‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. أسامة الأشقر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. أسامة الأشقر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 23 أغسطس 2026

قفزة نظر!

 قفزة نظر!



د. أسامة الأشقر

فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ

1- عندما تفاوض عدوّاً متكبّراً لا يعرف معنى الالتزام بالعهود، ويستخدم كل مفاوضة لتسديد لكمات جديدة إليك مستغلّاً وضعَك أو ضعفَك فإنه يمكنك أن تمارس خداعاً استراتيجياً عليه باستدراجه إلى الفخ الذي ينصبه لك، وذلك يكون بتجهيز خطة إعداد متصلة، وسحب العدوّ إلى ساحة أخرى، وعدم تقديم أي موقف سياسي فيه تنازل عن ثوابتك التي تأسّستَ عليها، والمناورة في الوسائل والأدوات والتكتيكات مع محاولة تخفيف الخسائر قدر المستطاع وانتزاع أي مكسب لضمان حياة كريمة لأرواح هذا الشعب الصابر الفذّ.

2- في هذا الوقت فإن انتظارك الحيويّ لن يكون دون جدوى لأنّك أوقعتَ بعدوك في جولاتك السابقة، وتسببتَ له بخسائر استراتيجية سيعاني منها كثيراً، ويفقد توازنه بتسارع، وستنفتح عليه المشكلات الداخلية والخارجية، في ظل نمو قناعة قوية بضرورة تحييد نفوذ هذا العدوّ في المنطقة وعزلِه بعد ثبوت إمكانية هزيمته عملياً، وثبوت خطره على الجميع وعدم إمكانية التعاطي الإيجابي معه بثقة في ظل التزامه المطلق برؤيته الإحلالية الدينية العميقة.

3- لقد بنى أهل الثغر في السنوات القاسية الأخيرة عليهم ملحمة أسطورية ملهمة أعادت إحياء مشاريع التحرر، وغيّرت خريطة العالم، والمدى القريب سيتحدّث عن تكوينات نشطة ستدفع المنطقة نحو رفع سقوفها السياسية طوعاً أو كرهاً.

وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

ألف يومٍ من خذلان أصحاب أيّوب!

 ألف يومٍ من خذلان أصحاب أيّوب!

د. أسامة الأشقر

• تحدّث إليّ حزيناً بعد ألف يوم من الخذلان يشكو هذا الهمّ الثقيل الذي لحِق بأهله، وكاد أن ينهار من الشفقة والمَحْزَنة، فما كان لكلامي أن يصبّره إذ يرى هذا الواقع بعين الأزمة التي تطوّقه، والفاقة التي تحاصره، ولا تكاد عينُه الأخرى المرهقة الجاهدةُ مثلُها أن تنفتح على المشهد الأعلى الذي تتغيّر فيه دوائر الإغلاق البعيدة، وتنفتح مقتربةً إليه، تحمل البلسم للجروح المفتوحة والمتقرّحة.

• وذكّرتُه بأنّ نخبتكم إذا استدام صبرُها، وتَحصَّل ثباتُها فإنّها موعودة بالخلاص، وما هو أكبر؛ فابتسم الرجلُ لي وقال: لقد أكلتْنا الفاقة يا صديقي، وجعلتْنا كالفقراء الصعاليك!

• فضحكتُ لعبارته، وقلتُ له: روى الطبراني في المعجم الكبير أنّ سيدي رسول الله كان يستفتح بصعاليك المهاجرين! الذين وصفهم بأنهم هم (الذين يُعطُون كلّ الذي عليهم، ولا يأخذون الذي لهم) كما أنتم تعطُون أقصى ما عندكم، ولا تأخذون ما هو واجبٌ لكم وحقٌّ.

• وقد حكى لنا أبو سعيد الخدري: (جلستُ في عصابةٍ من ضُعَفاءِ المهاجرين، وإنَّ بعضهم لَيَستَتِرُ ببعضٍ من العُرْي، وقارئٌ يقرأُ علينا، إِذ جاء رسولُ الله صلوات ربي وسلامه عليه، فقام علينا، فلمّا قام علينا رسولُ الله سكت القارئ، فسلَّم، ثم قال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسولَ الله! كان قارئٌ لنا يقرأُ علينا، وكنا نَستَمِعُ إلى كتاب الله عز وجل، فقال رسولُ الله: الحمد لله الذي جعل من أُمّتي مَن أُمِرْتُ أَن أَصبر نَفسي معهم، وجلس رسولُ الله وَسْطَنَا، لِيَعْدِلَ بنفسه فينا، ثم قال بيده: هكذا، فَتَحَلَّقوا، وبَرَزَت وجوهُهم، قال: فما رأيتُ رسولَ الله عرف منهم أَحداً غيري، ثم قال رسولُ الله: أبشروا صَعَاليك المهاجرين بالنُّورِ التامّ يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أَغنياء الناس بنصف يوم - وذلك خمسمائة سنة- !) رواه أبو داود والترمذي.

• وأوّلُ الناس وروداً على حوض رسول الله هم هؤلاء الفقراء الذين تنطبق صفاتهم على أحوالكم اليوم، فهم (الشَّعِثة رءوسُهم، الشَّحِبة وجوهُهم، الدَّنِسة ثيابُهم، لا يُفتح لهم السُّدَد، ولا يُنكَحون المتنعّمات؛ الذين يعطون كلّ الذي عليهم، ولا يأخذون الذي لهم)، رواه أحمد في مسنده.

• قلت لصاحبي: أتدري ما معنى يستفتح بهم؟ إنه يستنصر بهم، أو أنه يفتتح القتال بهم لأنهم لم يعودوا يبالون بهذه الدنيا من شدّة ما تركتهم!

• كان سيدي رسول الله يتيّمن بأمثالكم من الفقراء المحرومين، ويطلب الظفر من الله ببركتهم وثباتهم وتجرّدهم وإقدامهم، فأنتم حبال النجاة وفواتح البركات لهذه الأمّة، وعِماد قيامتها القادمة، فأبشروا بسعة من الله وبركة، فلن يخذلكم أبداً!

 

الاثنين، 25 مايو 2026

أيُرضيكم هذا!

  أيُرضيكم هذا!



  د. أسامة الأشقر


1- تُقبل علينا أيّام العيد، وقد تكيّفت فطنةُ الناس أنّ السنوات القادمة ستكون في الخيام، وأنّ عليهم أن يشقّوا طريقهم معها كما فعلوا من قبلُ، فيمكن لهذه الخيام أن تتحوّل إلى غرف صغيرة مثبّتة ببعض الجدران الخشبيّة، ألا ترى كيف ارتفع سعر الخشب الغالي إلى نحو عشرة أضعاف!

2- المشكلات كلها كبيرة ثقيلة، لكن أكبر المشكلات البعيدة الأثر أنّ فرص العمل باتت شبه معدومة، وهي فرص صغيرة تضعك في مرحلة ما قبل الحدود الدنيا للمَسْغَبة والمَتْرَبة؛ والفقرُ لا يدخل قرية إلا أفسدها أشد مما يفعل الترف بأهله.

3- وحتى إن كنتَ ذا عملٍ فلا يعني أنّك ستكون ذا مال، فأكثر الحسابات المصرفية الآن تتعرّض للتجميد والإيقاف لأدنى سبب تافه لكي يمنعوا أصحاب الحسابات من إتاحة حساباتهم لتغطية بعض حوائج الجيران والأهل، وأعرف العديد من الأصدقاء الذين لا يستطيعون صرف رواتبهم منذ ثلاثة أشهر بسبب ذلك، وليس الحلّ بتوفير النقد فقومنا ليس لديهم نقود وطنية، والتعاملُ بالشيكل، وفرق سعر الدولار بين الحساب والنقد نحو سبعين شيكلاً .

4- تخيّل أنك ترسل مائة دولار لأهلك أو إخوانك، فيأخذ الصرّافون والوسطاء الإجباريون منك مبالغ قد تصل إلى 20% أو أكثر منها، ثم إذا أرتَ تحويلها إلى نقدٍ يُخصَم منها مثلها أو أكثر، وحتى إن حصلتَ عليها فإن أكثر العملة تالفٌ مهترئ بسبب كثرة التداول، وستجد كثيرين يقولون لك إنها غير صالحة للاستخدام.

5- حتى الآن لم تستطع هذه الدول العاجزة أن تفتح معبراً وطنياً يمثّل شرف أمّتها، وما يزال الدواء والوقود وكثير من الضروريات والاحتياجات ممنوعاً، بل إن كثيراً من الواصل إلى أهلنا ما زال يخضع للابتزاز والنهب المنظّم والسحت قبل أن يصل إلى منصة التوزيع أو البيع.

6- هم يريدون لنا الفوضى حقّاً، فما تزال اللجنة الإدارية التي اختاروها هم ممنوعة من ممارسة أدوارها، وما تزال رجوم العدوّ تضرب كل مجموعة تحاول تنظيم الأمور وسط الكارثة بالنار الثقيلة والفتك الميدانيّ المباشر.

7- نعلم أنهم يريدون التضحية بنا في يوم الأضحى الذي لا نجد فيها الأضاحي، ويريدون تجويعنا وحرماننا من بركة هذا العيد وتوسِعاته، ولكننا نعلم أيضاً ذُقنا الأمرّ من هذا، وأن الصبر محشوّ بضمائر الثبات والاحتمال والقوّة، وأنّ اللهَ بالِغُ أمرِه، ولن يلبث هذا الأذى أن يتحوّل إلى مَن كان سبباً فيه، وسيشفي الله الغيظَ.

8- موقنون وجازمون أنه لن تجدي سياسات قهر هذا المجتمع الثابت المؤمن وإذلاله وتجويعه أيها الأوغاد المجرمون، ففي أرحام هذه الخيام المصفوفة تتشكّل أرتالُ مجتمعٍ نوعيّ جديد عنيد تسمعهم يردّدون بإصرار في يوم عيدهم: 

الله أكبر، الله أكبر… الله أكبر، ولله الحمد!

9- وهناك مساهمة واجبة منتظَرة لا يجوز أن تتأخّر في سرعة نجدة هذه الخيام، وحماية هذه الثلّة المؤمنة الثابتة فيها، والتفكير السريع الجادّ في تغيير واقعها، ونقلها إلى مربّع أكثر قدرة على احتمال هذا التعسّف والخذلان.

الجمعة، 1 مايو 2026

د. أسامة الأشقر يكتب: الكرامة على هيئة قطّة!

 الكرامة على هيئة قطّة!

د. أسامة الأشقر 

▪ تأتيني دائماً أنباء الكرامات التي كان عليها أهل الثغر، وتصلني من مصادر عديدة، وكثيرون لا أعرفهم، وأحسب أنهم من الصادقين، ولكنني ألزمتُ نفسي ألّا أكتب هنا إلا ما علمتُ مصدره عن يقين، وعرفتُ راويه، وتكاملتْ عندي القناعة بثقة روايته.

▪ وقد ورَدَني من بعضهم عجيبة من العجائب، إذْ يحكي لي صاحبي الثقة عمّن كان في هذه الواقعة، أنهم كانوا خمسة من المقاتلين قد ألجأتهم المعركةُ إلى منزل خالٍ، فتسلّلوا إليه خفية، ثم استتروا في سدّة “علّية” هذا المنزل فوق مطبخ مشرف على صالة المعيشة، وهي بمساحة مترين في متر، فإذا بمجموعة من جنود العدو تدخل هذا المنزل، وتحوّله إلى مركز عمليات ميدانية، يراقبون فيه، وينامون، ويطبخون، على مدار الساعة لا يغادرونه.

▪ يقول محدّثي: بقينا في هذا المنزل وفي هذه العلية ثلاثة عشر يوماً، نأكل من مخزون العلّيّة الذي تركه الناس فيها قبل نزوحهم، وبالقليل من الماء الذي نحمله معنا، والذي لا يكفينا إلا لأيام قليلة برشفة صغيرة نبلّل بها شفاهنا ورِيقَنا، ونتبلّغ بالقليل إلى جوفنا حتى انتهى ما لدينا، فغامر أحدُنا بالنزول من العلّيّة، فكان أكثرُ الجنود راقدين، وبعضهم يلعب في جوّاله لكنّ عينه إلى النوافذ يراقب ما هو خارج المنزل، فنزل، وحمل قليلاً من الماء، فصدر صوتٌ من القارورة البلاستيكية التي حملها، فاختبأ سريعاً، فخشينا أن يكشفه العدوّ، فتجهّزنا للموت، فإذا بقطّة صغيرة تموء في المكان، فضحك الجنود لذلك، ونسَبوا إليها هذه الضوضاء، وعادوا إلى أحوالهم، وعجِبنا من أمر هذه القطّة التي جاءت في هذا التوقيت لإنقاذنا بأمرٍ من ربّنا سبحانه.

▪ وقد كنا نتهامس فيما بيننا، ونقرأ القرآن، وندعو الله كثيراً، ونصلّي على رسول الله كثيراً رجاء أن يُكفى همّنا كما في حديث أبيّ بن كعب: إذنْ تُكفى همَّكَ، ويُغفرَ لك ذنبُك؛ وكان هؤلاء الجنود قد جلبوا معهم مولِّدين للكهرباء لهما صوتٍ عالٍ مزعج، فلم يكونوا يسمعوا من همسنا أو حركتنا شيئاً.

▪ وقد كنا نحرص على التيمّم، ولا نكاد نخرج من أجوافنا شيئاً إلا كل بضعة أيام، ونحن محصورون في تلك العلية، فطعامنا قليل، وماؤنا عزيزٌ.

▪ وقد وقعت عين أحدِنا على عيني جندي أثناء تريّضه بتمارين الضغط وهو رافعٌ رأسه، والعجيبُ أنّه لم يره، وقد تكرّر ذلك عدة مرات.

▪ وفي اليوم الثالث عشر أذِن الله بالفرَج، ورفع عنهم الحرج، فكان أنْ صلى أحدُهم الفجرَ، ثم رقد، فرأى والده وكان قائداً كبيراً ارتقى في هذه المعركة، فقال له مُبشّراً: ستُفرَج اليومَ، ولكن الزموا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فأيقظ رفاقه، وبدأوا معاً يصلّون على النبيّ، فلم تمض ساعات قليلة حتّى حزم العدوّ متاعه، وانسحب من المنطقة كلها، فعاد المقاتلون سالمين جميعاً إلى محالّهم.

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025

ائتلاف المآذن

  ائتلاف المآذن

د. أسامة الأشقر

مؤرخ وروائي فلسطيني



1- هناك وحشةٌ في النزوح لا يدركها إلا الواقع فيها، فكل شيء بين الخيام والأنقاض أو بين البيوت المؤقتة يدفع المرء إلى الكآبة، وكل فراغ كان المرءُ يجد فيه السعةَ يغصّ بالقاطنين اللاجئين، فلا يجدُ المرءُ المَكْدود ما يختلي به لينفّس عن ألمه، فهو مشغول الحواسّ دائماً بصياح الصغار، ومطارق الأدوات المكوّمة على بعضها، ولا توجدُ خيمةٌ تكتمُ الكلام داخلَها، فكل كلمة فيها مسموعة في الخيام التي تحيط بها.

2- وبعد أن تهدّمت مئات المساجد، وخرّت سقوفها وجدرانها، وانتقَضت المآذنُ المرتفعة، وهالت القباب المستديرة، أصبحتَ تسير ساعات طويلة بين هذا الوجع الممتدّ فلا تكاد موضعاً تصلي فيه جماعةً، أو تجلس فيه لسماع موعظة، أو تختلي فيه لتناجي ربّك، وتدعوه.

3- وأحسب أن من أهم مشروعات الدعم النفسي اليوم أن نؤسس المصلّيات بين البيوت، وأن نخصص مواضع نعيد فيها رفع المآذن، يأوي إليها العابدون الباحثون عن السكينة وراحة البال ونقاش الأحوال، وتعزيز الشراكات الميدانية بين المانحين والمحتاجين؛ فهلّا ابتدَر القائمون على أمر النزوح والطوارئ، والمبادرون في الإيواء إلى إصلاح بال الناس بخصيص مواضع للمساجد الصغيرة والمصلّيات المؤقتة ذات الكلفة المحدودة حتى تَعْمُر القلوب، وتستعيد حريّتها وإرادتها واستقلالها!

الأحد، 11 مايو 2025

إن عليك إلا البلاغ!

 إن عليك إلا البلاغ!


د. أسامة الأشقر 

مؤرخ وروائي فلسطيني



1- إنّ هذا الدين ليس وظيفةً، وليس دار إفتاء، وليس ديواناً رسميّاً، ولا حزباً دينيّاً مسيّساً، ولا هيئة مكلّفة، ولا جماعةً ولا قبيلةً ولا شعباً ولا دولة…، إنما هو دينٌ أرادنا الله أن نَدِين به على وجهه الذي أراده الله لعباده بتجرّد كامل.

2- أنت أيها المفتي أو صاحب الرأي المطاع لستَ واعظاً في خِضمّ المعركة إلا إن كنتَ بين قومٍ جاهلين غافلين مرتابين، إنّك اليوم في أمّة فيها ملياران من المسلمين يعلمون ويميّزون في حقّ وجوبِ نصرة أهل الثغر ربّما أكثر من علمهم بصلاتهم وسائر عباداتهم وواجباتهم.

3- عندما أصدرتَ الفتوى أو كتبتَ المقالةَ أو تصدرتَ للخطبة أو أثرتَ الرأي هل سألتَ عن أثر ذلك، ومن سيحملها عنكَ، ومن سيعتني بتنفيذها والعمل عليها، وهل قرّبتَ إليها من يتابعونك ويأخذون عنكَ، وسألتَهم عن مقتضاها!

4- هل أنت مستعدّ لدفع ثمنها
والدفاع عنها وتوصيلها إلى ذوي القرار بكل طريقة صعبة أو مستطاعة، ولو عارضتْ فتواك موقف السلطة المتنفّذة التي تعتقد أنها مخالِفة لشرع الله في منع أشكال النصرة؟

5- هل استثنيتَ مَن تخاف منهم في فتواك أو مقالتك لتجد لنفسك مَخرَجاً أو مَهْرباً إذا صدعتَ بالحقّ الذي تعتقده؟

6- البلاغ ليس بياناً أو فتوى، البلاغ هو أن تجتهد وتسعى ليصل بيانُك إلى غايته، وإلى مقصده، ومن القرائن التي تظهر لنا الاختلاف بين مستوى البيان والبلاغ أن البلاغ الكامل هو البلاغ المبين الذي لا شبهة فيه ولا لبس ولا تحوير ولا مداراة ولا مداهنة ولا مسايسة ولا حزبية ولا عصبيّة ولا مصالح ذاتيّة: (فإنما على رسولنا البلاغ المبين)، فالبلاغ المطلوب هو فوق البيان العادي الذي يأتي عادةً في سياق الوعظ العام والظرف الاعتياديّ.

7- هذا البلاغ يجب أن يكون جليّاً: صواباً في موضوعه، وصِدقاً في نفسه، ومطابقاً للمقصود به، وأن يكون مقنعاً في عرض الحقّ بحيث لا يجد فيه المبلَّغ المتجرّد عن الهوى والغرض ما يعترض موضوعه إلّا أن يتعنّت.

8- هذا البلاغ فيه حجّة ومجادلة، ويمكن أن يكون فيه ومصادمة ليؤدَّى كما هو، وفيه مشقّة لتحقيقه لأنه يكون غالباً في سياق الإعراض والرفض والتحدي، ويمكنك أن تفهم هذا من الجوّ العامّ لهذه الآية:
(فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إنْ عليك إلاَّ البلاغ).

9- ولا مجاملة في تشديد الأمر بالبلاغ، وأنّه مسؤوليّة كبيرة يُكلّف بها العالِم (يا أيها الرسول بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته)، فالبلاغ يكون بمواقفكم الحاسمة والصدع بالحقّ والثبات عليه، وتفنيدكم لشبهات السياسيين والملبّسين والمتنفّذين والجبناء وذوي الأهواء.

10- وإذا أدّى العلماء البلاغَ على وجهه، واطمأنّوا إلى بلوغه للجمهور المستهدَف، انتقلت المسؤوليّة من المبلِّغ إلى المبلَّغ (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)، فالمبلِّغ لا يتحمّل مسؤولية المعرضين المتولّين، وليس مكلّفاً أن يُحْدِث الهدى فيها، وليس مطالباً بالأسف عليهم إذا توّلوا.

11- أيها العلماء! إنّ البلاغ موقف فاصل، وأيّما عالمٍ لا يبلّغ البلاغ المبين فقد غشّ الحاكم، وغشّ الناسّ، وغشّ نفسه، فاتّقوا الله، وأدّوا ما أوجَبه عليكم، أو استقيلوا عمّا لا تستطيعونه!

الجمعة، 9 مايو 2025

حقّ الشجاعة!

حقّ الشجاعة!

د. أسامة الأشقر

مؤرخ وروائي فلسطيني


 1- الشجاعة التي ترونها في أهل الثغر اليوم بحرٌ ثائر زاخر لا يخوضه إلا فدائيٌّ جَوَادٌ عوّامٌ، أو نبيلٌ شريفٌ حَسِيب.

2- وإنّك كلّما غرفتَ من هدير هذا البحر وهياجه فإنه يحلو لك بعد مرار، ويَعْذُب بعد ملحٍ، ويزداد مع كل نقصٍ.

3- إن محلّ الشجاعة عند هؤلاء الجوّاسين أولي البأس هو في جرأة الفؤاد، ونقاء الروح، وحكمة الضمير، وتجرّد العبادة، وأناقة الهجوم.

4- والشجاعة التي يعرفونها هي السياسة الفاضلة والإرادة الحرّة والاستقلال الحقّ؛ وهي الحبل الذي يشدّ الخير إليك، والرصاصة التي تنطلق من ثورة الحقّ لديك، وهي شعلة الغضب التي تنقدح من حرّيّتك، وهي الدم الذي يتدفق في شرايينك، وهي العروق التي تشدّ أنواط القوّة المجبولة فيك.

5- وشعائر الشجاعة عندهم هي الإبداع في تناوش الأعداء، والتباهي في انتزاع أرواح مردة الشياطين، والدخول عليهم من كل باب حصين.

6- وليست الشجاعة في دروعك الفولاذية التي تتحامَى بها، ولا في سرعة فرارك عندما يتوجّب اللقاء، ولا في أوقار أذنيك التي تتجاهل بها هزيم الرعد المشتبك، ولا في زيادة حساباتك السياسية، ولا في إعادة قياس قدراتك التي تنقص كل يوم بسبب جبنك وخوفك وتبريرك وتأخيرك في اتخاذ القرار الذي تعرفه حق المعرفة.


الثلاثاء، 22 أبريل 2025

إنهم يكشفون أوراقهم!

 إنهم يكشفون أوراقهم!


د. أسامة الأشقر

مؤرخ وروائي فلسطيني، مستشار سياسي بمركز الراصد للدراسات




1- لا يوجد في الدنيا حملات بريئة أو متجرّدة من المرجعية والانتماء، فهذه الحملة المشتعلة الآن واحدةٌ من أوسخ الحملات التي تستهدف روح الشعب وروابطه المنسوجة بذكاء المجتمعات المتحضرة، وتستغلّ حالة الاستنزاف النفسيّ الذي فيه ليغّير اتجاه مشاعره الغاضبة المتوجهة إلى أعدائه لتتوجه إلى مكوّنات أساسية في داخله.

2- تستغل هذه الحملة مواطن الضعف النفسي والإرهاق غير المسبوق في الروح المعنوية والاضطراب النفسي الناجم عن انعدام الاستقرار وأساسيات الحياة من شراب وطعام ومأوى.

3- لا تسعى الحملة إلى ترميم الوضع النفسي وإعادة بعض التوازن إلى المجتمع المنكوب الذي يحاول التماسك بشقّ الأنفس وبأدنى كلمة أو سلوك، كما لا تراعي ظروفه ولا سمعته.

4- لا تسعى الحملة إلى تحديد غاياتها بشكل مباشر، وهي لا تتحدث عن إخضاع الشعب أو استسلامه، بل تخاطبه بوصفه القادر على التغيير من خلال انتهاج سلوكٍ احتجاجيٍّ سهلٍ يقترحونه على هذا الشعب الذي تنعدم أمامه الخيارات.

5- من أخطر ما تسعى إليه هذه الحملات هو تسويق حلول وهمية على الأرض تبدأ بتنظيم وقفات احتجاجية ضد المناضلين وتشجيع العامّة على إيذائهم واعتراضهم في مرحلة الاستثارة العاطفية، وصولاً إلى محاولة منعهم من أيّ تحرّك، وإشعارهم بأن ذلك قد يؤدي إلى وقف القصف عليهم وذلك في مرحلة ما يسمّى ب«إزالة الكوابح» وفق ما كتبوه في خطتهم، ثم الانتظام في نسخ نماذج الاحتجاج والاعتراض وتكرارها في مواضع عدّة للإشعار بانتشارها وجاهزيتها لأي حلول بدون أية سقوف.

6- هذه الحملة تعدّ من أكثر الحملات غشّاً وخداعاً، تُظهر نفسها بلباس إنسانيّ رحيم خائف على أرواح المدنيين، وتَفرش شعائر الحزن الباكي على ما جرى لهم، ولكن الحقيقة أن عينها واحدة لا تنظر إلا إلى سلاح المناضلين وما في أيديهم من غنائم ثقيلة، وإلى تصفيةِ قوتهم، ولا تبالي بأحزان الشعب ودموعه.

7- لا تسعى هذه الحملة الضخمة المموّلة إلى مواجهة حملة العدوّ العسكرية أو محاصرته دعائيّاً أو دعوة المحيط العربي والدوليّ للتدخّل الإيجابيّ.

8- ومن قذارة هذه الحملة أنها لا تحتاج للتنسيق المباشر مع العدو لأنها شديدة الانسجام معه وتستفيد من ضغوطه دون أن تتحمل تبعات وحشيّته، والغريب أن العدوّ صار يستفيد منها ويركبها ويروّج لها بفجاجته المعهودة مما يُضعِف تأثيرها بسياسته هذه من حيث أراد دعمها وإسنادها.

9- هذه الحملة تشتغل بهستيرية ظاهرة، تقودها أحقاد وعصبيات تربّوا عليها، وليس فيها شرف ولا أخلاق، وهي لا تداري عواطفها المعادية، والضابط الوحيد في تصعيد حملتها وتصدير أجنداتها هو ألا يُعلَن اسم الجهة المركزية التي أطلقتها وتموّلها وتشرف عليها، وتحلل التغذية الراجعة منها، وتصرف بعد ذلك مخصصاتها منها.

10- وهي حملة جدّيّة تنتظم فيها كل أدوات القوة المتاحة لهؤلاء وباستخدام المنابر المملوكة لهم جزئياً أو كلياً بالكامل، ولم يعودوا يخشون انكشاف هذه المنابر ومرجعياتها، ولا انكشاف الشخصيات المتعاونة أو المأجورة أو المتفقة معها، فالأوامر واضحة للجميع بالانخراط فيها حتى لو خسرت مصداقيتها أو مهنيتها.

11- هذه الحملة المدروسة تتّسم بالتركيز والتكرار والردم المستمر وتحفيز الانفعالات المتراكمة، وتعمل على إشراك أكبر عدد ممكن من المتفاعلين معها لبلوغ أهدافها، وينشرون على كل الحبال التي ترتبط بهم حتى لو كانت وسخة.

12- ولأن وقت هذه الحملات محدود بمواسم الضغط العسكريّ وحلقات التأزيم المسقوفة بأزمان مدروسة فليس هناك تدرّج في بث المضامين المتفق عليها، فتراها تفتح كل الأبواب الكبيرة أو الصغيرة المتاحة لها، ولذلك وقعوا في أخطاء غبيّة ساذجة في توجيهها ولم يصحبهم التوفيق في إدارتها.

13- هذه الحملة ستفشل لأنها سياسية دعائيّة استفزازية محضة ولا قيم فيها، ويَفُوتها أيضاً أن الجمهور المعلن المستهدف لا يستطيع التجاوب معها بسبب انعدام الكهرباء والتشرد والشظف الشديد وانعدام الاستقرار وزهد الناس في التفاعل مع أي شيء لشدة الضغوط وكثرة الواجبات وانعدام الحيلة.

14- ولأنها ستفشل هكذا فلابد من تحريك أدواتهم المرتبطة بهم على الأرض لذلك سيجازفون بكشف عملائهم الميدانيين تحت ضغط الوقت، وهي فرصة للمناضلين أن يكشفوهم ويضعوا أيديهم عليهم.

15- وعلينا أن ننتبه الآن أكثر فثمّة جمهور آخر مستهدف من هذه الحملة في الناحية الأخرى من الوطن المسلوب، تتوجه فيها أدبيّات الحملة إلى تخويف الضفة وتحذيرها من أي استجابة، وردعها نفسيّاً؛ كما أنها في طريقها لاستهداف الجمهور المحيط والعالمي الذي أدرك بوعي كبير أبعاد ما يجري، ويتخذ مسارات عملية تضامنية وربما إسناديّة.

الجمعة، 11 أبريل 2025

رسالة إلى السادة الموظفين العلماء! (٢)

 

رسالة إلى السادة الموظفين العلماء!
(٢)


بقلم د. أسامة الأشقر 
مؤرخ وروائي فلسطيني

إن عليك إلا البلاغ!

1. إنّ هذا الدين ليس وظيفةً، وليس دار إفتاء، وليس ديواناً رسميّاً، ولا حزباً دينيّاً مسيّساً، ولا هيئة مكلّفة، ولا جماعةً ولا قبيلةً ولا شعباً ولا دولة…، إنما هو دينٌ أرادنا الله أن نَدِين به على وجهه الذي أراده الله لعباده بتجرّد كامل.
2. أنت أيها المفتي أو صاحب الرأي المطاع لستَ واعظاً في خِضمّ المعركة إلا إن كنتَ بين قومٍ جاهلين غافلين مرتابين، إنّك اليوم في أمّة فيها ملياران من المسلمين يعلمون ويميّزون في حقّ وجوبِ نصرة أهل الثغر ربّما أكثر من علمهم بصلاتهم وسائر عباداتهم وواجباتهم.
3. عندما أصدرتَ الفتوى أو كتبتَ المقالةَ أو تصدرتَ للخطبة أو أثرتَ الرأي هل سألتَ عن أثر ذلك، ومن سيحملها عنكَ، ومن سيعتني بتنفيذها والعمل عليها، وهل قرّبتَ إليها من يتابعونك ويأخذون عنكَ، وسألتَهم عن مقتضاها!
4. هل أنت مستعدّ لدفع ثمنها والدفاع عنها وتوصيلها إلى ذوي القرار بكل طريقة صعبة أو مستطاعة، ولو عارضتْ فتواك موقف السلطة المتنفّذة التي تعتقد أنها مخالِفة لشرع الله في منع أشكال النصرة؟
5. هل استثنيتَ مَن تخاف منهم في فتواك أو مقالتك لتجد لنفسك مَخرَجاً أو مَهْرباً إذا صدعتَ بالحقّ الذي تعتقده؟
6. البلاغ ليس بياناً أو فتوى، البلاغ هو أن تجتهد وتسعى ليصل بيانُك إلى غايته، وإلى مقصده، ومن القرائن التي تظهر لنا الاختلاف بين مستوى البيان والبلاغ أن البلاغ الكامل هو البلاغ المبين الذي لا شبهة فيه ولا لبس ولا تحوير ولا مداراة ولا مداهنة ولا مسايسة ولا حزبية ولا عصبيّة ولا مصالح ذاتيّة: (فإنما على رسولنا البلاغ المبين)، فالبلاغ المطلوب هو فوق البيان العادي الذي يأتي عادةً في سياق الوعظ العام والظرف الاعتياديّ.
7. هذا البلاغ يجب أن يكون جليّاً: صواباً في موضوعه، وصِدقاً في نفسه، ومطابقاً للمقصود به، وأن يكون مقنعاً في عرض الحقّ بحيث لا يجد فيه المبلَّغ المتجرّد عن الهوى والغرض ما يعترض موضوعه إلّا أن يتعنّت.
8. هذا البلاغ فيه حجّة ومجادلة، ويمكن أن يكون فيه ومصادمة ليؤدَّى كما هو، وفيه مشقّة لتحقيقه لأنه يكون غالباً في سياق الإعراض والرفض والتحدي، ويمكنك أن تفهم هذا من الجوّ العامّ لهذه الآية: (فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إنْ عليك إلاَّ البلاغ).
9. ولا مجاملة في تشديد الأمر بالبلاغ، وأنّه مسؤوليّة كبيرة يُكلّف بها العالِم (يا أيها الرسول بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته)، فالبلاغ يكون بمواقفكم الحاسمة والصدع بالحقّ والثبات عليه، وتفنيدكم لشبهات السياسيين والملبّسين والمتنفّذين والجبناء وذوي الأهواء.
10. وإذا أدّى العلماء البلاغَ على وجهه، واطمأنّوا إلى بلوغه للجمهور المستهدَف، انتقلت المسؤوليّة من المبلِّغ إلى المبلَّغ (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)، فالمبلِّغ لا يتحمّل مسؤولية المعرضين المتولّين، وليس مكلّفاً أن يُحْدِث الهدى فيها، وليس مطالباً بالأسف عليهم إذا توّلوا.
11. أيها العلماء! إنّ البلاغ موقف فاصل، وأيّما عالمٍ لا يبلّغ البلاغ المبين فقد غشّ الحاكم، وغشّ الناسّ، وغشّ نفسه، فاتّقوا الله، وأدّوا ما أوجَبه عليكم، أو استقيلوا عمّا لا تستطيعونه!

رسالة إلى السادة الموظفين العلماء! (١)

الخميس، 10 أبريل 2025

رسالة إلى السادة الموظفين العلماء! (١)

 

رسالة إلى السادة الموظفين العلماء!
(١)



بقلم د. أسامة الأشقر 


1. يبتدئ التضليل عند دوائر الفتوى الوظيفية بالتشكيك في المسلّمات الشرعيّة التي نؤمن بها ممّا تلقّيناه من مصادر التشريع وأئمته الكبار، ويفتتحون لنا التضليل بمنطق منهجيّ بأنّ ثمّة حكماً شرعيّاً، ومناطاً للحكم، وتحقيقاً لهذا المناط، ثم يحتالون بالقول إن الحكم مبثوث في بطون الكتب، ويتجاهلون الإشارة إليه وبيانه، ثم يشغلونك بالمناط وتحقيق المناط، ويقولون إن فهم ذلك صعبٌ جدّاً لا يفقهه إلا أهل الحكم والولاية، وهم أصحاب الشأن وحدهم دون غيرهم، ويتكلمون باسم الحكومة في شأن سياسيّ لا يفقهون فيه إلا ما ظهر على السطح لهم مما لقّنتهم إيّاه أبواق الحكومة وإعلامها ومكاتب الظلّ فيها.
2. أكثر هذه الدوائر الوظيفية لا يفرّقون بين المتغيرات السياسية المؤقتة وظروفها، والثوابت السياسية المستقرّة التي يمكن المناورة حولها وليس بها أو عليها؛ ولا يعرفون أنهم يعطّلون الأحكام الشرعية الثابتة بدعوى تعذّر تنزيلها بسبب ظروفها المؤقتة؛ وأكثر دوائر الفتوى هذه من أشد الناس سذاجة في السياسة وتدابيرها وتراتيبها، ولا يفهمون منها إلا الطاعة للسلّم الوظيفي؛ ولا يعرفون أن السياسة علمٌ كبير وخطير له أكاديمياته وأساتذته وخبراؤه، وهم ليسوا بالضرورة سلطة متنفذة آتية بالتغلّب أو الوراثة أو الاستقطاب.
3. لا تجيبنا دوائر الفتوى الوظيفيّة هذه عن إشكالية الجمع بين طاعة قرار السيّد المتنفّذ على قرار الدولة من جهة، وبين توجّهات هذا السيد المتنفّذ وارتباطاته وارتهان قراره السياديّ للعدوّ وحلفائه في مسألة منع النصرة المؤثّرة، فكيف نطيع حاكماً مغلوباً على أمره السياديّ وقراره الاستراتيجي في واجبٍ شرعيّ كلّي يريد نقضه وإزالة العمل به!
4. واجب الفتوى في هذه الظروف الصعبة أن تتوجّه إلى الحكام العاجزين والغائبين والدول اللاهية والمتجاهلة والمتواطئة كما توّجهونها إلى الأفراد والأعيان والأحزاب المغلوب على أمرها، والعجيب أنّكم توجبون على شعوبكم العجز وهم ليسوا بعاجزين، والأمر كلّه في حقيقته يتعلق عندكم بتقديرات مرجعيّاتكم الموهومة أو الجبانة أو المرتبطة.
5. أهل الثغر مُستضعَفون الآن ويُقتلون، وهم يبادون الآن لأنّهم مصرّون على حقوقهم التي أمرهم الله بالدفاع عنها وصيانتها، وليس ثمّة وقت مستقطَع في هذه الإبادة، وليس عندنا ترف الانتظار، بينما جيرانهم الأقربون والقريبون لا يقومون بأيّ أمر ذي بال رغم وجوب النصرة عليهم كما تقرّر لديهم في مصادر الفتوى ومراجعها المعتبرة، ولكن دوائر الفتوى الوظيفية تشتغل على خط التثبيط، ولم تعمل يوماً في خط التثبيت.
6. إذا كنتَ غير قادر على القتال أو النصرة أو تعذّر عليك ذلك، فاعترِف بما أنتَ عليه سرّاً أو جهراً، وصارِح ذوي الشأن والرأي المستقلين الأمناء بعجزك، وهم سيقررون إذا كان ادّعاؤك هذا حقّاً أو مداراة والتفافاً.
7. ومهما كان الأمر فيجب على دوائر الفتوى أن تفتح باب الاجتهاد في إمكانات النصرة التي لا تنتهي أشكالها وأساليب الإمداد والإسناد فيها، وإيّاها أن تتورّط في تخذيل الناس ومنعهم من أداء ما يجب عليهم.
8. وأما الحدود والدولة القطريّة فإنها لم تكن يوماً في التشريع مانعاً من موانع النصرة أيها العلماء، وإنما هي شأن إداريّ تنظيميّ بحت يُحترَم ويُلتزم به في غير معصية الله.
9. واستقرار البلدان ليس شأناً تكتيكياً بل هو شأن استراتيجيّ، وزعزعة الاستقرار تكون بترك هذا الكيان على حاله وتمكينه ومسالمته، ومن المعلوم لدى حكوماتنا في أدبيات الأمن القومي والوطني أن هذا الكيان عدوّ استراتيجيّ لكنهم منذ سبعين عاماً يتعاملون معه على أنه خصم سياسي يمكن التفاهم معه.
10. شفقتكم الزائدة ودموعكم الزائفة علينا لن تنطلي على الناس، وكان بإمكانكم على الأقلّ أن تدعو الدول للاجتماع على كلمة سواء وردع العدو وتخويفه وتهديده ولو بالضغوط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية… ولكنكم لم تفعلوا ذلك أبداً.
11. وأمّا اجتهادكم في البحث عمّا يثبّط الناس، وتردادكم للتحليلات الفاسدة غير الموضوعيّة، وتبريركم لسقوط مواقف حكوماتكم فهذا من الخذلان المبين الذي ستحاسبون عليه عند رب العالمين، وأخشى أن يسلّط ربّنا سبحانه الناسَ عليكم يوماً ليحاسبوكم ويؤدبوكم كما رأيتم من قبل.
12. ولا يجوز لكم أن تصفوا حكوماتكم بغير ما هي عليه، فالمواقف والأحكام تؤخذ من ألسنة الأفعال لا ألسنة الأقوال أيها السادة العلماء.
13. ودعوى عدم التوازن في القوّة من التضليل فلطالما كانت معارك الإسلام الأولى من غير توازن، وكان النصر حليفهم مصحوبين بمعيّة الله وتوفيقه لعباده، ونعلم أن الله لا يكلف نفساً فوق وسعها، ونعلم أيضاً أنه أمرنا بإعداد ما نستطيع، وقد أعددنا فائق القوة التي استطعناها وحققنا الكثير حقاً وثبتنا ثباتاً عظيماً، وكان ينقصنا أن تكونوا معنا، لكننا عجزنا عن استدعائكم منذ عقود طويلة رغم وجوب ذلك عليكم، ولو أردتم النصرة حقّاً لأعددتم لها عدّتها، بل كان بعضكم ممن ناصبَنا العداء جهارة وكأننا العدو دون أولئك الأوغاد، فاتقوا الله أيها المفتون، وكونوا لله فيما تعلمون!

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2024

امرأة من الجنّة.. سيّدة الثبات!

  امرأة من الجنّة.. سيّدة الثبات!

د. أسامة الأشقر



1- أكثر ما يشدّني إلى شخصيّة سيدتنا وأمّنا خديجة بنت خويلد الأسديّة رضي الله عنها أنها كانت سيّدة ناضجة متوازنة الشخصيّة، ولديها ثبات نفسيّ عجيب يجعلها امرأة استثنائيّة فريدة كانت من أركان الإسلام الأولى.

2- السنوات العشر التي قضتها مع سيدي رسول الله بعد البعثة هي من أصعب السنوات وأكثرها أزمات وأحداثاً ضاغطة أظهرت فيها شخصيتها العظيمة، وأثبتت أنها سيدة الثبات الأولى التي تستحق أرفع مقامات التكريم على أدوارها في بدايات الإسلام وبزوغ شمسه.

زوجها رجل استثنائيّ

3- لقد أدركت أن زوجها رجل استثنائيّ، وقررت أن تكون إضافة له وتكميلاً، وأن تسخّر كل إمكاناتها ليؤدي رسالته، ويحظى ببيئة داخلية مستقرّة يجد فيها الأنس والراحة وصلاح البال والتوازن.

4- كانت تذهب إليه في تحنّثه في غار حراء تمشي نحو خمسة أكيال ونصف لتوصل له طعامه وشرابه وزاده، وتصعد جبلاً يزيد ارتفاعه عن ثمانمائة وستين متراً فوق سطح البحر، ولا تزعجه، ولا تقطع عليه خلوته، ولا تعكّر عليه صفو وصاله مع السماء، وكأنّها كانت تدرك أن شخصية زوجها لا يمكن أن تجعله راهباً ينقطع عن الناس ويعتزلهم، بل إنه كان يتزوّد ليعود للناس، ويكون معهم، ويحملهم برفقته إلى بوابة السماء التي نهَل منها.

5- سخّرت السيّدة العظيمة أموالها في خدمة زوجها، وأضافت رصيدها إليه، ومكّنته اقتصاديّاً حتى قال بعض المفسرين إن ربّنا أغنى سيدنا محمّداً بمالها (ووجدك عائلاً فأغنَى)، وقد حكى ابن شهاب الزهري أنها أنفقت أربعين ألفاً وأربعين ألفاً أخرى على مشروع زوجها ورسالته.

قاست عضّة الحصار والحرمان ثلاث سنين
6- وقاست أمّنا خديجة عضّة الحصار والحرمان ثلاث سنين لكنها لم تكن شخصية سلبيّة أو حياديّة فاستخدمت نفوذها القبليّ والمالي في قومها بني أسد لإسناد أسرة زوجها المحاصرين في بني هاشم، واستغلّت ثغرة في صحيفة المؤامرة لا تنصّ على حصار من هم من غير بني هاشم وبين المطلب فكان يأتيها دعمٌ من أهلها ولاسيما ابن أخيها حكيم بن حزام بن خويلد فتجعل ما يأتيها لهذا المجتمع المحاصَر الجائع.

7- كانت فوق إيمانها العميق وحنيفيّتها الظاهرة الحلقة الأقوى حول رسول الله، تدعمه وتؤازره وتدثّره وتزمّله وتؤمن بصدقه ومصداقيّته وتعرف مواضع التفوّق فيه، وتدرك أن رسالته تستحق أن يتحمّل المرء فيها أشدّ العناء، وما تزال كلماتها شاهدةً على وعيها الحاضر وفكرها العميق: (كلا والله لن يخزيك الله أبداً، إنّك لتصل الرحمَ، وتَحمِل الكَلّ، وتُكسِب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، أبشِر يا ابن عمّ، واثبت! فوالذي نفس خديجة بيده إنّي لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمّة).

8- وقد وصلت خديجة إلى يقين كامل بأن هذه الصفات الكاملة في زوجها هي صفات نبيّ موحَى إليه، وهذا الإدراك من شواهد رجحان عقلها وكمال شخصيتها وقوّة معارفها، ولذلك استدعت ابن عمها العالِم العارف بالكتب والأديان ورقة بن نوفل ليعين في تثبيت زوجها وتقويته على حمل رسالته في بداية التكليف الإلهي له ببلاغ رسالة الله.

أحاطت النبي بدعم مستمر لا ينقطع

9-
ولم تترك السيّدة خديجةُ زوجَها بعيداً عنها، وأحاطته بدعم مستمر لا ينقطع، ومنحته الثقة الكاملة، ووفرت له المحضن الآمن المنيع (آمنت به إذْ كفر الناسُ، وصدقتني إذ كذبني الناس، وآستني بمالها إذ حرمني الناس).

10-
وقد خصّها الله تعالى بمزيّة نادرة لا تحدث عادة سوى للأنبياء وهي أن جبريل طلب من رسول الله أن يقرئها السلام من ربها ومنه، وأن يبشّرها ببيت في الجنّة من قَصَب لا صخب فيه ولا نصب، كما في حديث الصحيحين؛ وسلام الله تعالى عليها الذي أوصله جبريل إليها، وحرص جبريل على تبليغ سلامه الشخصيّ لها يدلّ على خصوصيّة معرفتها بربّها وقربها منه، وكأنّ روحها اندمجت مع روح رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه، فاستشعرت مقام القرب من جناب الله وحضرته المتعالية.

عرّفها الله مكانتها ومكانها وجزاءها في الآخرة
11-
وأظنّ أن من دواعي كمال شخصيتها أن الله تعالى الله عرّفها مكانتها ومكانها وجزاءها في الآخرة ومكافأتها نصّاً في مرحلة مبكّرة من حياتها الدعوية فكانت امرأة من الجنّة تمشي على الأرض، وكانت تدرك تماماً ما يقتضيه كونها من سيّدات الجنّة الرفيعة، وضرورة الالتزام بمواصفات أهل الجنّة الذين رأوا عين اليقين.

12-
لذلك كان رسول الله لا يكاد يرى امرأةً إلا هي، وقد أعلن حبّه لها: “إني رُزقت حبّها”، وجعل محبته لها رزقاً ساقه الله إليه، وأتاه دون سعي منه، وجعله له طُعمةً وبُلغةً وزاداً، وتقوّى بحضورها معه، وتعزَّى بتثبيتها له، وتحصينها لداره، وكفته أمر متابعة أمور بيته ليتفرّغ لرسالته ومعركته.

ولو كانت أمّنا خديجة في زماننا لأحبّت نساء أهل الثغر، وشهدت على ثباتهنّ، رضي الله عنهن أجمعين!

السبت، 26 أكتوبر 2024

تدبُّر في معاني «لن يضروكم إلا أذى»

 تدبُّر في معاني «لن يضروكم إلا أذى»

د. أسامة الأشقر
مؤرخ وروائي فلسطيني



1- كان مذاق هذا اليوم السابع فاخراً لم يذقه الناس من قبلُ، وهو طعامٌ عجيب غذّى الروح، وشَحَنَها بالاندفاع، وغَمَرها بالثقة، وقلَب المشهدَ، وغيّر المدى، ولكنّ بعض آثاره الظاهرة في الميدان الاجتماعي العام كان فيها مرارة فاجعة، وحزن عميق، وغضب نازف، وتيه لا دليل فيه، وشعور جارف باليتم والخذلان، وقد حلّ البلاء والدمار والفقد والنقصان بكل ما حولهم ؛ ولولا أنّ الله يلقي على عباده بعضاً من رحمته، ويكرر عليهم شواهد من دلائل نصره القادم ليخفف عنهم شدّة المصاب لكان الحال أشبه بجائحة نفسيّة جماعيّة مجنونة لا يشفى أحدٌ من عقدتها.

2- ولا شك أن في هذا الطوفان الكبير أذىً قد جرى الإخبار القرآنيّ بأشباهه والتنبيه عليه والحثّ على الاستعداد له وتحمّل عواقبه، وهذا لا يعني أن هذا الطوفان أذى في الاستنتاج البارد، فإن النصيحة يكون فيها أذى، لذلك كانوا يوجّهوننا كيف نقلّل اتجاه الفضيحة في النصيحة، ونَزِنُها ميزانَها؛ كما أن في السفر أذى للمشقّة فيه وانقطاعه عن الأهل والأحباب ومألوف العادات.

3- وقد كنتُ أتحدّث لإخواني أنّنا كنا نرى كتب التفسير تذهب إلى أن الأذى في قوله تعالى: (لن يضروكم إلا أذى) هو المكروه اليسير والشرّ الخفيف، حيث نظروا إلى سياق بعض الآيات فاستنتجوا هذا، فطالَعوا هذا: (إن كان بكم أذى من مطر)، وهذا (أو به أذى من رأسه)… فذهبوا هذا المذهب.

4- وفاتَهم أن الأذى هنا ناتجٌة من النواتج، وضرر مقدّر بقدره، وهو يوزَن بالقدر الذي يكون عليه في كل سياق أو قضيّة، لأنّ حقيقته هو في النواتج السلبية من تداعيات الأمر، وردود الفعل عليه، وتغذيته الراجعة.

5- ولأنّه ناتجةٌ وأثرٌ فإن أثره يتوزع معناه في اتجاهات عدّة نحو التقذُّر والوجع والاستقباح والرهق والإزعاج والملل واستمرار القلق والكآبة والحزن وعدم الانتفاع والإهانة والانكسار والهمّ والغمّ…

6- وهذا الأذى في أصل الوضع اللغوي قد يتجه صوب الضرر الخفيف كالشعور الذي يصيبك من الحر الشديد أو البرد الشديد، إذ أوّلوا الأذَى بأنّه شِبْه البَعُوض الذي يأتي عقب المطر يَغْشَى الْوَجْه ولا يَعَضُّ؛ وقد يتجه صوب الضرر الشديد كالآذِيّ الذي هو موج البحر الشديد المتلاطم الذي يمكنه قلب السفينة وتكسير الشواطئ واجتياحها؛ وقد يكون هذا الأذى على مدى متطاول، ومنه الناقة الأَذِيَة التي تراها في حركة دائمة لا تكاد تستقر، وكأنّ بها وجعاً أو أذى مخلوقاً معها فتظل في قلق متصل واضطراب غير منقطع.

7- والتهوين في الآية (لن يضروكم إلا أذى) ليس مادياً خفيفاً أو نفسيّاً عابراً كما فهمه بعضهم بعد أن استقر لديهم أن الأذى هو المكروه اليسير، فجعلوا الضرّ يتضمّن دلالات القتل والأسر والإعاقة المستديمة والدمار المنتشر، وجعلوا الأذى يتضمّن ما هو أقلّ منه كالطعن والجراحة والإذلال والتهديد والحملة الإعلامية والتشويه والدسائس والمؤامرات الشاغلة… بل إن زاوية التفريق بين الضر والأذى تتعلق بالتداعيات والآثار، فإن الضرر هو الفعل الشرير كبيراً كان أو صغيراً، والأذى هو ناتج هذا الضر صغيراً كان أو كبيراً.

8- وهذه الآية لم تكن في فهمي تهويناً للضرر الذي سينشأ عن ملاقاة هؤلاء الأوغاد الفاسقين، بل إنه تأكيد لنظرة واقعيّة بأن هذا الضرر سيكون له مستوى من الأذى يكافئ الضرر الموجود فيه وقد يخرج عن حدّه، ومن المفهوم أن الضرر إذا كان متصلاً طويل الأمد فإن الأذى الناتج عنه سيكون مصاحباً له حتى يرتفع الضرر المباشر ويتوقف، وعند ذلك يذوب الشعور بهذا الأذى لشدة اعتياد العظائم فيه بكثرة تكرارها، وهو ما يعني تخليق جيلٍ مسبوك بالنار والثأر المحتدِم وإرادة التضحية وشعائر الثبات وحلول القيم الراسخة.

9- لذلك أمرنا الله دائماً بالصبر والمصابرة واستدامة الثبات والتواصي بذلك واستشعار معيّـته دائماً، وإذا حققنا الاستجابة لأمر الله فقد استحققنا موعوده القدَريّ بأنّ هؤلاء الأوغاد سيولّون الأدبار، وستُضرَب عليهم الذلة والمسكنة، وسينقطع عنهم حبل الناس كما انقطع عنهم حبل الله، وسيبوؤون بغضب منه، ومَن غضب الله عليه قهَرَه، وأذلّه.

الخميس، 17 أكتوبر 2024

يا أمّ موسى!

يا أمّ موسى!


مؤرخ وروائي فلسطيني 

1- أترون كم هو فؤادُ الأمّ مشحونٌ بالعواطف العميقة، ومسكون بالغرائز الأصليّة النفسيّة القويّة! وترونَ إذا أصابه الفراغ الصِّفريّ نتيجة صدمة عظيمة أو صدمات ثقيلة متتابعة مستديمة أنّ هذا يعني أن كل هذه العواطف والغرائز الأصليّة قد ذهبت وراء شيء عظيم يشغل بالها، ويطرد سكونها، فلا يظهر على فؤادها من الخارج إلا ستائر الهمّ، ولا يخرج منها إلا أدخنة الحزن على فراق وليدها الرضيع الذي لا حول له ولا قوّة ولا إرادة.

2- كان همّ أم موسى يزيد أكثر بفراغ القدرة على التدبير، والعجز عن الحيلة، واشتدّ الواردُ على هذا القلب المفجوع المتصدِّع من احتمال وقوع الطفل بيد ذابحيه، وهاجَ قلبُها عندما هجمت عليها أوّلَ الأمر أفكارُها النفسيّة الطبيعيّة التي تتهمها بقتل وليدها وإغراقه إذا ألقته في اليمّ، ووضعتْ مصيره أمام مجهولٍ خطير لن يكون أقلّه أن يغرق ولدُها أو تفقده إلى الأبد، وكثيراً ما يتحوّل الوارد الشديد على القلب إلى تجميد مشاعره وإطفاء شرارته وإبطال عمله.

3- كانت أم موسى تتلقّى وحياً صادقاً مُقْنِعاً لا يتلقّاه إلا الأولياء المقرّبون، وكان الوحي أشدّ ولوجاً على قلبها واطمئناناً به من أي مشاعر قوية مختزنة في فطرة قلبها، وعندما أتاها هذا الخاطر القويّ والحبل المتين من هذا الوحي يأمرها ألا تخاف وألا تحزن، لأن مصير صغيرها لن يكون بنجاته من القتل والغرق فحسب بل سيكون إماماً مرسَلاً، وفوق ذلك هديّة غالية معجّلة بأن الله سيردّ إليها صغيرها، وسيعود إلى صدرها راضعاً من حنانها ولَبانها، وستأنس بقربه مع أمانٍ لحياته وضمانٍ لمستقبله.

4- لقد ربط الله على قلبها الجازِع الفارغ بإفراغ الصبر فيه، فلم تَخَفْ لأن الخائفَ عاجزٌ جبان، ولم تحزن لأن الحزين لا يصبر، وليس فيه عزيمة ولا إرادة؛ وجعل الله لقلبها رباطاً تشدّ به عواطفها، وتُوجّهها بالصبر نحو المقاصد والغايات، فلم تنكشف عواطف الأمومة وتَذيع شفقةً أو وَجْداً عندما رأت تابوت وليدها يبتعد عنها في الماء وتتقاذفه تيارات الماء، ولم تنفعل عندما أعلنوا أن هذا الصغير هو ابن فرعون، ولم تخبر أحداً أنه ابنها هي، وأنها أمّه دون غيرها، وانظر إلى هذا التعبير القرآني العجيب (إن كادت لتبدي به) ولم يقل “تبديه” لأن الإظهار والإبداء هنا ليس معرفة هذا الخبر فحسب بل يتضمن معنى الإشاعة والإخبار.

5- وثمرةُ هذا الربط على القلب أن يكون المرء مؤمناً مصدّقاً، فإن الإيمان يريح القلب، ويصرفه عن الهواجس والمخاوف وطوارئ الانفعال، ويثبت قلبه ويقوّيه، وينقله إلى سماء اليقين فلا يتزعزع التزامه بقضيته مهما أصابه من القوارع والكوارث التي تفرغ القلوب وتذهل النفوس.

6- يا أمّي تحت الويل والنار! إنّه مع اشتداد الكارثة عليكِ وانعدام الحيلة أمامكِ فإن أقوى ما نعالج به أنفسنا هو في ربط أنفسنا بالله ربطاً كلّياً نَخرج به من حولنا وقوّتنا، ونفرغ قلوبنا تماماً من أي خوف أو حزن، ونمسك بهذا الحبل المتين الوحيد، ونعلّق أنفسنا بأسباب السماء، ونترقّى بهذا الحبل إلى أعلى مع كل ضائقة ومصيبة بالصبر الجميل والحمد المتصل والرضا الكامل والتوكل الحقّ، وتظل عيوننا مفتوحة إلى السماء، ولا نخفضها إلى ظلم الأرض وجور أهلها وخذلان الأقربين فيها.

وكتب الله لك اللطف والسلامة

الأحد، 22 سبتمبر 2024

ميزان الشماتة!

ميزان الشماتة!




سألني بعض الفضلاء عن موجة الشماتة التي تجتاح وسائط التواصل في هذه الأيام وكيف ينبغي التعامل معها وتقدير الحال فيها، فكتبتُ له:

1- الشماتة أن يفرح المرء ببليّة تصيب فرداً أو جماعة؛ وهذا الخلق موقفٌ فيه توحّشٌ نفسيٌّ في أصله، والنظر إليه يكون باعتبار أركانه وجهاته، فقد يكون خلقاً بغيضاً مكروهاً، وقد يكون مطلوباً مرغوباً، وقد يكون متردداً إذا داخلته الفتنة واختلف فيه تقدير المصلحة.

2- فالشماتة في وجهٍ هي بغْيٌ وعدوان قوليّ على أعراض المسلمين وخصوصياتهم وأمنهم الاجتماعي؛ وهي ناتج من نواتج البغضاء أو الحسد؛ وهي لؤمٌ في أصل الطبع والتركيب النفسي؛ لذلك فإن أكثر من يستخدمها هم الأعداء في الحروب المستعرة؛ وهو ما رأيناه من استعاذة النبي صلوات ربي وسلامه عليه من شماتة الأعداء، فشماتة الأعداء مما ينكأ القلب، وتبلغ به النفس أشد مبلغ؛ وقد قال هارون لأخيه موسى عليهما السلام: «ولا تشمت بي الأعداء»، أي لا تفرحهم بما تصيبني به؛ والعدو هو كل من ساءه ما يفرحكَ أو أفرحه ما يصيبك من شر.

3- ولك أن تتخيّل أن تصيب إنساناً مصيبة تكسره فيفرح لها هذا الشخص؛ أو يراه واقعاً في ذنب عظيم فيفرح لوقوعه فيه؛ ولذلك قرر العلماء أن الشماتة بمصائب المسلمين من كبائر الذنوب الموجبة لتوبة صادقة، بل إن بعضهم جعل الفرحَ المجهور به بالمصائب العظيمة أو الكوارث الكبيرة التي تلحق بالمسلمين في الجملة أو الخصوص من أنواع الكفر المخرج من الملة لأن ذلك يعطي الدليل على تمكّن الكراهية في نفسه من أهل الإسلام، ولا تكون نفسٌ بهذا الشعور إلا نفساً منافِقة.

4- وقد جاء النهي واضحاً وصريحاً عن الشماتة بمصائب المسلمين بدليل ما أخرجه الترمذي من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك»؛ وفي رواية للترمذي مرفوعا: [من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله]. قال الإمام أحمد في تفسير الذنب إنه الذنب الذي قد تاب منه.

5- لكن للشماتة وجهاً آخر تكون فيه مباحة بل ومأموراُ بها أيضاً كالشماتة بمصيبة الغادر والظالم والعدو المتجبّر؛ فإن الشماتة بهم تشفي صدور المظلومين والضحايا؛ وتعطي العبرة لمن يقع في أعراض الناس ويؤذي مشاعرهم بلا مبرر ؛ وقديماً قالوا : إن لكل عاثر راحماً إلا الغادر، فإن القلوب مجمعة على الشماتة بمصرعه ؛ ولذلك أَفْتَى سلطان العلماء العز العزّ ابن عبد السلام أنّه لا مَلام بالفرح بموت العدوّ ومن حيث انقطاعُ شرّه عنه وكفايةُ ضرره؛ بل تكون الشماتة مأموراً بها إذا لم يقدر المرء على إنكار المنكر الجليّ بيده أو لسانه المؤثر المسموع له؛ وتكون واجبة أيضاً عند الدفاع عن أعراض المسلمين كما فعل حسان بن ثابت بالشماتة من قتلى قريش وساداتها يوم بدر في أشعاره الكاوية ؛ لما في ذلك من إغاظة الأعداء وإحراق نفوسهم ؛ ولهذا كله ذكر الله فرح المؤمنين بنصر الله رغم أن في إظهار هذا الفرح شماتة بالمهزوم المنكسر .

إن المصائبَ تنتهي أوقاتُها *** وشماتةُ الأعداءِ بالمرصادِ

6- وهذه الشماتة الواجبة أو المستحبّة ليست مفتوحة، بل هي مقدرة بقدرها لأن الشماتة هي تنفيس علاجيّ يرمم النفوس المقهورة، ويستعيد الشعور بجرحها فلا يتعاطى مع أسبابها، وهي ليست أداة ووسيلة للتغيير أو الإصلاح، لأنّ مركب المقت والحقد فيها ينطوي على تعديلات نفسية خطيرة تبيح للمرء أن يقهر ويظلم ويتجاوز ويستحلّ ويعم بالشر تحت تبرير نفسيّ قويّ؛ كما أن الانفتاح فيها قد يؤدي إلى خلل التوازن في تقدير الأشياء ووزنها لاسيما في الخطوب الكبيرة التي تختلط فيها الأشياء الصالحة والطالحة، وتتعقد فيها الخطوط القريبة والبعيدة، وتتداخل فيها المصالح والمفاسد.

7- ولهذا ننصح ذوي الرأي المعتبر في سلّم القيادة والتأثير دائماً أن يضبطوا ميزانهم على تقدير المصالح القريبة والمتوسطة والبعيدة، وليس على جموح النفس وغضبها والانسياق وراء ثورة الغضب المحبوس لدى الجمهور المظلوم واتجاهاته غير المحسوبة، ولا يعني هذا أن يغيّروا ما بأنفسهم من مشاعر غضب صادقة وحزن محفور في العمق، وهو أمر عسير حقّاً، لكن لا مناص من النصيحة به في الفتن خاصّة، وعند اختلاف الرأي بين الصالحين في تقدير حظ الشماتة وسهمها وتأثيرها على مصالح كل قوم أو قُطر أو ظرف، لاسيما إذا كان ثمة اشتراك بين الشماتة الواجبة بعدوّ ما يستفيد منها عدوّ آخر متربّص يستفيد منها في حربنا أجمعين، فندخل في مفهوم شماتة الأعداء التي تعوّذ رسولُ الله منها.