‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشرق الآوسط. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشرق الآوسط. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 24 سبتمبر 2026

الزلزال الإقليمي.. قراءة في إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط؟

 الزلزال الإقليمي.. قراءة في إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط؟

عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنيّة والاستراتيجية، ومكافحة الإرهاب.

لم يعد الشرق الأوسط في خضم أزمة واحدة قد تُحتَوى بتسوية محدودة، أو مجموعة أزمات منفصلة يَسهُل معالجة كل منها على حدة. 

فالمواجهة مع إيران، وأمن الخليج، والبحر الأحمر، واليمن، وسوريا، والعراق، ولبنان، والتنافس التركي–الإسرائيلي، إلى جانب الحضور الأميركي والروسي والصيني، تبدو اليوم أجزاء متداخلة من مشهد استراتيجي واحد.

هي مرحلة أقرب إلى زلزال إقليمي متعدد البؤر؛ قد تختلف شدة تأثيره والأضرار من دولة إلى أخرى، لكن يصعب على أي منها ادعاء وجودها خارج حزام تردداته. 

وتزداد أهمية هذه اللحظة كون المعادلة التي حكمت الإقليم خلال العقود الماضية لم تعد صالحة بالقواعد نفسها، فيما لا يزال النظام الجديد في طور غموض التشكّل، الأمر الذي يستدعي، لتفادي المَثالب، مراجعة كتاب «الاستبصار في عجائب الأمصّار» لمراكشيٍ مجهول، علّ وعسى نعبُر مسالك عصر «الترامبيّة» بِسلام قبل غروب.

إذا كانت الجغرافيا قدرًا، والعزلة انتحارًا، يمكن مقارنة بلاد فارس بحاضر اليوم، بمعنى معضلة «التمدد الإمبراطوري» (Overextension)، أو «الامتداد الخارجي المفرط»، بما يشكل عبئًا قاتلًا واقتصادًا هشًا. 

فطوال عقود، لم تعتمد إيران أحادية قوتها الوطنية، بل دخلت وتدخلت، بنت تحالفات ومدت مكونات غير حكومية بالمال والسلاح في عدد من الساحات. 

لكن الحرب الحالية وضعت هذه المنظومة أمام اختبار هائل يتجاوز تحمّل الضغوط العسكرية والخنق الاقتصادي، إلى القدرة في الحفاظ على الحجم والدور.

في الضفة الأخرى، تجد دول الخليج نفسها امام بيئة أمنية أكثر تعقيدًا. فالمواجهة حول إيران ومعها، والاضطراب في مضيق هرمز، وتهديدات البحر الأحمر وباب المندب، أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا بصيغة جديدة:

إلى أي مدى يمكن الاعتماد على مظلة حماية خارجية واحدة (الولايات المتحدة)، أم بات المتوجب بناء شبكة أمنية أكثر تنوعًا؟

هذا ما بدأت دول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية تسلكه، عبر توسيع خيارات الأمن الوطني وعدم الارتهان إلى مسار واحد. (اتفاقية التعاون والدفاع المشترك: السعودية-تركيا-باكستان)، دون التخلي عن العلاقة الاستراتيجية والأمنية مع واشنطن.

بالتزامن؛ تتسم العودة التركية إلى قلب المعادلة الإقليمية بقدر من الواقعية، تحركاتها ليست مجرد طموح احياء إرث عُثماني او نفوذ تاريخي، بل ضرورة منع التغيرات الإقليمية من التحول تهديدًا مباشرًا لمحيطها الحيوي.

بمعنى احتواء المخاطر وتأمين المصالح أكثر من فرض الهيمنة المطلقة. وعليه يعتبر العمق السوري امتدادًا لأمنها القومي، فيما تتعامل إسرائيل مع أي حضور عسكري تركي بكثير من التوجس الاستراتيجي.

رغم ان ملامح نظامها السياسي النهائي لا تزال في طور التشكل، يقبع التحول الاستراتيجي الأهم في سقوط نظام الأسد وخروج سوريا من مظلة «ساحة الحرب بالوكالة». 

فيما تتزاحم على ساحتها مصالح متعددة؛ إذ تواظب إسرائيل على رسم خطوطها الحمراء ميدانيًا، بينما تحاول واشنطن توجيه المسار الانتقالي، فيما تعمل موسكو على صيانة حضورها العسكري والسياسي.

أما العراق، فهو في قلب المعادلة بحكم موقعه الجغرافي، ما لا يسمح بفصله عن أمن الخليج. 

لكن التحدي الذي يواجهه بعد خروج القوات الأميركية نهائيًا، هو ترسيخ عناصر دولة قادرة على صناعة التوازن الداخلي وإدارة موقعها الإقليمي بقرار وطني مستقل؟

وإزاء مجمل التغيرات، سلكت الحكومة العراقية مسار حصر السلاح وقرار استخدامه بيد الدولة ومؤسساتها.

وعليه فإن مستقبل الدولة العراقية بات يتعلق بقدرتها على إدارة موقعها في الإقليم، وتحويل جغرافيتها من عامل جذب للصراعات الى نقطة تقاطع إيجابية للمصالح والعلاقات. 

وقد ظهر هذا البعد في المساعي والنقاشات حول أمن الخليج العربي (بحر البصرة زمن الخلافة) ومضيق هرمز، بالتالي إعادة تعريف الأمن الإقليمي.

وسط هذه المشهدية، لا يمكن تجاوز مصر والأردن. فالأولى دولة محورية، بحكم قدراتها وموقعها الاستراتيجي، طرفًا فاعلًا في أمن المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس، فضلًا عن دورها التاريخي في إدارة أزمات المنطقة. 

أما الأردن، فيمثل نقطة اتصال استراتيجية، ولذا فأي تغيير في بنية الأمن الإقليمي ينعكس عليه بصورة مباشرة.

ولعل الأهم أن القاهرة بدأت تتحرك أيضًا ضمن سياسة تنويع الشراكات، إذ عكست زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، عمق الشراكة المصرية–الصينية وتوسعها من مجالات البنية التحتية والطاقة والاستثمار إلى التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب. كما عززت هذه الشراكة موقع مصر بوصفها إحدى بوابات التوازن العربي والدولي.

من جهة أخرى، إذا كانت الولايات المتحدة قد بنت حضورها الإقليمي بدرجة كبيرة على الأمن والقوة العسكرية، وإن درجت روسيا على اعتماد مزيج من القوة الصلبة والدبلوماسية، فإن بكين دخلت العولمة من بوابة مختلفة: الاقتصاد والطاقة والتجارة والبنية التحتية وسياسة الانفتاح، لكنها واظبت في الوقت نفسه على بناء قوة عسكرية تضاهي قدرات شريكيها في إدارة الكوكب.

ظهر ذلك بوضوح في طرح الرئيس الصيني رؤية تقوم على الأمن المشترك، الشامل، التعاوني والمستدام، مع التشديد على حماية الممرات البحرية وتعزيز الحوار الإقليمي. وهنا تظهر صورة شديدة الدلالة: الشرق الأوسط لم يعد ساحة أميركية–روسية فقط، بل أصبح جزءًا من التنافس الأوسع على شكل النظام الدولي نفسه.

في السياق، قد تكون روسيا خسرت جزءًا من البيئة التي منحتها نفوذًا واسعًا في الإقليم وسوريا بعد تهاوي النظام السابق، لكنها لم تخرج من المعادلة، إذ ما زالت تملك أدوات سياسية وعسكرية ودبلوماسية تحفظ موقعها بِقَدر. 

(تفاهم 9 أغسطس الماضي نص على تقليص الوجود العسكري وتحويل القاعدتين حميميم وطرطوس منشأتين لتدريب وتأهيل الجيش السوري).

وسط كل هذه التحولات، تتحرك إسرائيل من منطلق معتاد استخدام التلمود عقيدة توسعية، مع ضغوط ميدانية او دبلوماسية على الدول العربية الرافضة مسار التطبيع. 

ثم ان ما تراه تل أبيب ضرورة أمنية تجده أنقرة تهديدًا لمجالها الحيوي، وما تعتبره إيران جزءًا من توازن الردع تعاملت معه إسرائيل مصدرًا للتهديد، بينما تجد الدول العربية نفسها أمام ضرورة حفظ انظمتها وأمنها مع تلافي الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.

ماذا عن لبنان؟ البلد ليس جزيرة منفصلة.

إن مستقبل السلاح وحصريته، ودور الجيش وقدراته، والحدود الجنوبية والاحتلال، كذلك الوجود الدولي، وإعادة الإعمار، كلها قضايا تتأثر بدرجات مختلفة بما يجري في الإقليم.

بقاء اليونيفيل لم يعد مسألة تقنية مرتبطة بالأمم المتحدة فقط. فمع اقتراب انتهاء ولايتها في 31 ديسمبر، كانون الأول 2026، يفترض أن يبدأ انسحاب تدريجي منظم، بالتوازي مع بحث في ترتيبات المرحلة التي تلي، فيما تسعى بيروت إلى تأمين صيغة تمنع الفراغ الأمني وتعزز قدرة الدولة على تولي مسؤولياتها في الجنوب.

كما لا يمكن تجاهل مسألة سلاح حزب الله، باعتبارها جزءًا أساسيًا لمستقبل العلاقة بين الدولة وأي قوة مسلحة خارج مؤسساتها. 

وبموازاة قرارات الحكومة حول حصرية قرار الحرب والسلم والسلاح بالمؤسسات الشرعية. وفي الوقت نفسه، ربطت الحكومة هذا المسار بضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي.

من ناحية أخرى، القرار الوطني يحتاج بيئة إقليمية تسمح له بالحياة، لا يمكن للبنان التحكم بها منفردًا. لذلك لا يكمن الخيار بين حل لبناني منفرد او انتظار حل إقليمي. 

الخيار الأكثر واقعية هو بناء القدرة الوطنية والقرار الجامع بالتوازي مع متابعة قراءات التحول الإقليمي.

وربما تكون المشكلة الأساسية أعمق من مسألة السلاح أو الحدود؛ فهي ترتبط بقصور الدولة على إدارة موقعها الجغرافي وتفاعلها السياسي في منطقة تتقاطع فيها وعليها مصالح وصراعات إقليمية ودولية. ما يتطلب بالمختصر رؤية استراتيجية مفقودة، ومؤسسات دستورية مستقرة تعتمد سياسة خارجية متوازنة، وقرار دفاعي واضح جامع.

وعليه لا تعود الجغرافيا مصدر هشاشة، بل مصدر قوة إن دولة امتلكت قرارها.

في استشراف القادم، خيار مسارين يضعان المنطقة أمام لحظة تأسيسية أكثر منها مجرد مرحلة عابرة. فالشرق الأوسط بات في مرحلة اختبار مفهوم القوة ومعادلة التوازن وإدارة الاختلاف.

الخيار الأول نجاح القوى الإقليمية والدولية في تحويل اللحظة الحالية فرصة لإعادة بناء ترتيبات أمنية أكثر توازنًا، تقوم على الحوار وتوزيع الأدوار واحترام سيادة الدول، ويعيد تعريف الأمن الإقليمي على أساس المصالح المشتركة (الاقتصاد والطاقة).

الخيار الثاني استمرار الصراع المفتوح وتوسع دائرة المواجهة، بحيث يؤدي غياب التفاهمات حول قواعد الأمن الجديدة إلى مزيد من التسلح، وتعدد مراكز القوة، واتساع مساحات الفراغ الأمني. بالتالي ترسيخ حالة من عدم الاستقرار يصعب معها إنتاج نظام إقليمي واضح.

أخيرا؛ الفوالق الزلزالية تتوسع لكن تراكم الإجهادات Accumulation of stresses لا يمنع الدولة من صناعة قرارها، كما لا يمكنها توهم قدرة ايقافها. ما يوجب القول مجددًا ضرورة توحّد الداخل، ولحم التشققات البنيوية لمواجهة الخارج. 

فالدولة التي لا تستطيع التحكم بالزلزال، تستطيع على الأقل أن تتحكم بقدرتها على مقاومة ارتداداته.

في كتابه “إنجيل الثروة” يقول Andrew Carnegie: قم بواجبك وأكثر قليلا وسيأتي المستقبل من تلقاء نفسه.

الخميس، 5 مارس 2026

الغضب الملحمي المُعتّق

 الغضب الملحمي المُعتّق

وائل قنديل

من السذاجة أن يتصوّر أحد أنّ الحرب الصهيونية التي تشنّها واشنطن وتل أبيب ضدّ إيران هذه الأيّام حدث طارئ على التاريخ، أو تحوّل مفاجئ من موائد التفاوض إلى جبهات القتال، فرضته خلافات جذرية بين المفاوض الأميركي ونظيره الإيراني، فالجولة الأخيرة في جنيف أفرزت مناخًا غير مسبوق من التفاؤل. 

هذه الحرب العدوانية الإجرامية فصل مكتوب قبل سنوات بعيدة في تاريخ المنطقة وحانت لحظة التطبيق العملي.

 هذا "الغضب الملحمي"، بحسب التسمية الصهيونية للعدوان، ليس مولوداً حديثاً، بل يمتدّ عمره إلى عقود طويلة من التخطيط والتفكير، ربما يعود إلى بدايات الثورة الإسلامية التي أطاحت حكم الشاه، إذ سريعًا ما تمّ افتتاح الحرب العراقية الإيرانية، لإنهاك القوّتين الصاعدتين، ثم كان التفرّغ لتدمير العراق والقضاء على قدراته العسكرية، للأسباب ذاتها التي تحاول بها عصابة الغضب الملحمي القضاء على إيران الآن، إذ انفتحت الجغرافيا طائعة أمام التغلغل الصهيوني بخروج العراق من معادلات الصراع في العام 2003، لتبدأ بعدها عملية الفرز الأميركي الصهيوني الجديد للطيبين والأشرار، ليصبح محور الشر منذ مطلع الألفية وحتى الآن هو إيران ومن تدعمه من جماعات المقاومة العربية في فلسطين ولبنان واليمن.

كان القضاء على إيران البند الأوّل على جدول أعمال الإدارات الأميركية المُتعاقبة منذ انتهاء عملية محو العراق من المعادلة، لكن هذا الهدف تحوّل إلى عقيدة يختلط فيها الكهنوتي بالسياسي منذ وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة في 2017 وضمان الخضوع الكامل للسياسة العربية الرسمية للقرار الأميركي، لتظهر للمرّة الأولى في التاريخ مصطلحات مثل "ناتو شرق أوسطي" تتزعمه إسرائيل وتنضم إليه دول عربية لمحاربة ما سمّي "الخطر الإيراني"، حيث شهد العام 2017 ظهور مفهوم التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط (MESA) بواسطة إدارة ترامب الأولى، والذي عُرِف في ما بعد إعلاميًا باسم "الناتو العربي" تحت شعار حماية المنطقة من محور الشر، والذي هو بنظر واشنطن وتل أبيب الإسلام السياسي المقاوم بشقيه الشيعي (إيران) والسني مُمثّلًا في الإخوان المسلمين وحركة حماس.

حين ذهب ترامب وجاء الديمقراطي جو بايدن بقي "الناتو العربي الإسرائيلي" ضدّ إيران مشروعاً حاكماً لحركة السياسة الأميركية، حيث حمله معه بايدن في زيارته الأولى المنطقة لتسويقه لدى الدول العربية "المعتدلة بحسب تصنيف نتنياهو" وفي مارس/ آذار 2022، انعقد أوّل اجتماع عسكري من نوعه في شرم الشيخ، ضمّ قيادات عسكرية من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة والسعودية وقطر والأردن ومصر والإمارات والبحرين. كان هذا الاجتماع تحت إشراف القيادة المركزية للجيش الأميركي (CENTCOM)، وكان الموضوع الرئيس، وربما الوحيد فيه، التحالف ضدّ الخطر الإيراني المزعوم، عن طريق إنشاء تحالف دفاع جوي إقليمي في الشرق الأوسط يُعرف باسم "تحالف الدفاع الجوي للشرق الأوسط" (MEAD)، والذي يهدف إلى دمج أنظمة الإنذار والرادارات والاعتراض لمواجهة التهديدات الإيرانية.

راح بايدن وجاء ترامب وبقي نتنياهو مُتحكّماً في مفاصل السياسة الأميركية، بالقدر نفسه الذي صار معه مُتحكّماً في إيقاع الأحداث بالشرق الأوسط، ليعلن قبل السفر إلى واشنطن في ذروة احتدام المعركة الانتخابية بين الجمهوريين والديمقراطيين، أنّه جاء لبحث جهود القضاء على محور الشر وهو إيران وما يسميه "الإسلام السياسي" مجسّدًا في حركات المقاومة العربية في غزّة ولبنان واليمن، مؤكّدًا أنّ زملاءه العرب يشاركونه الهدف ذاته.

والآن تدور الحرب العدوانية الإجرامية على قاعدة حرق وهدم الشرق الأوسط كلّه لإعادة بنائه من جديد وفقًا للمواصفات الصهيونية، وهو ما يتطلّب من جميع دول المنطقة أن تخطو إلى الحريق مبتسمة راضية وإلا ستُعاقب بالحرمان من مكان تحت سقف الهيمنة الصهيونية.

كانوا يسخرون من مقولة خروج العرب من التاريخ، والآن ها هم يخرجون أنفسهم من التاريخ والجغرافيا بأيديهم.

السبت، 31 مايو 2025

الخاسرون في الشرق الأوسط الجديد

الخاسرون في الشرق الأوسط الجديد

لقد انقلبت الطاولة على الدول القوية في السابق

 ترجمة رقمية لــ تقرير   نشر على موقع الإيكونوميست بتاريخ ٢٩ مايو


قبل ثماني سنوات، كان عبد الفتاح السيسي محط الأنظار. استقبل دونالد ترامب الديكتاتور المصري بحفاوة في البيت الأبيض في أبريل/نيسان 2017. وبعد أسابيع قليلة، عندما زار السيد ترامب الرياض، دعا السعوديون السيد السيسي للانضمام إليهم. وحظي الجنرال السابق، الذي استولى على السلطة بانقلاب عام 2013، بمكانة مرموقة إلى جانب الرئيس الأمريكي والملك السعودي في حفل افتتاح مركز مكافحة الإرهاب.
ومع ذلك، لم يكلف أحد نفسه عناء استدعائه عندما عاد السيد ترامب إلى الرياض في مايو/أيار الماضي. كان حكام الخليج حريصين على التحدث مع الرئيس الأمريكي حول رؤيتهم للشرق الأوسط، ولم يكن السيد السيسي من بين هؤلاء. وبدلاً من ذلك، سافر إلى بغداد لحضور قمة جامعة الدول العربية غير المنظمة، حيث كان واحدًا من خمسة رؤساء دول فقط حضروا القمة (معظم أعضاء نادي الدول الـ 22 أرسلوا وزراء فقط).
هذه لحظة تحول في الشرق الأوسط. إيران ضعيفة. والحكومات الجديدة في سوريا ولبنان تريد إبقاء الوضع على هذا النحو. يحرص ملوك الخليج على تحقيق وفاق مع كل من إيران وتركيا، منافسيهم الإقليميين. ويتحدث السيد ترامب بأمل عن "يوم جديد مشرق"، وشرق أوسط يركز على التجارة بدلاً من الصراع.
المنطقة مكان صعب للمتفائلين: قد لا تدوم هذه اللحظة. وسواءً دامت أم لا، فإنها تُظهر كيف تغير الشرق الأوسط بالفعل. دول الخليج، الغنية والمستقرة ظاهريًا، هي محور الأحداث، بينما أصبحت بعض الدول التي كانت مؤثرة في السابق مجرد متفرجة.
تتصدر مصر هذه القائمة، ويتحمل السيد السيسي مسؤولية ذلك. فقد دمّر الاقتصاد المصري، وتراكمت عليه ديون عامة لا يمكن تحملها (حوالي 90% من الناتج المحلي الإجمالي) لتمويل مشاريع تافهة، ورفض الإصلاحات المنطقية التي قد تُعزز القطاع الخاص الراكد.
وقد دفع هذا مصر إلى الاعتماد على عمليات الإنقاذ. وقد تلقت مصر ما لا يقل عن 45 مليار دولار كمساعدات من دول الخليج منذ عام 2013، وفقًا لبيانات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وهو مركز أبحاث. كما أنها ثالث أكبر مدين لصندوق النقد الدولي. لكنها الآن تواجه منافسة. سيحتاج لبنان إلى 7 مليارات دولار على الأقل لإعادة الإعمار بعد حرب العام الماضي مع إسرائيل. وستحتاج سوريا إلى أضعاف هذا المبلغ.
على الأقل في الوقت الحالي، يبدو كلا البلدين استثمارًا أفضل من مصر. حكومتاهما تعدان بإصلاحات اقتصادية وسياسية جادة. تريد الحكومة السورية المؤقتة خصخصة الشركات الحكومية وجذب المستثمرين الأجانب. يريد الرئيس اللبناني جوزيف عون نزع سلاح حزب الله، الميليشيا القوية المدعومة من إيران. قد تساعد المساعدات المقدمة لتلك الدول في تحقيق تلك الأهداف؛ أما المساعدات المقدمة لمصر فلا تزيدها إلا عن كسب الوقت حتى أزمتها المالية القادمة.
يجد العراق نفسه على الهامش أيضًا. فقدت إيران أقرب حليف لها (نظام الأسد في سوريا) وأقوى ميليشياتها التابعة (حزب الله). هذا يجعلها يائسة للحفاظ على نفوذها في العراق، حيث تدعم مجموعة من الجماعات المسلحة. يصف بعض المسؤولين في الخليج العراق بأنه قضية خاسرة: فالميليشيات قوية جدًا ومتشابكة مع الدولة لدرجة يصعب معها اقتلاعها. لم يتمكن أحمد الشرع، الرئيس السوري الجديد، حتى من حضور قمة جامعة الدول العربية في بغداد بسبب تهديدات الميليشيات الموالية لإيران.
على أي حال، سافر إلى الرياض بدلاً من ذلك، حيث التقى بالسيد ترامب وحصل على وعد برفع أمريكا عقوباتها. يحرص السعوديون على دعم السيد الشرع جزئيًا لأن سوريا القوية ستشكل حصنًا منيعًا ضد النفوذ الإيراني. يقول مسؤول سعودي، مشيرًا إلى فترة كان فيها نظام الأسد خصمًا لديكتاتورية صدام حسين في العراق: "كانت سوريا تُسهم في تحقيق التوازن في العراق. ربما تستطيع لعب هذا الدور مجددًا"، هذه المرة مع إيران.
لطالما كان الفلسطينيون عديمو الدولة في قلب الشؤون العربية منذ عام ١٩٤٨. لكن هناك ما يدعو للاعتقاد بأنهم هم أيضًا يفقدون مركزيتهم. لم يفعل محمود عباس، الرئيس الفلسطيني الأبدي، شيئًا لتطهير إدارته الفاسدة في الضفة الغربية المحتلة. وتقدم حماس نموذجًا أكثر قتامة في غزة: فقد سمحت لإسرائيل بتدمير القطاع بدلًا من التنازل عن السلطة.
لا يزال القادة العرب يُقدمون وعودًا لفظية للقضية الفلسطينية. لكن عمليًا، يحاولون تقليص نفوذها. يريد السيد عون نزع سلاح الميليشيات الفلسطينية في مخيمات اللاجئين بلبنان (وقد أبدى بعض أعضاء حزب الله موافقتهم). وتعهدت الحكومة السورية الجديدة بفعل الشيء نفسه. ويدور حديث جاد في كلا البلدين حول السلام مع إسرائيل: ليس تطبيعًا كاملًا، بل على الأقل إنهاء عقود من الصراع.
كل هذا يُحدث تحولًا ملحوظًا. قبل عام، بدا لبنان وسوريا قضيتين خاسرتين أيضًا. كانت الأولى تحت سيطرة حزب الله، وفي حالة حرب مع إسرائيل؛ وكان اقتصادها لا يزال يعاني من أزمة مالية قلصت ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 40%. أما الثانية فكان دولة مخدرات لا تزال في قبضة نظام الأسد الذي كان يبدو صامدًا. والآن، تعتبرها دول الخليج وأمريكا قلب شرق أوسط أكثر ازدهارًا. وللحفاظ على هذا الوضع، سيتعين على حكوماتهم تحقيق نتائج.
بعد كل شيء، كان لدى العديد من حلفاء السيد السيسي العرب آمال كبيرة فيه أيضًا قبل عقد من الزمان. لكن تلك الآمال تبددت. على مدى عقود من الزمن، كان الشرق الأوسط منقسمًا على أسس أيديولوجية. وربما أصبح الانقسام الآن بين حكومات قادرة على الوفاء بوعودها وحكومات أخرى غير قادرة على ذلك.