من قرّر شكل حياتنا من دون أن نعرفه؟

شاعرة وكاتبة وصحفية كويتية،
من قرّر أن يكون مقبض الباب بهذا الارتفاع؟ ومن اختار أن تكون الورقة في هذا المقاس؟ ومن قال إنّ المسافة بين درجة وأخرى ينبغي أن تكون هكذا تحديداً؟
أسئلة تبدو عابرةً، حتّى نتوقّف عندها قليلاً. وراء كلّ تفصيل مألوف قرار بشري قديم، اتخذه شخص ربّما لم يخطر بباله أنّ اختياره الصغير سيعيش بعده عقوداً، وربّما قروناً.
نعرف أصحاب القرارات الكُبرى؛ من رسموا الحدود، وأشعلوا الحروب، ووقّعوا المعاهدات، وأصدروا القوانين. ووسط هذه الأسماء الكبيرة، هناك جيش من المجهولين صنع جزءاً من حياتنا بقرارات صغيرة لم تجد طريقها إلى كتب التاريخ.
قد يكون مهندساً قرّر ارتفاع الدرج، أو عاملاً في مطبعة اختار مقاس الورق، أو مصمّماً حدّد ارتفاع الكرسي وعرض الطاولة. ثمّ جاءت الصناعة وكرّرت اختياراتهم آلاف المرّات، حتّى صار الجسد يتعامل معها كأنّها حقائق طبيعية.
وهنا تكمن المفارقة: أشياء كثيرة نعدّها طبيعيةً بدأت في الأصل اختياراتٍ.
نحن نعيش داخل قرارات أشخاص لا نعرف أسماءهم. حين نعبر شارعاً، نعبر أيضاً فوق قرارات مهندس ومخطّط وعامل رصف. وحين نجلس على مقعد، تتعامل أجسادنا مع قياسات وضعها شخص آخر. وحين ندخل مبنى، فإنّ ارتفاع الأبواب واتساع الممرّات ومواقع السلالم والمصاعد تحدّد، بصمت، كيف ينبغي أن نتحرّك داخله.
وقد يجعل التصميم المكان سهلاً لفئة، وصعباً لفئة أخرى. درَج طويل عند مدخل مبنى قد يكون طريقاً عادياً لشخص سليم الحركة، لكنّه يصبح حاجزاً أمام مستخدم كرسيّ متحرّك أو شخص يدفع عربة أطفال. ورصيف بلا منحدر قد لا يلفت انتباه معظم المارّة، لكنّه يجبر شخصاً آخر على البحث عن طريق أطول أو طلب المساعدة. وخطّ صغير قد يكون واضحاً لمن يرى جيّداً، لكنّه يجعل المعلومة شاقّةً على كبار السنّ أو ضعاف البصر.
لا يعني هذا دائماً أنّ أحداً قصد الإقصاء. أحياناً يكون السبب افتراضاً ضيّقاً عن الجسد الطبيعي، أو عن الطريقة التي ينبغي للناس أن يستخدموا بها المكان. لكنّ النتيجة قد تبقى واحدةً: طريق مفتوح لفئة، ومتاهة صغيرة لفئة أخرى.
ومع تكرار هذه القرارات تفقد شكلها الأوّل. تتحوّل إلى معيار، ثمّ إلى عادة، ثمّ إلى شيء يصعب التفكير في إمكانية تغييره. ننسى أنّ أحداً اختارها ذات يوم، وأن اختياراً آخر كان ممكناً.
لهذا تحمل التفاصيل قدراً من السلطة يفوق حجمها. فالسلطة لا تظهر دائماً في القانون أو القرار الرسمي. أحياناً تكفي سنتيمترات قليلة لتحديد حركة جسد، أو ترتيب مقاعد لتوجيه علاقة بين الناس، أو تصميم مكان يجعل طريقاً سهلاً لفئة وصعباً على فئة أخرى.
التفاصيل تصنع سلوكنا بقدر ما تعكسه. وهذا يجعل سؤال "لماذا؟" أكثر أهمّيةً ممّا يبدو. لماذا هذا الارتفاع؟ لماذا هذا المقاس؟ لماذا هذه المسافة؟ لماذا اعتدنا أن نفعل الأمر بهذه الطريقة تحديداً؟
قد يقود السؤال إلى اكتشاف بسيط: ما نراه ثابتاً كان في لحظة ما قابلاً للاختيار. ونحن لا نعيش فقط داخل اختيارات من سبقونا، وإنّما نضيف إليها كلّ يوم اختياراتنا الصغيرة: قرار في مدرسة، تعديل في مؤسّسة، طريقة جديدة لتنظيم شارع، فكرة في كتاب، اقتراح في مكان العمل، أو تصميم شيء يجعل حياة الآخرين أسهل.
قد يعني هذا منحدراً إلى جانب الدرج، أو مساحةً كافيةً لدوران كرسي متحرّك، أو خطأ أكبر، أو إشارات تجمع بين النصّ والصوت والصورة. قد تبدو هذه التعديلات صغيرةً لمن لا يحتاج إليها، لكنّها قد تغيّر تجربة المكان كلّها لمن كان يواجهه بوصفه حاجزاً.
ربما لا يذكر أحدٌ اسمَنا بعد سنوات، وربما لا يعرف أحد أنّنا كنّا أصحاب الفكرة. ومع ذلك قد يبقى الأثر. فالتاريخ الذي نعرفه كتبته القرارات الكُبرى، أمّا التاريخ الذي نعيشه كلّ يوم، فقد صنعته أيضاً تفاصيل صغيرة تركها وراءهم أناس مجهولون.
وربّما يستحقّ الأمر أن ننظر إلى العالم من حولنا مرّة أخرى: إلى الباب، والورقة، والكرسي، والنافذة، والسلّم، ونسأل عن اليد التي اختارت شكلها الأوّل. ثمّ نسأل سؤالاً أكثر أهميةً: ما القرار الصغير الذي نتّخذه اليوم، وقد يأتي بعدنا من يعيشه وكأنّه كان دائماً جزءاً من العالم؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق