الثلاثاء، 14 فبراير 2023

10 سطور عن الأزهر.. الصمود والانهيار

  10 سطور عن الأزهر.. الصمود والانهيار

محمد إلهامي
باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية


1- بفضل المماليك ثم العثمانيين بلغ الأزهر مكانته العليا في تاريخ المسلمين، وذلك أن معاهد العلم الكبرى في شرق العالم الإسلامي وغربه لم تجد ذا بأس يدفع عنها غارات المغول والصليبيين، فانقطع العلم دهورا من معاقله في حواضر الشرق والمغرب، تحت سنابك خيل الغزاة، واضطر كثير من أهل العلم إلى الهجرة منها إلى حيث المعقل الآمن: الأزهر!

2- كان علماء الأزهر الذي ازدهر في عصري المماليك والعثمانيين ممثلي الناس أمام السلطة، وكانوا قادرين على تأزيم الأمور سياسيا والوقوف بوجه الولاة لرد المظالم، لقد كانوا قيادات المجتمع وزعمائه وأعيانه!

3- لما جاءت الحملة الفرنسية، بزغت المقاومة الإسلامية تحت لواء الأزهر ومشايخه ومجاوريه، فاجتمع في طريق المقاومة طلاب الأزهر من جاوه (إندونيسيا) وحتى المغرب، وكانت ذروة هذا المشهد في ذلك الطالب الأزهري سليمان الحلبي الذي اغتال كليبر في القاهرة، ولم يخطر بباله شيء من خرافات «الوطنية القطرية» التي تسود عالَمنا اليوم، ولا تزال رأسه في متاحف الفرنسيس الذين لم يدخلوا حلب أصلا!

4- أول ضربة قاصمة نزلت بالأزهر كانت على يد الطاغية الجبار محمد علي باشا، “رجل الغرب وممثل مصالحه” بتعبير أستاذنا الراحل جلال كشك، إذ حَطَّم محمد علي الزعامة الأزهرية، وسلَبَ الأزهرَ أوقافَه الخيرية، وبذر في مصر بذرة التعليم المدني (= الأهلي = العلماني) المنافس للتعليم الأزهري، كما بَذَر فيها بذرة المحاكم المدنية (= الأهلية = العلمانية) التي تنافس القضاء الشرعي.. وهي البذرة التي نَمَتْ فيما بعد لتصنع نخبة جديدة، هي في عمومها: علمانية، متأثرة بالغرب، لتبدأ هذه النخبة بملء مناصب الدولة الحديثة الجديدة التي تضخم جهازها الإداري، وشرع في السيطرة على كافة النشاط الإنساني داخل البلد.

5- ضعف دور الأزهر بضعف موارده الاقتصادية وبضعف مكانته الاجتماعية، بعد هذه المزاحمة المدنية (= الأهلية = العلمانية) في مناصب التعليم والقضاء، ثم التشريع والإدارة، ومن بعد ما كان الأزهر يقود المجتمع، ويقود مقاومته ضد الطغيان وضد الاحتلال الأجنبي، صار “مشاركا” (لا قائدا) في هذه المقاومة، مثلما كان الحال في الثورة العرابية وثورة 1919.

6- ثم جاءت الضربة القاصمة الثانية للأزهر في عهد الطاغية الجبار الثاني جمال عبد الناصر، الذي جدد مساوئ محمد علي دون حسناته، فسلب من الأزهر كل عوامل قوته، وأصدر قانون 1961 الذي جعل الأزهر كسيحا هزيلا لا حول له ولا طول ولا قوة ولا طاقة.. ولما شعر السادات -وكان رئيس مجلس الأمة (= البرلمان)- بنوع من التململ بين علماء الأزهر في جلسة مناقشة القانون قال لهم مقولته الشهيرة: إن من وقفوا أمام الثورة ديسوا بالأحذية، وهذا مصير من سيفكر بالوقوف أمام الثورة الثانية!!

7- نستطيع من هذه اللحظة أن نسدل الستار على الأزهر، كقوة لقيادة المجتمع، لتنتهي بذلك مرحلة استغرقت قرنا وثلث القرن من التحطيم المنهجي، ولا يمنع ذلك أن يبزغ من بين الأزهريين أفرادٌ حملوا أمانة العلم، فمنهم من جاهد بيده ومنهم من جاهد بلسانه، فردا أوضمن جماعة.. إلا أنهم شذرات قليلة ومتناثرة.

8- ولأن مجتمعاتنا هي مجتمعات مسلمة، فقد أفرزت تلك المجتمعات بدائل إسلامية أخرى تقود حالة المقاومة الإسلامية للطغيان والاحتلال، جراء الضعف الكبير الذي أصاب الأزهر وعلماءه. تلك البدائل كانت هي الجماعات الإسلامية، لقد كان صعود هذه الجماعات موازيا لانحدار الأزهر.

9- حَمَلتْ هذه الجماعات، بطبيعة الحال، نوعا من السخط على حال الأزهر، إلا أنها لم تسعَ أبدا في هدمه، بل تشوَّفت لأن تكون سندا له إن لم يكن هو سندًا لها، ويندر أن توجد جماعة إسلامية لم ينضمّ إلى صفوفها علماء من الأزهر، لا سيما شبابه وطلابه. وقامت هذه الجماعات بالدور الخطير في زلزلة الاحتلال الأجنبي وحكوماته المتتالية!

10- في هذه اللحظة سارعت حكومات الاحتلال والطغيان إلى الاستعانة بالأزهر وتوظيفه في أغراضها ضد هذه الجماعات الإسلامية، وتكررت خلال هذا القرن الأخير معادلة على هذا النحو التالي:

– قوة الحركات الإسلامية تؤدي إلى تخوف السلطة، مما يؤدي إلى استعانة السلطة بالازهر، مما يؤدي إلى مكاسب ومميزات يأخذها الأزهر من السلطة، فينتعش وضعه بحسب ما يتهيأ له من الظرف ومن قوة ممثليه أمام السلطة.

– تنتصر السلطة على الحركات الإسلامية، فتأمن على نفسها، فتسدد إلى الأزهر ضربة قاصمة أخرى تعيده إلى الزاوية مهملا كسيرا ينازع على حقه في البقاء.

إذا راجعنا القوانين التي تحكم عمل الأزهر، وتواريخ صدورها، سنجد أنها صدىً لحركة الحركات الإسلامية ضد الاحتلال أو السلطة.. ولعل التفصيل في هذا يكون في مقال آخر إن شاء الله.

أي أنه: كان من بركة هذه الحركات الإسلامية أن حَمَتْ مقام الأزهر، ووسَّعت حدود نفوذه وصلاحياته، ورفعت سقف مطالبه وطموحاته، في نفس الوقت الذي كانت فيه قيادة الأزهر تتخذ هذه الفرصة لتضع سيفها في خاصرة الحركات الإسلامية، ثم ينفذ هذا السيف ليصيب خاصرة الأزهر نفسه مرة أخرى.

كلما رأيت أمثال أسامة الأزهري، يتحدثون عن أمجاد الأزهر، أتساءل: كيف يحقّ لهذا الولد العاقّ الذي يعمل جارية في بلاط السيسي أن يتحدث عن أمثال الخرشي والدردير والشرقاوي والجوسقي والسادات وعليش والعدوي وغيرهم من أبطال الوقوف أمام الطغاة والغزاة؟!!!

الأصل في كل عاملٍ لدينه، بل كل صاحب رسالة -مهما كانت فاسدة- أن سعيه وحركته تكون بغرض خدمته رسالته وزيادة انتشارها وتمكنها، فإن لم يكن فلا ينقص منها شيء!

الخطورة الحقيقية في نماذج الغنوشي والعثماني وبرهامي والمداخلة وأمثالهم أنهم يمثلون إغراء ممتازا للأنظمة العميلة الخائنة لاستعمالهم في إنقاص بناء الإسلام وهدمه بأيدي من يزعمون أنهم من حفَظَتَه وحَمَلَته ورجاله!

وإذا بالأيدي والطاقات التي كان يُنْتَظَر منها نصر الإسلام، تكون هي التي تهدمه، وإذا بمن كان الحكام يخافون ردة فعلهم يوما قد صاروا أداتهم في بلوغ ما أرادوا من المخازي والمفاسد والخطايا!

وهذا كله دون مكاسب تُذْكَر، إنما هي خدماتٌ مجانية، لا يأمن صاحبها أن يكون غدا سجينا أو طريدا أو حتى قتيلا!!

فهل من صفقة أشد خسرانا من هذه الصفقة؟!!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق