الأربعاء، 29 أبريل 2026

في دائرة الصراع «الهويّة. الذاكرة. السردية»

  في دائرة الصراع «الهويّة. الذاكرة. السردية»

د. محمد عياش الكبيسي
مفكر وداعية إسلامي، دكتوراه في الفقه الإسلامي

لكل أمة على هذا الكوكب هويتها التي تعتز بها وتتميّز بها وتلتقي عليها (دين، تراث، لغة، أرض، تاريخ)

ولكل أمة أيضا ذاكرتها التي تميّز بها أصدقاءها وأعداءها، وتصنيف درجات الصداقات، ودرجات العداوات، وهكذا.

أما السردية فهي عملية تجميع بعض الأفكار والأحداث للوصول إلى فكرة كلية قد تكون حقيقية وقد تكون مخادعة.

في أيام الصراعات والتحديات الخارجية فإن حصن الأمة الأول إنما هو هويتها، ثم ذاكرتها.

وهنا يحاول العدو أن يخترق هذه الهوية وهذه الذاكرة بصناعة سردية معينة، ولنأخذ هذه النماذج

1-في الوقت الذي لا تخفي فيه إيران مشروعها التوسعي (تصدير الثورة) وعزمها على تغيير هوية الأمة وعقيدتها بالقوّة المسلحة (الحرس الثوري وأجنحته الممتدة في العديد من دول المنطقة) فإن أجهزتها الدعائية توجّه أصابع الاتهام لكل من يدافع عن عقيدته وأمته بالطائفية!! بمعنى أنها تعتمد سردية (الطائفية إنما هي الدفاع عن العقيدة والهوية)!

الغريب ليس هنا، بل في بعض المفكرين (التنويريين) والدعاة (المعتدلين) الذين يحاولون كسر مناعة هذه الأمة بالتحذير من (الطائفية) دون تحديد الطرف المعتدي والذي يعتمد الطائفية كلها (بشحمها ولحمها وعظامها) في غزوه لبلاد المسلمين، ودون تحديد أية طريقة لحفظ عقيدة الأمة وهويتها.

2- في أثناء احتلالها للدول العربية وتنسيقها المعلن مع قوى (الاستكبار) الغربي والشرقي، ترفع إيران شعار (القدس) كرمز لسردية خلاصتها؛ أن العرب وجميع المسلمين تخلّوا عن القدس،

وأن إيران هي الوحيدة التي تمتلك مشروع تحرير القدس، ولكن هذا المشروع لا يمكن أن يتحقق إلا باحتلال العراق وسوريا واليمن ولبنان، وربما دول أخرى على الطريق، كما يصرحون بذلك علنا.

ولدعم هذه السردية تم تقديم الدعم للمقاومة في غزة، وهو ثمن زهيد جدا أمام ما حققته إيران من زحف على عواصم هذه الأمة ووضع اليد على كل مقدراتها وإمكانياتها.

لقد وجدت هذه السردية أذنا صاغية لدى بعض الناس، مع أن كل المعطيات الواقعية تكذبها، فإن صراع إيران مع الغرب بدأ قبل الطوفان بكثير، لأسباب كثيرة منها: 

موضوع النووي، والتوسع الإمبراطوري الذي تجاوز الحد، وكون إيران أصبحت رأس السهم للمشروع الصيني الصاعد في المنطقة، وغير ذلك.

وإيران لكل ذلك هي الآن بحاجة إلى (غطاء القدس) أكثر من حاجة القدس لها، فالقدس لم تحتل الآن، وثورة الخميني لم تستلم الحكم في إيران الآن، فما الذي استجد؟

إنه من الغفلة المفرطة تصور أن كل هذه المعارك الممتدة من بيروت إلى الخليج العربي وحتى باب المندب وبعض مناطق العراق، إضافة لتدمير إيران نفسها واصطياد قادتها، كان كله بسبب السردية الإيرانية (تحرير القدس) و (دعم الطوفان).

المهم هنا أن أية سردية يعتمدها الخصم لا يمكن أن تؤثر في أمة من الأمم إلا إذا فقدت الأمة هويتها، وأتلفت ذاكرتها، وأصبحت لا تنظر إلى الأحداث الجسام إلا من خلال (السرديات المصنوعة) و (التصريحات الدعائية) و (آخر نشرة إخبارية).

وفي الختام فإني أشيد بالمقابلة المطوّلة للدكتور خالد الخنجي الذي تناول فيها هذه المفاهيم، وإن كانت بمدخل آخر، وبأسلوب آخر. والتي ربما أرفعها هنا في وقت لاحق.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق