الأربعاء، 22 فبراير 2023

مصطلح الإسلام السياسي في الميزان

مصطلح الإسلام السياسي في الميزان

 إننا لا ننكر أن هناك من يتاجر بالدين، ويستغل عواطف الناس للوصول إلى السلطة من أجل مغانم زائلة، وسلطة واهية، ويقوم بممارسة الكذب والاحتيال والبغي والمكر، واستخدام الرشوة والسحت والزقوم من أجل البقاء في السلطة، مرددا بعض المصطلحات الإسلامية التي داسها بأفعاله وسلوكياته وممارساته، فأمثال هؤلاء لا يمثلون القيم الإسلامية والمبادئ القرآنية في إدارة الحكم، وإنما يمثلون أنفسهم، وما هم إلا زبد سيذهب جفاء، وأمرهم إلى الله.

ويمكن القول، إن كلمة الإسلام السياسي دخيلة لا علاقة لها بالإسلام الذي نزل على رسول الله ﷺ، الإسلام الذي يقول الله تعالى فيه: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ [النحل: 89].

والذي يقول الله تعالى فيه: ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾ [الفرقان: 33].

وقد استخدمت بعض الأنظمة والأحزاب كلمة الإسلام السياسي في معركة المصطلحات للتشويش والتشكيك في دعاة المسلمين وعلمائهم وقادتهم السياسيين الذين يعملون بالفكر والطرق السلمية لدعوة الشعوب الإسلامية لتحكيم شرع الله وقيم الإسلام في نظام الحكم المتعلقة بالرئاسة والبرلمان والسلطة التنفيذية والدساتير الحاكمة وغيرها من الأمور.

كل تلك المعايير والقيم والمبادئ في الرئيس والرئاسة، والبرلمان وأعضائه، والسلطة التنفيذية من وزراء ووكلاء وكبار الموظفين، تستمد من القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة

وكأن كل من يدعو إلى قوله تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [يوسف: 40].

وقوله تعالى: ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون﴾ [الجاثية: 18]

وقوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ [النساء: 65]، يريد الدنيا، ويتاجر بالدين، ويلبس على العامة، ويعبث بمشاعر الناس البسطاء!

فلا يكل أعلامهم من تشويه الإسلام وعقائده وثوابته وقيمه وأخلاقه، ومرجعيته التاريخية والحضارية.

ومن ضمن مخططاتهم الفاسدة، دفع المشهد السياسي إلى الفوضى الفكرية والأخلاقية، ومحاربة النظم الرشيدة، والقيم الحاكمة في اختيار الرئيس في صفاته الأخلاقية، وكيفية اختياره ووظائفه وأعماله، وبأنه خادم للشعوب أجير لديها، وملتزم بدساتيرها.

واختيار أعضاء البرلمان وكيفيتها، وتحديد المهام والوظائف، ومنع الانحراف الذي قد يحدث على حساب المصلحة العامة.

واختيار السلطة التنفيذية ومحاسبتها، وضبط معايير لاختيارها، ومراقبتها في خدمة شعبها، ومتى يستمر دعمها، ومتى يتم عزلها، ووضع دستور الدولة، وقيمه الحاكمة في الحريات وحقوق الإنسان وكرامته، والعدالة والمساواة بين البشر في الواجبات والحقوق.

إن كل تلك المعايير والقيم والمبادئ في الرئيس والرئاسة، والبرلمان وأعضائه، والسلطة التنفيذية من وزراء ووكلاء وكبار الموظفين، تستمد من القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، وحكم الخلقاء الراشدين، وتجارب الإنسانية النافعة في إدارة الحكم وأمور السياسة.

في عهد النبوة نجد دستور المدينة، والترتيبات الدفاعية والاقتصادية والسياسية، وبناء الدولة، وتحديد حدودها وقيمها القائمة على إسعاد الناس في الدارين وتلبية احتياجاتهم العقلية والروحية والنفسية وغيرها

أراد هؤلاء أن يفصلوا الإسلام عن توجيه الحكام وضبط مسيرتهم ومحاسبتهم، وأنه لا علاقة للقرآن بنظام الحكم، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على جهل كبير بالإسلام، أو عداء بين.

فيصورون الإسلام وكأنه جاء للعزلة أو دعا لها، وكأنه ليس له علاقة بأمور الشعوب وعقولهم ونفوسهم، أو أموالهم ودمائهم وأعرافهم، وكأنه ليس له علاقة بسيادة بلادهم، أو الدفاع عن مقدساتهم، أو لا يدعو إلى التعاون الإنساني والسلم العالمي!

أرادوا أن يقدموا للناس دينا لا علاقة له بالإسلام، عزلوا قيما مهمة ومبادئ حاكمة، ومناهج راشدة عن الحياة السياسية التي تخص كل الأفراد والشعوب المسلمة.

إن الإسلام الذي نزل على محمد ﷺ من رب العالمين في الذكر الحكيم، هاد ومرشد لكل الناس في حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، والنفسية والروحية والعقائدية والتعبدية والأخلاقية… إلخ.

نسي هؤلاء القوم بأن أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، مارسوا السياسة في أعلى صورها لخدمة البشرية ابتغاء رضوان الله عز وجل.

فهذا يوسف – عليه السلام – النبي الوزير، جمع بين النبوة والوزارة والقيادة الإدارية والوزارات المتنفذة، كالمالية وإدارة الأزمات، والاقتصاد وإدارة الموارد.

كما أنه تصدى – بتوفيق الله له ثم بعلمه وحكمته وعقله وذكائه وفطنته وتخطيطه – لأكبر مجاعة واجهتها مصر والشعوب التي حولها في عهد ملوك الهكسوس، باقتدار وكفاءة عالية. فكان مقام النبوة هو المرجعية، وكانت الوزارات التي تحته هي السلطة التنفيذية.

وهذان النبيان داود وسليمان – عليهما السلام – جمعوا بين النبوة والملك وحكم الأمم والشعوب بشرع الله القائم على العدالة، وخدمة الإنسان، وتعمير الأرض، واستخدام الصناعة الحديدية والنحاسية، قال تعالى: ﴿ولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد﴾ [سبأ: 10]، قال السعدي: "ومن فضله عليه، أن ألان ‌له ‌الحديد، ليعمل الدروع السابغات، وعلمه تعالى كيفية صنعته، بأن يقدره في السرد، أي: يقدره حلقا، ويصنعه كذلك، ثم يدخل بعضها ببعض". [السعدي، تيسير الكريم الرحمن بتفسير كلام المنان، ص 676].

وقال تعالى: ﴿ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر﴾ [سبأ: 12]، أي، "وسخرنا لسليمان الريح، غدوها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر، ورواحها من انتصاف النهار إلى الليل مسيرة شهر وأذبنا له عين النحاس، وأجريناها له" [الطبري، جامع البيان، 19/228].

وجمعوا مع النبوة، تنظيم المؤسسات العسكرية والقضائية والاجتماعية وتقديم الطعام للمحتاجين، قال الله تعالى: ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات﴾ [سبأ: 13]، "الجواب: جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء.

بعض الناس يحاول اختزال الإسلام في طقوس تبعد الناس عن معاشهم وحياتهم ومستقبلهم، ويختزلون مفهومهم للإسلام في عبادات فردية، فيفصلوه عن الحياة السياسية، والسلطة التنفيذية، ليتولى أكلة السحت ودعاة الفجور والخمور والموبقات والكبائر انتهاك السيادة

وقال العوفي، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- {كالجواب}: كالحياض. وكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك وغيرهم.

والقدور الراسيات: أي الثابتات، في أماكنها لا تتحول ولا تتحرك عن أماكنها لعظمها. كذا قال مجاهد، والضحاك، وغيرهما. [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 6/500].

وجمعوا كذلك مع نبوتهم، تطوير العلاقات الخارجية مع الحرص على الدعوة إلى الله عز وجل: ﴿اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون﴾ [النمل: 28].

وتطوير الفنون المعمارية: ﴿إنه صرح ممرد من قوارير﴾ [النمل: 44].

ونشر العدل بين الناس: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ [ص: 26].

وكذلك بين المخلوقات حتى النمل: ﴿لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون﴾ [النمل: 18].

وهذا حديث يطول، وما قصة ذي القرنين في الحكم والسلطة، وإقامة العدل، وتفعيل قانون الثواب والعقاب وبناء السدود وتنمية الملكات والدفاع عن المستضعفين وتوريثهم العلم والخبرة والمعرفة في مواجهة الظالمين عنا ببعيد، فقد ذكر كل ذلك في الكتاب العزيز وتحدث عن دولة متكاملة الأركان في حكمها ومؤسساتها ودستورها وأهدافها ودوافعها الدنيوية والأخروية.

وفي عهد النبوة نجد دستور المدينة، والترتيبات الدفاعية والاقتصادية والسياسية، وبناء الدولة، وتحديد حدودها وقيمها القائمة على إسعاد الناس في الدارين وتلبية احتياجاتهم العقلية والروحية والنفسية والجسدية والأسرية.

مفهوم القيادة السياسية للدولة في الإسلام، مرتكز على قيادة الشعوب والمجتمعات في دفع المفاسد وجلب المصالح، ابتغاء مرضاة رب العالمين خالق البشر والأكوان والأمم والشعوب

فقد قامت تلك الدولة على القيم الإنسانية الرفيعة، وقبل كل شيء على توحيد الله وإفراده بالعبادة والتصدي للشرك والكفر بكافة أشكاله وأنواعه.

كانت دولة المدينة شاهدة وناطقة ومدللة على عظمة الإسلام في نظام الحكم الرشيد.

إن بعض الناس يحاول اختزال الإسلام في طقوس تبعد الناس عن معاشهم وحياتهم ومستقبلهم، ويختزلون مفهومهم للإسلام في عبادات فردية، فيفصلونه عن الحياة السياسية، والسلطة التنفيذية، ليتولى أكلة السحت ودعاة الفجور والخمور والموبقات والكبائر انتهاك السيادة، ووضع الأوطان وشعوبها وثرواتها في أسواق النخاسة العالمية من أجل البقاء في السلطان، ويتحالفون مع أعداء الأوطان لمحاربة أصحاب القيم والهوية والحضارية الإسلامية، لمنعهم من قيادة شعوبهم.

ومع ذلك، لا ننكر أن هناك من يتاجر بالدين ويستغل عواطف المواطنين، للوصول للسلطة من أجل مغانم زائله، وسلطة واهية، ويقوم بممارسة الكذب والاحتيال والمكر والبغي، واستخدام الرشوة والسحت من أجل البقاء في السلطة، مرددا بعض المصطلحات الإسلامية التي داسها بأفعاله وأعماله وممارساته.

فأمثال هؤلاء لا يمثلون القيم الإسلامية والمبادئ القرآنية في إدارة الحكم، وإنما يمثلون أنفسهم وما هم إلا زبد سيذهب جفاء، وأمرهم إلى الله إليه يرجعون.

إن المعركة الحقيقية، هي معركة الوعي بالنسبة للشعوب في فهم دينها وإسلامها، وعندما يتكون الوعي المطلوب ستختار من يمثلها لتطبيقه خير قيام.

إن الذين يسعون لعزل الإسلام عن دفة الحكم في قيمه ومبادئه وشريعته، ويحاربون الحكم الرشيد بمنظومته القرآنية والنبوية والحضارية الرشيدة، مآلهم غير رشيد ودعوتهم مبنية على جهل بطبيعة الإسلام، أو عداء مخبوء في نفوسهم ضد الإسلام وأهله.

إن مفهوم القيادة السياسية للدولة في الإسلام، مرتكز على قيادة الشعوب والمجتمعات في دفع المفاسد وجلب المصالح، ابتغاء مرضاة رب العالمين خالق البشر والأكوان والأمم والشعوب والحضارات والدول القديمة والحاضرة والمستقبلية.

 

المصادر والمراجع:

  • تفسير القرآن العظيم، عماد الدين ابن كثير، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1420هـ.
  • تيسير الكريم الرحمن بتفسير كلام المنام (تفسير السعدي)، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1420هـ.
  • جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري)، محمد بن جرير الطبري، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة الأولى، 1422هـ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق