الاثنين، 9 مارس 2026

ترامب بين أسطورة القوة وحدودها: قراءة في تحوّل ميزان الردع

 ترامب بين أسطورة القوة وحدودها: قراءة في تحوّل ميزان الردع

أحمد هلال

في لحظة الاستعلاء والغرور يتخيل قادة الولايات المتحدة الأمريكية عبر تاريخها أنهم أصحاب السيادة في العالم، وأن قوتهم لا يقف أمامها قوة منافسة او حتى رادعة.

ورغم السقوط المتتالي في جولات اختبار حقيقية في فيتنام ثم أفغانستان ثم غزة، غير أن ذلك السقوط المتكرر لم يمنعهم من الاستعلاء عبر الترويج لتلك القوة من خلال زوايا تصويرية هوليودية لتسويق تلك القوة المزعومة في فنزويلا.

في السياسة الدولية كثيرا ما تُبنى صورة القوة على لحظة خاطفة: عملية عسكرية ناجحة، ضربة دقيقة، أو اعتقال مفاجئ لزعيم دولة. تُعرض هذه اللحظات في الإعلام وكأنها دليل على قدرة لا حدود لها، وكأن القوة العسكرية يمكنها أن تحسم التاريخ في ساعات. غير أن التجارب الكبرى تُظهر أن ما يبدو حسما سريعا قد يكون في الحقيقة بداية لمسار أكثر تعقيدا، حيث تتكشف حدود القوة عندما تواجه إرادة الردع والقدرة على الاحتمال.

التجارب الكبرى تُظهر أن ما يبدو حسما سريعا قد يكون في الحقيقة بداية لمسار أكثر تعقيدا، حيث تتكشف حدود القوة عندما تواجه إرادة الردع والقدرة على الاحتمال


عندما جرى الحديث عن عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بدا المشهد في صورته الرمزية كأنه استعراض صارخ للقوة؛ دولة عظمى قادرة على الوصول إلى عمق دولة أخرى وانتزاع رئيسها من قلب سلطته. في الخطاب السياسي والإعلامي بدا الأمر وكأنه رسالة واضحة للعالم: اليد الأمريكية قادرة على الوصول إلى أي مكان، ولا يوجد زعيم خارج نطاقها.

لكن هذه الصورة، رغم قوتها الرمزية، لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الداخلي للدولة المستهدفة. نجاح مثل هذه العمليات لا يعتمد على التفوق العسكري وحده، بل يرتبط أيضا بضعف البنية السياسية والعسكرية للدولة المعنية، وبدرجة الانقسام داخل مؤسساتها، وحجم العمالة أو صفقات في الدائرة الخاصة جدا؛ في مثل هذه الظروف تصبح الضربة الخارجية حاسمة لأن البيئة الداخلية تسمح لها بأن تكون كذلك.

الصورة تختلف جذريا عندما ننتقل إلى الحالة الإيرانية، فمنذ قيام النظام السياسي في إيران بعد ثورة عام 1979، تشكلت بنية الدولة حول مفهوم المقاومة والصمود في وجه الضغوط الخارجية. وعلى مدى عقود طورت إيران منظومة ردع متعددة الطبقات لا تعتمد على الجيش التقليدي وحده، بل على شبكة مؤسسات عسكرية وأمنية وعلى منظومة علاقات إقليمية معقدة.

في هذا السياق جاءت سلسلة الاغتيالات التي استهدفت قيادات عسكرية ودينية بارزة، فهذا النوع من العمليات يندرج في ما تسميه الاستراتيجيات العسكرية بضربات "قطع الرأس"، أي محاولة إرباك الدولة عبر إزالة قيادتها العليا. الفكرة تبدو بسيطة في ظاهرها: إذا فُقدت القيادة، يختل مركز القرار وقد ينهار النظام أو يندفع نحو الاستسلام.

لكن التاريخ العسكري يبين أن هذه الاستراتيجية ليست دائما ناجحة، فالدول التي تمتلك مؤسسات قوية وآليات قيادة بديلة تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمة. وفي مثل هذه الحالات قد تتحول الضربة التي تهدف إلى إضعاف الخصم إلى عامل تعبئة يوحده ويمنحه دافعا إضافيا للاستمرار في المواجهة.

هذا ما يفسر المفارقة التي برزت في المشهد الراهن، فبدل أن تؤدي الضربات إلى شلل كامل في بنية الدولة الإيرانية، استمرت القدرة على الرد والعمل العسكري. وهنا تتكشف حقيقة أساسية في علم الجيوبوليتيك: القوة لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على الهجوم، بل أيضا بقدرة خصمها على جعل كلفة الهجوم مرتفعة.

تلعب الجغرافيا كذلك دورا حاسما في هذه المعادلة. إيران تقع على أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، وهو مضيق هرمز، ما يمنحها قدرة كامنة على التأثير في الاقتصاد العالمي. كما أن طهران طورت خلال العقود الماضية ما يمكن تسميته "الردع الشبكي"، أي شبكة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في الإقليم. هذا الامتداد الإقليمي يجعل أي مواجهة معها قابلة للتوسع إلى مسارح متعددة في الشرق الأوسط، وهو ما يزيد من تعقيد حسابات الحرب.

في ضوء ذلك تبدو المقارنة بين المشهدين -مشهد الاعتقال السريع في فنزويلا ومشهد المواجهة المعقدة مع إيران- كأنها مقارنة بين مستويين مختلفين من التوازن الاستراتيجي. ففي الحالة الأولى ظهر التفوق العسكري في صورة حاسمة وسريعة، بينما كشفت الحالة الثانية حدود هذا التفوق عندما اصطدم بدولة تمتلك منظومة ردع قادرة على الصمود.

غير أن الثقة في النظام الإيراني تظل موضع شك وارتياب على المستوى الداخلي من حيث الدوافع للرد على الاعتداءات من زاوية الهشاشة الأمنية وحالة الاختراق الأعمق في قمة هرم السلطة، ومن زاوية حماية المصلحة العليا للدولة نظرا لطبيعة النظام السلطوية الاستبدادية.

مع اتساع رقعة المواجهة الحالية أصبحت الحرب مفتوحة على عدة سيناريوهات؛ أول هذه السيناريوهات يتمثل في حرب استنزاف طويلة تستمر فيها الضربات المتبادلة دون حسم سريع، وفي مثل هذه الحروب لا يكون الهدف تحقيق انتصار نهائي بقدر ما يكون إضعاف الخصم تدريجيا وإرهاقه اقتصاديا وسياسيا.

فلعقود طويلة اعتمدت طهران ما عُرف بسياسة "الصبر الاستراتيجي"، أي تجنب المواجهة المباشرة مع القوى الكبرى والرد بطريقة غير مباشرة أو مؤجلة، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى انتقال واضح نحو سياسة مختلفة تقوم على عنصر المفاجأة وتوسيع نطاق الرد


السيناريو الثاني يتمثل في احتمال توسع الحرب إقليميا، فوجود قواعد عسكرية أمريكية في الخليج، إلى جانب شبكة القوى المرتبطة بإيران في المنطقة، يجعل أي تصعيد إضافي قادرا على نقل الصراع إلى ساحات متعددة. وفي هذه الحالة يصبح التحكم الكامل في مسار الحرب أكثر صعوبة لأن تعدد الجبهات يفتح الباب أمام تطورات غير متوقعة.

أما السيناريو الثالث فيتمثل في عودة نوع من التوازن القسري، حيث تدرك جميع الأطراف أن كلفة التصعيد المستمر أصبحت أعلى من مكاسبه، فتتجه نحو وقف إطلاق نار غير معلن أو إلى تسوية مؤقتة تعيد تثبيت خطوط الردع.

غير أن العنصر الأكثر تأثيرا في هذه المعادلة هو التحول في السلوك الاستراتيجي الإيراني. فلعقود طويلة اعتمدت طهران ما عُرف بسياسة "الصبر الاستراتيجي"، أي تجنب المواجهة المباشرة مع القوى الكبرى والرد بطريقة غير مباشرة أو مؤجلة، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى انتقال واضح نحو سياسة مختلفة تقوم على عنصر المفاجأة وتوسيع نطاق الرد.

هذا التحول غيّر طبيعة الردع في المنطقة، فبدل أن تكون الضربة الأولى كفيلة بفرض التوازن، أصبحت الردود غير المتوقعة قادرة على نقل الصراع إلى مستويات جديدة، ومع كل جولة تصعيد يتراجع هامش السيطرة الكاملة على مسار الحرب، حتى بالنسبة للقوى العسكرية الكبرى.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: القدرة على بدء الحرب لا تعني بالضرورة القدرة على إنهائها، فالتاريخ مليء بحروب بدأت وفق خطط دقيقة لكنها انتهت بنتائج لم تكن في حسابات من أطلق شرارتها. وفي عالم يتغير ميزان القوة فيه بسرعة، لم يعد التفوق العسكري وحده كافيا لضمان الحسم، بل أصبح الردع المتبادل هو العامل الأكثر حضورا في رسم حدود الصراع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق