لقد غادرنا زقاق الطفولة منذ زمن، لكن يبدو أن البراءة التي كانت تحمينا هناك تحوَّلت مع الوقت إلى عاهة إدراكية لدى البعض.
كنا نرى العالم بستاناً، والناس ملائكة، وهي نظرة مبرَّرة حين يكون الوعي مجرد برعم لم ينضج بعد؛ فالمحدودية المعرفية في الصغر هي درعنا الواقي من القلق الوجودي. غير أن الكارثة تبدأ حين يصر المرء على ارتداء نظارة الطفولة الوردية وهو يخوض غمار واقع يتسم بما يسميه عالم الاجتماع زيجمونت باومان الحداثة السائلة، حيث الروابط هشة، والمصالح هي المحرك الفعلي خلف الابتسامات العريضة، وحيث العلاقات أصبحت استهلاكاً ينتهي بانتهاء الغرض منه.
إن هذا الإصرار على حسن الظن المطلق، رغم تراكم النكسات، ليس نقاءً سريرياً كما نتوهم، بل هو نوع من النكوص النفسي الذي يرفض الاعتراف بأن العالم ليس أبيض أو أسود، بل هو غابة من الرمادي الموحش.
الحياة لا تمنح صكوك غفران مجانية، والعلاقات الإنسانية ليست استثناءً من قوانين التآكل والتعرية.
الصدمة التي نتلقاها من صديق أو حبيب ليست خللاً في نظام الكون، بل هي الناموس الذي يعيد رسم حدود ذواتنا في زمن الارتباطات الهشة التي لا تحتمل الثقل.
وهنا تبرز خلاصة دراسة هارفارد لتطور البالغين، الأطول في تاريخ البحث العلمي، والتي أكدت أن جودة علاقاتنا هي المحدد الأول لسلامتنا الجسدية قبل النفسية.
فإذا كانت العلاقات هي شريان الحياة، فإن ترك جراحها مفتوحة يعني تسميماً بطيئاً لهذا الشريان. وحين نُطعن، فإننا نميل بفطرة الضحية إلى لملمة الجرح من الخارج، نضع فوقه ضمادات من الصمت، ونمضي كأن شيئاً لم يكن.
لكن الحقيقة السيكولوجية الصارمة هي أن تغطية الأزمة دون معالجتها هي الوصفة المثالية لتعفن الأرواح؛ فالجرح الذي لا يُنظف من الداخل، بمواجهة حادة ومباشرة، سيظل ينزف تحت الجلد، وسينفجر في اللحظة التي تظن فيها أنك تعافيت.
إن مفهوم تنظيف الجرح الذي أقصده ليس فعلاً عاطفياً رقيقاً، بل هو عملية جراحية تتطلب جرأة على المكاشفة في عصر يقدس الهروب السريع.
يعني أن تضع النقاط على الحروف دون خجل، أن تعترف بوقع الخديعة عليك، وأن ترفض دور المنقذ الذي لا يبالي.
المواجهة هي التعقيم الوحيد الذي يمنع الجرح من أن يتحول إلى ألم مزمن يوجه قراراتك المستقبلية.
وبعد هذا التعقيم، يأتي الإغلاق النهائي؛ فإما مصالحة قائمة على أسس جديدة، أو مغادرة حاسمة لا تلتفت خلفها. أن تمضي كأنك لم تُجرح لا يعني نسيان ما حدث، بل يعني تجريد الحدث من سلطته عليك، بحيث لا يعود هو المحرك لردود أفعالك في مواقف لاحقة.
نحن في نهاية المطاف حصيلة قراراتنا، لا ضحايا ظروفنا، والقدرة على إغلاق الملفات المفتوحة هي التي تفرق بين إنسان يصنع مصيره، وآخر يقضي عمره في دور المجني عليه الذي ينتظر اعتذاراً قد لا يأتي أبداً من أشخاص استوعبوا قوانين السيولة قبلنا.
لا أحد يملك الحق في استلاب سلامك الداخلي إلا إذا منحته أنت مفاتيح غرفك المظلمة. إن الاستمرار في النزيف هو خيار شخصي تماماً، فهل نملك الشجاعة لنكوي مواضع الوجع ونمضي، أم أننا اعتدنا على دفء الألم لدرجة أن الشفاء بات يخيفنا أكثر من المرض نفسه؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق