الاثنين، 20 أبريل 2026

"التدافع" سنن وآيات

"التدافع" سنن وآيات

عطية عدلان
مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي,

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

لماذا يتأخر النصر؟ ولماذا يعاني المسلمون في كل بقاع الأرض من تسلط العداء؟

 أين ما وعد الله عباده المؤمنين من النصر والتمكين؟ ألسنا نحن المسلمين عبادَ الله؟

 فلمَ يتركنا الله لمصيرنا الذي يتحكم فيه الكفرة الفجرة؟ 

ألا يستدعي ما وقع للمسلمين في فلسطين ثم في العراق وسوريا وأفغانستان وما يجري اليوم في الضفة والقطاع وفي ساحات وباحات الأقصى؛ ألا يستدعي ذلك كلُّه تدخل العناية الإلهية لإنقاذ أولياء الله من كيد أعدائه؟ 

إنّنا مؤمنون ولا نرتاب - ولو لجزء من الثانية - في دين الله ولا في وعد الله، لكنّنا نحب أن نعلم ونفهم وتكون لدينا إجابة شافية عن كل تلك التساؤلات وغيرها مما يفرض نفسه على العقل المسلم؛ فهل ثَمَّ تخريج يُسَلِّمُ به العقلُ ويَسْكن به القلبُ وتطمئن به النفس؟

ثبات النواميس وتجدد الآليات

بداية يجب ألا يغيب عن أذهاننا أنّ لله تعالى سنن ونواميس يحكم بها العمران الإنسانيّ، كتلك السنن والنواميس التي يحكم بها الكون بما فيه ومن فيه، سنن ونواميس تمثل القوانين الثابتة التي لا تتبدل الماضية التي لا تتحول، قال تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (الأحزاب: 62)، وفي الكتاب العزيز آيات كثيرة بنفس المعنى، كما يجب أن نفرق بين السنة الماضية الثابتة وبين آليات تحققها المتغيرة المتحولة، فسنَّة (الإملاء للمجرمين ثم أخذهم وهم في ذروة الاستعلاء) سنَّة ماضية ثابتة لا تتوقف ولا تتبدل ولا تتحول، أمّا الآلية والطريقة فتختلف من أمّة لأخرى ومن جيل لآخر: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (الروم: 40)، واختلاف هذه الآليات والطرق والوسائل راجع كله إلى علم الله تعالى وحكمته، لكنّ الثابت أنّ اختلاف الآلية لا يعني تخلف السنّة.

    والكافرون المجرمون المحاربون لأمّة الإسلام ليسوا بدعًا من الأمم، وليسوا استثناء ممن تجري عليهم السنن، ولكنّ الآلية التي يؤخذون بها حتى تنكسر شوكتهم وتنهدم حضارتهم تختلف عن جميع الآليات التي أخذ الله بها أسلافهم، والاختلاف يتفق في بعده وعمقه وفلسفته مع الاختلاف في المعجزة التي يؤيد الله بها رسوله، فقد كانت فيما مضى من الأنبياء والمرسلين معجزات حسّية، أمّا مع خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم فقد جاءت المعجزة على نحو يتفق مع الطفرة التي وثبتها الإنسانية في الرشد العقليّ، جاءت متحدية العقل والرشد والبيان، كذلك الطريقة والآلية التي يأخذ الله بها المجرمين المعاندين لأمة الإسلام جاءت مختلفة كل الاختلاف عن تلك الكوارث الكونية التي كانت تؤخذ بها الأمم السابقة.

خصوصيّة الأمّة الإسلاميّة

كيف يأخذ الله قوى الكفر والإجرام المحاربة لأمة الإسلام؟ ما هي الطريقة والآلية التي يحق الله بها سنة الأخذ في أمم الكفر  المعاندة للدين الإسلاميّ؟ إذا أردنا أن نقف على الحقيقة في هذا الأمر علينا أن نعود إلى كتاب الله تعالى، ففي سورة القمر، وبعد أن قصّ الحق تبارك وتعالى علينا مصارع الغابرين الذين أخذوا بالريح والصيحة والحاصب والغرق، قال سبحانه: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)) (القمر: 43-45)، فتوعدهم الله تعالى بأن يؤخذوا بالهزيمة على أيدي المؤمنين، فلمّا تحقق ذلك في بدر العظمى أنزل الله قوله في الأنفال: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)) (الأنفال: 52-54)، أي أنّ ما جرى من تكذيب وعدوان ترتب عليه الأخذ في بدر كالذي جرى من قبل من الأمم السابقة من تكذيب وعدوان ترتب عليه الأخذ؛ فهي إذن سنة إلهية ماضية لا تتخلف، لكنّها بالأمس جرت بكوارث كونية واليوم تجري بأيدي المؤمنين وجهادهم.

    وإِذَنْ فإذا أردنا أن نسأل: أين نصر الله؟ 

فعلينا أن نسأل أولًا: أين نحن؟ 

ومن سأل: متى نصر الله؟ استتبع سؤاله سؤالًا حتميًّا: متى يفيق المسلمون؟ 

وإذا كان الله تعالى قد وعد المؤمنين بالنصر فإنّه صرح في الموضع ذاته بالشرط، فقال:(يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)(النور: 55)، وعندما وعدهم بالنصر جاء الوعد مقرونًا بمقدمته الضرورية:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: 7)،فهل نحن ننصر الله حقًا؟ وقبل ذلك: هل نحن عباد لله صدقًا؟ هذه هي الأسئلة العملية الجادة.

التدافع سنة إلهية ماضية

ومع بدايات المواجهة المسلحة بين معسكر الإيمان الذي تكون حديثًا في المدينة ومعسكر الكفر الذي يتربص بالمؤمنين نزلت سورة الحج، وهي سورة مكية مدنية، المكيّ منها نزل في أواخر العهد بمكة والمدنيّ منها نزل في أوائل العهد بالمدينة، نزلت وفيها الإذن بالقتال دون إيجاب، مقرونًا بهذه السنة: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40)، ثم في سورة البقرة التي بدأ نزولها في العام الأول من الهجرة نزل قوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: 251)، فالآيتان تؤكدان حقيقة أنّ الله يدفع الناس بالناس، يدفع القوى الظالمة بالقوى المسلمة، ولولا أنّ الله يدفع الناسَ الكافرين بالناس المؤمنين، ويدفع قوى الكفر والظلم بقوى الإسلام والعدل؛ لخرب دين الناس كما تشير آية الحج، ولخربت دنيا الناس كما تشير آية البقرة.

    إنّ وعد الله حقّ، وإن نصر لصدق، وإنّ التمكين والاستخلاف آتٍ لا محالة، ولكنّنا ستار قدرة الله لتحقيق ذلك؛

فماذا أعددنا نحن لذلك؟ وما هي مؤهلات تنزل النصر علينا وتحقق التمكين والاستخلاف لنا؟ 

هل سعينا؟ هل توحدنا ونبذنا ما بيننا من خلاف؟ هل دعونا الله بحقٍّ ودعونا إليه بصدق؟ 

هل فكرنا في مراجعة أنفسنا وتدارك أخطائنا، هل قمنا بالمدافعة للشر ولو بالثبات على مواقعنا في الدعوة والبيان والبلاغ؟

 وهل وضعنا تصورًا لمشروع الإسلاميّ ثم مضينا في تحقيقه ولو بخطوات وئيدة؟ ومن قبلُ هل نحن نحقق في أنفسنا العبودية الحقيقية لله تعالى؟ 

فلنجب نحن على هذه الأسئلة أولًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق