الخميس، 5 مارس 2026

الغضب الملحمي المُعتّق

 الغضب الملحمي المُعتّق

وائل قنديل

من السذاجة أن يتصوّر أحد أنّ الحرب الصهيونية التي تشنّها واشنطن وتل أبيب ضدّ إيران هذه الأيّام حدث طارئ على التاريخ، أو تحوّل مفاجئ من موائد التفاوض إلى جبهات القتال، فرضته خلافات جذرية بين المفاوض الأميركي ونظيره الإيراني، فالجولة الأخيرة في جنيف أفرزت مناخًا غير مسبوق من التفاؤل. 

هذه الحرب العدوانية الإجرامية فصل مكتوب قبل سنوات بعيدة في تاريخ المنطقة وحانت لحظة التطبيق العملي.

 هذا "الغضب الملحمي"، بحسب التسمية الصهيونية للعدوان، ليس مولوداً حديثاً، بل يمتدّ عمره إلى عقود طويلة من التخطيط والتفكير، ربما يعود إلى بدايات الثورة الإسلامية التي أطاحت حكم الشاه، إذ سريعًا ما تمّ افتتاح الحرب العراقية الإيرانية، لإنهاك القوّتين الصاعدتين، ثم كان التفرّغ لتدمير العراق والقضاء على قدراته العسكرية، للأسباب ذاتها التي تحاول بها عصابة الغضب الملحمي القضاء على إيران الآن، إذ انفتحت الجغرافيا طائعة أمام التغلغل الصهيوني بخروج العراق من معادلات الصراع في العام 2003، لتبدأ بعدها عملية الفرز الأميركي الصهيوني الجديد للطيبين والأشرار، ليصبح محور الشر منذ مطلع الألفية وحتى الآن هو إيران ومن تدعمه من جماعات المقاومة العربية في فلسطين ولبنان واليمن.

كان القضاء على إيران البند الأوّل على جدول أعمال الإدارات الأميركية المُتعاقبة منذ انتهاء عملية محو العراق من المعادلة، لكن هذا الهدف تحوّل إلى عقيدة يختلط فيها الكهنوتي بالسياسي منذ وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة في 2017 وضمان الخضوع الكامل للسياسة العربية الرسمية للقرار الأميركي، لتظهر للمرّة الأولى في التاريخ مصطلحات مثل "ناتو شرق أوسطي" تتزعمه إسرائيل وتنضم إليه دول عربية لمحاربة ما سمّي "الخطر الإيراني"، حيث شهد العام 2017 ظهور مفهوم التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط (MESA) بواسطة إدارة ترامب الأولى، والذي عُرِف في ما بعد إعلاميًا باسم "الناتو العربي" تحت شعار حماية المنطقة من محور الشر، والذي هو بنظر واشنطن وتل أبيب الإسلام السياسي المقاوم بشقيه الشيعي (إيران) والسني مُمثّلًا في الإخوان المسلمين وحركة حماس.

حين ذهب ترامب وجاء الديمقراطي جو بايدن بقي "الناتو العربي الإسرائيلي" ضدّ إيران مشروعاً حاكماً لحركة السياسة الأميركية، حيث حمله معه بايدن في زيارته الأولى المنطقة لتسويقه لدى الدول العربية "المعتدلة بحسب تصنيف نتنياهو" وفي مارس/ آذار 2022، انعقد أوّل اجتماع عسكري من نوعه في شرم الشيخ، ضمّ قيادات عسكرية من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة والسعودية وقطر والأردن ومصر والإمارات والبحرين. كان هذا الاجتماع تحت إشراف القيادة المركزية للجيش الأميركي (CENTCOM)، وكان الموضوع الرئيس، وربما الوحيد فيه، التحالف ضدّ الخطر الإيراني المزعوم، عن طريق إنشاء تحالف دفاع جوي إقليمي في الشرق الأوسط يُعرف باسم "تحالف الدفاع الجوي للشرق الأوسط" (MEAD)، والذي يهدف إلى دمج أنظمة الإنذار والرادارات والاعتراض لمواجهة التهديدات الإيرانية.

راح بايدن وجاء ترامب وبقي نتنياهو مُتحكّماً في مفاصل السياسة الأميركية، بالقدر نفسه الذي صار معه مُتحكّماً في إيقاع الأحداث بالشرق الأوسط، ليعلن قبل السفر إلى واشنطن في ذروة احتدام المعركة الانتخابية بين الجمهوريين والديمقراطيين، أنّه جاء لبحث جهود القضاء على محور الشر وهو إيران وما يسميه "الإسلام السياسي" مجسّدًا في حركات المقاومة العربية في غزّة ولبنان واليمن، مؤكّدًا أنّ زملاءه العرب يشاركونه الهدف ذاته.

والآن تدور الحرب العدوانية الإجرامية على قاعدة حرق وهدم الشرق الأوسط كلّه لإعادة بنائه من جديد وفقًا للمواصفات الصهيونية، وهو ما يتطلّب من جميع دول المنطقة أن تخطو إلى الحريق مبتسمة راضية وإلا ستُعاقب بالحرمان من مكان تحت سقف الهيمنة الصهيونية.

كانوا يسخرون من مقولة خروج العرب من التاريخ، والآن ها هم يخرجون أنفسهم من التاريخ والجغرافيا بأيديهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق