السبت، 29 أغسطس 2026

اذهب إلى الله بقلبك الذي لديك!


اذهب إلى الله بقلبك الذي لديك!
سعدية مفرح

نؤجل أشياء كثيرة لأننا ننتظر اللحظة المناسبة. نؤجل الاعتذار حتى تهدأ نفوسنا، والكتابة حتى تصفو أفكارنا، والبدء حتى تتهيأ الظروف، وأحيانا نؤجل علاقتنا بالله حتى نشعر أننا أصبحنا أفضل مما نحن عليه الآن. كأن علينا أن نرتب حياتنا أولا، ونصلح أخطاءنا، ونستعيد توازننا، ثم نطرق باب الله بقلب مستعد.

وهنا يقع أحد أكثر الالتباسات قسوة: أن نظن أن الطريق إلى الله يحتاج منا أن نصلح أنفسنا قبل أن نسير إليه، مع أن السير إليه هو أحد أبواب إصلاح النفس.

كم مرة قال أحدنا في داخله: سأنتظم حين تستقر حياتي، وسأقترب أكثر حين أتخلص من هذه العادة، وسأبدأ من جديد حين أهدأ، وحين أتجاوز هذا التعب الذي يثقلني؟ تمضي الأيام، وتبقى تلك البداية مؤجلة إلى موعد لا يأتي. وكلما طال الانتظار ازداد شعورنا بأن المسافة اتسعت، مع أن الباب لم يغلق.

الله لا يطلب منا قلبا لم يعرف الارتباك، ولا نفسا لم تتعثر، ولا حياة خالية من الأخطاء. نحن نأتي إليه بما لدينا، بما استطعنا أن نحمله من ضعفنا، وبما بقي في داخلنا من رغبة في النجاة. قد تأتي الخطوة الأولى مترددة، وقد تأتي الصلاة بعد انقطاع، وقد تأتي التوبة بعد عودة متكررة إلى الخطأ، وقد يكون الدعاء جملة قصيرة يقولها شخص أنهكه كل شيء ولم يعد يعرف كيف يشرح ما به.

المهم أن يبدأ.


هناك قسوة خفية في انتظار الكمال، لأن الكمال الذي ننتظره قد يتحول إلى حجة نختبئ خلفها. نقول لأنفسنا إننا سنبدأ عندما نصبح أكثر انضباطا، وأكثر صفاء، وأكثر قدرة على الالتزام، ثم نكتشف بعد سنوات أننا كنا ننتظر نسخة أخرى من أنفسنا كي نسمح للنسخة الحالية بالاقتراب من الله.

والقرب لا يشترط هذه النسخة المثالية.

قد يذهب شخص إلى الله وهو يحمل أخطاء يعرفها جيدا، ويحمل أسئلة لم يجد لها جوابا، ويحمل قلبا متعبا من خيباته ومن نفسه أيضا. وقد تكون خطواته متقطعة، فيمشي يوما ويتراجع أياما، ثم يعود. هذه العودة نفسها معنى عظيم. فالطريق الروحي لا يشبه سباقا يصل فيه الجميع إلى النهاية بالسرعة ذاتها، وإنما يشبه علاقة طويلة بين قلب وخالقه، فيها الإقبال وفيها الفتور، وفيها لحظات صفاء تضيء الطريق، ولحظات أخرى يمشي فيها صاحبه على قدر ما يستطيع.

ولهذا تبدو لي العبارة المشهورة “سيروا إلى الله عرجا ومكاسير” شديدة القرب من حقيقة التجربة البشرية. فهناك من يمشي إلى الله بقلب كامل، وهناك من يمشي إليه بقلب مكسور، وهناك من لا يملك في يومه كله سوى خطوة صغيرة. والفرق قد يكون في صدق الخطوة، لا في جمالها.

ربما كانت أجمل البدايات تلك التي لا نملك لها كثيرا من الترتيب. شخص يرفع يديه بعد غياب طويل، وامرأة تستعيد سجادة الصلاة بعد سنوات من الفتور، وشاب يقرر في لحظة عابرة أن يترك ذنبا أتعبه، وقلب يهمس في آخر الليل بكلمة واحدة لأنه عجز عن قول أكثر منها. 
هذه الأشياء تبدو صغيرة حين نقيسها بمقاييسنا البشرية، لكنها قد تكون عند صاحبها بداية حياة جديدة.

نحن نعرف كيف نحاسب أنفسنا على التقصير، وننسى أحيانا أن الرحمة هي التي تجعل العودة ممكنة. 
نعرف عدد المرات التي أخطأنا فيها، ونحصي أيام ابتعادنا، ونستعيد صورا قديمة لأنفسنا فنشعر أن الطريق صار طويلا. 
ثم نكتشف أن الله لا يحتاج منا إلى استعراض الماضي، وإنما يحتاج إلى صدق الحاضر.

ابدأ من المكان الذي أنت فيه.

إن كنت متعبا، فاذهب إليه بتعبك. وإن كنت مرتبكا، فاذهب إليه بارتباكك. وإن كنت قد أخطأت كثيرا، فاجعل الخطأ سببا للعودة، لا سببا لمزيد من الهجر. وإن كنت لا تستطيع سوى القليل، فافعل القليل الذي تستطيع، واجعله صادقا.

فكم من خطوة ظن صاحبها أنها عرجاء، وكانت هي الخطوة التي أعادته إلى نفسه، وكم من بداية صغيرة فتحت في القلب بابا لم يكن يعرف أنه ما زال موجودا.

الطريق إلى الله لا يحتاج أن نصل إليه ونحن مكتملون. يكفي أن نكون صادقين في رغبتنا في الوصول، وأن نتحرك من مكاننا، ولو ببطء، ولو بعد تعثر، ولو بقلب ما زال يتعلم كيف يمشي.

اذهب إليه الآن، بالقلب الذي لديك. فربما كانت المسافة التي تخيفك أقصر مما تظن، وربما كانت الخطوة التي تؤجلها منذ سنوات هي كل ما يحتاجه قلبك كي يبدأ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق