نحن في اليوم الثامن من الهجوم الصهيوني على إيران. وبطبيعة الحال، لا يمكن لأي أحد أن يبرر هذه الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل بقتل 168 طفلة، فمهما قيل لا يمكن أن يكون لها أي جانب مبرر. وليس من المنطقي خلال هذا العدوان الصهيوني المستمر تكرار التذكير بالسياسات الطائفية التي انتهجتها إيران في سوريا والعراق واليمن ولبنان، وهي سياسات لا يمكن تبريرها. فالولايات المتحدة وإسرائيل لا تهاجمان إيران اليوم لمحاسبتها على ما ارتكبته في تلك الدول. بل إن الولايات المتحدة لم تكن في أي وقت معنية بمعاناة المسلمين في سوريا، في حين أبدت إسرائيل ارتياحًا كبيرًا لتلك الأوضاع، وعبّرت عن هذا الارتياح حين سقط نظام الأسد وجاء أحمد الشرع، إذ شنت سلسلة هجمات على سوريا.
من قتل 168 طفلة ولصالح من قُدِّمت كقرابين؟
سيتم محاسبة ذلك في سياق آخر وفي إطار مختلف. فهدف الولايات المتحدة أو إسرائيل ليس منع الظلم داخل العالم الإسلامي أو وقف إراقة دماء المسلمين. هذه الأمور لم تكن يومًا من اهتمامات واشنطن أو تل أبيب. فالولايات المتحدة تحاول دائمًا تبرير حروبها الاحتلالية بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل وحتى حقوق المرأة.
لكن فضيحة إبستين كشفت كيف قُدِّمت آلاف الفتيات الصغيرات كضحايا لاستغلال شاذ. واليوم، بعد أن كانت واشنطن تمارس الضغط على إيران –ولو ظاهريًا– بحجة منعها من امتلاك السلاح النووي (وهو في الحقيقة هدف لحماية إسرائيل)، فإن قتل 168 طفلة في أول خطوة من الحرب يكشف حقيقة هذا النهج.
فدولة عظمى تتسم سياساتها بمزيج من الانحراف الجنسي والانحراف اللاهوتي، كيف يمكن أن نفهم أنها تضحي بـ168 طفلة صغيرة من أجل أي عقيدة أو مصلحة؟
العدوان الناجم عن الانحراف الجنسي والتشوه اللاهوتي
لا يمكن بالطبع تبرير أي جانب من الهجوم الذي تشنه هذه القوة العالمية التي تعاني من الانحراف الجنسي أو التشوه اللاهوتي.
بل إن الهدف من الهجمات على إيران اليوم هو احتمال أن تشكل إيران تهديدًا لإسرائيل، وهذا الاحتمال هو الجانب الوحيد الذي ما زال قائمًا لصالح إيران في نظر العالم الإسلامي. لأن الخطر الأكبر، ليس فقط على المسلمين بل على العالم كله، هو إسرائيل.
فالمشروع الصهيوني هو التهديد الأكبر لوحدة العالم الإسلامي واستقراره، وهو مصدر معظم المآسي التي شهدتها المنطقة خلال قرن من الحروب والانقلابات والدكتاتوريات.
وقد ظُن في الساعات الأولى من الحرب على إيران أن اغتيال كبار قادتها، وعلى رأسهم المرشد الديني، دليل على ضعف إيران الشديد وقوة الولايات المتحدة وإسرائيل، حتى قُدّر أن الحرب ستنتهي بسرعة غير متوقعة. لكن ما حدث خلال الأيام الثمانية الماضية أظهر أن إيران استطاعت إعادة تنظيم صفوفها بسرعة، وأنها أصبحت قادرة على شن هجمات أكثر فاعلية مع مرور الوقت. وكل تحرك إيراني يعطي الانطباع بأن لديها المزيد مما تخبئه، في حين يمكن أن نشهد تراجعًا تدريجيًا لدى الولايات المتحدة وإسرائيل مع استنزاف مخزون الذخيرة ودفعهما في النهاية إلى طلب وقف إطلاق النار.
الولايات المتحدة تستخدم دول الخليج كدرع بشري
وإن كنا قد قلنا في بداية التصعيد إن إيران تصرفت بشكل غير عقلاني عندما وسعت جبهة المواجهة لتشمل دول الخليج، فإن ذلك لا يعفينا من ضرورة قراءة المشهد بعناية أكبر لفهم التحركات العسكرية الإيرانية.
من المؤكد أن إيران لا تنظر إلى الأنظمة الخليجية كحلفاء. فهي تمتلك تنافسًا سياسيًا وجيوسياسيًا حقيقيًا مع هذه الدول، كما تعتبر العلاقات العسكرية الوثيقة لبعضها مع الولايات المتحدة تهديدًا مباشرًا لها. لكن هذا لا يعني أن إيران تتبنى استراتيجية عدوانية تستهدف هذه الدول لذاتها. فالهجمات التي نفذتها إيران مؤخرًا لم تكن موجهة إلى دول الخليج نفسها، بل إلى القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة فيها والتي تشكل جزءًا فعليًا من الحرب ضدها.
وهنا تظهر حقيقة جديرة بالملاحظة: فالقواعد الأمريكية في دول الخليج تُقدَّم غالبًا على أنها مظلة أمنية تحمي هذه الدول، لكن ما جرى خلال هذه الأزمة يثبت أنها لا تقوم بهذا الدور. إذ إن جزءًا كبيرًا من العمليات التي تصاعد بها التوتر العسكري في المنطقة انطلق من هذه القواعد أو ارتبط بها. ومع السياسات الإسرائيلية المتزايدة في العدوان وتجاوز الحدود القانونية وزيادة عدم الاستقرار الإقليمي، تبدو هذه القواعد أقرب إلى أن تكون جزءًا من المشكلة لا جزءًا من الحل.
على دول الخليج أن تتخذ قرارًا: أمريكا وإسرائيل لا تحميان بل تشكلان تهديدًا
وهذا يفرض على دول الخليج إعادة تقييم الموقف بشكل عاجل. فوجود القواعد الأجنبية لا يعني بالضرورة توفير ضمان أمني، بل قد يحول هذه الدول إلى ساحات مواجهة مباشرة. وقد أثبتت التطورات الأخيرة أن القواعد العسكرية الأجنبية لا تمنع الحرب عن الدول التي تستضيفها، بل قد تقحمها في معادلات الصراع.
لذلك فإن تفسير الهجمات الإيرانية على أنها “عدوان على دول الخليج” يبسّط الصورة بشكل مخل. فإيران لا تستهدف هذه الدول كغاية في حد ذاتها، بل تستهدف الوجود العسكري الأمريكي الذي يستخدم أراضيها منصة لعمليات عسكرية ضدها.
والرسالة الإيرانية هنا واضحة: إذا كانت الهجمات تُشن من أراضي دولة ما ضد إيران، فإن البنية العسكرية التي تنطلق منها هذه الهجمات تُعد هدفًا مشروعًا.
وهنا يبرز سؤال أوسع: هل الوجود العسكري الأمريكي في الخليج يحقق فعلاً الأمن الإقليمي، أم أنه يحول هذه الدول إلى ساحات صراع ويجعلها دروعًا بشرية في حروب لا تخوضها؟
ما جرى مؤخرًا يشير إلى الاحتمال الثاني. فالولايات المتحدة لا تحمي هذه الدول، بل تصبح هي سبب التهديد الذي تواجهه، وعندما تصل الأمور إلى الحرب لا تستطيع لا حماية تلك الدول ولا حماية نفسها. فالقواعد العسكرية الأجنبية غالبًا ما تنقل الدول المضيفة من دائرة الأمن إلى دائرة المواجهة في صراعات القوى العالمية.
المشكلة الكبرى في الشرق الأوسط
إن أحد أكبر مشاكل الشرق الأوسط اليوم هو هذا الواقع. فالأمن الإقليمي لا يمكن بناؤه عبر التدخلات الخارجية والقواعد العسكرية، بل عبر توازنات محلية ودبلوماسية مستقرة. وجود القوى الأجنبية المسلحة لا يضمن السلام، بل كثيرًا ما ينتج مخاطر جديدة للصراع. ولفهم خلفية التحركات الإيرانية الأخيرة، يجب عدم إغفال هذا الإطار الجيوسياسي الأوسع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق