الوقف باعتباره عملا خيريا فقط، بل كان عملا حضاريا، فمن خلاله تأسست الجامعات العريقة كالأزهر الشريف، والزيتونة، والقرويين، ومن خلاله تم رعاية العلماء والأطباء والمهندسين، ومن خلاله تبنت الأمة النوابغ في مصر والشام والهند وفي غيرها من حواضر الأمة، والغريب، أن ثقافة الوقف كانت تنتشر في الحواضر أكثر من غيرها، لأن الوقف يمثل في عمقه مشروعا حضاريا.

قرأت كتاب (من روائع حضارتنا) للفقيه السوري الدكتور مصطفي السباعي رحمه الله، فذكر فيه أنواعا من الوقف، منها الاوقاف الخاصة بالحيوانات كالإبل والأحصنة والقطط والكلاب وغيرها، ومنها توفير الأمن النفسي للمرضى في المستشفيات، بل ومن الأوقاف إعداد حاجات المرأة الفقيرة في أيام عرسها حتى لا ينكسر قلبها، وغير ذلك من الأمور التي تجعل العمل الخيري يتجاوز بعد (الرحمة الفردية) فيصبح مشروعا عاما للأمة والدولة.

 يرى الإمام الشافعي رحمه الله أن الوقف خصيصة إسلامية حيث لم تكن الأمم تعرف ثقافة الوقف قبل الإسلام، وبهذا يصبح الوقف مشروعا إبداعيا للحضارة الإسلامية، فتتحول الرحمة من العفوية إلى التنظيم، ومن الفردية إلى الجماعية، ومن الإلزام إلى الطوعية، ومن السيولة إلى التعاقد، وبهذا يجمع المجتمع المسلم بين الحسنيين، العلاقات التراحمية، والعلاقات التعاقدية لصناعة النهضة الربانية والإنسانية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق