الأربعاء، 11 مارس 2026

حديثٌ عن نُخَبُ الفُقَاعة


محمد خير موسى
"ورمٌ فكريٌّ وأخلاقيٌّ يُرادُ به الإيهامُ بالعظمة"

إنَّ المتأمل في مساراتِ التحوّلِ التاريخيِّ للمجتمعاتِ الناشئة يلحظُ ظاهرةً مَرَضيةً تبرزُ كلما تزلزلت الأركانُ القديمةُ وبزغ فجرُ يقظةٍ لم تكتمل ملامحُها بعد؛ ظاهرة "نخب الفُقاعة"، تلك الكائنات العدميّة التي تتقنُ فنَّ الطفو فوق بركِ الدماء وعرقِ الثّائرين وتضحيات الشّهداء مستغلةً حالةَ السيولةِ القيميةِ والاضطرابِ الفكري، وهؤلاء ليسوا مجردَ عابرين في قطارِ المرحلة ولكنّهم طفيلياتُ المرحلة الذين يمتصون رحيقَ الآمالِ ليحقنوا في جسدِ الأمة سمومَ الرداءةِ والزيف.

ماهية الفراغ

تبدأُ مأساةُ نخبِ الفقاعة من الخَوَاء الذاتي؛ فالمثقفُ الحقيقيُّ جذورُه ضاربةٌ في أعماقِ الأرض، يستمدُّ وقارَه من صمتِ الجذورِ وتواضعِ الثمار. أما الواحد من "نخب الفُقاعة" فليس أكثر من كائن بلا جذر، صُنِعَ من غشاءٍ رقيقٍ من الادعاء يملؤه هواءٌ ساخنٌ من الغرورِ والانتفاخ، وهذا الانتفاخ ما هو إلّا ورمٌ فكريٌّ وأخلاقيٌّ يُرادُ به الإيهامُ بالعظمة.

يغدو الهجومُ على الصادقين وتخوينُ المخلصين وإثباتُ فشلِ الآخرين هي الصنعة الوحيدة التي يجيدُها هؤلاء؛ ظانّين واهمين أنَّ غبارَ الهدمِ سيحجبُ رؤيةَ الناسِ لفراغِهم المطبق

تنطبع هذه الفئة عادة بسوء الأدبِ والخُلقِ، وهو درعٌ يحمون به هشاشتَهم؛ فلأنَّ الواحدَ منهم لا يملكُ بضاعةً فكريةً رصينة ولا رصيدا من الفاعليّة الصّادقة فإنّه يجدُ نفسَه مضطرا لانتهاجِ سياسةِ الهدم؛ إنّه لا يستطيعُ أن يرتفعَ إلى قمةِ الجبل فيحاولُ جاهدا خفضَ القمةِ لتتساوى مع القاعِ الذي يقفُ عليه، ومن هنا يغدو الهجومُ على الصادقين وتخوينُ المخلصين وإثباتُ فشلِ الآخرين هي الصنعة الوحيدة التي يجيدُها هؤلاء؛ ظانّين واهمين أنَّ غبارَ الهدمِ سيحجبُ رؤيةَ الناسِ لفراغِهم المطبق.

حتمية الانفجار وواجب الدّبوس

في عُرفِ الفيزياء تطفو الأجسامُ الخفيفةُ والهشةُ فوق السطح بينما يغوصُ الذهبُ والياقوتُ في الأعماق، وكذلك في عُرفِ الثوراتِ والنهضات تطفو "نخب الفُقاعة" لأنها الأخفُّ وزنا قيميا والأسرعُ تجاوبا مع رياحِ المصالح؛ إنها تطفو على وجهِ الحدثِ كما يطفو الزبدُ الذي يذهبُ جفاءً، لكنَّ خطورةَ هذا الزبدِ تكمنُ في قدرتِهِ على حجبِ رؤيةِ النهرِ الحقيقيِّ المتدفّق.

إنَّ هذه الفقاعاتِ تحملُ بذورَ فنائِها في جوهرِ تكوينِها؛ فـحتفُها في انتفاخِها وكلما ازدادت تورما واستعلاءً رقَّ غشاؤُها واقتربت لحظةُ انفجارِها؛ غيرَ أنَّ الركونَ إلى الانفجار الذاتي هو ضربٌ من التّواكلِ الفكري الذي ترفضُه الروحُ الوثّابة، وإنَّ الواجبَ الشرعيَّ والفكريّ والقيمي يقتضي وجودَ دبابيس الصادقين؛ أولئك الذين يحملون وعيَ النقد وصدقَ المواجهة ليفجروا هذا الانتفاخَ الكاذب؛ صيانةً للحقائق من أن تُبتذل وحمايةً للثورةِ من أن تُختزل في وجوهٍ جوفاء، وإنَّ دبوس الصادق هو في الحقيقةِ أداةُ جراحةٍ ضروريةٍ لاستئصالِ الغرغرينا الفكريّة من جسدِ الوعيِ الجمعي.

صناعةِ الرداءةِ الشاملة
بين "نخبِ الفقاعة" وبين أبناءِ القضايا المخلصين هو صراعٌ بين الزيفِ والحقيقة وبين العَرَضِ والجوهر، ومهما انتفخت الفقاعة ومهما زاد ضجيجُ الأبواق فإنَّ جدارا واحدا من الصدقِ كفيلٌ بهدمِ تلك القصورِ الورقية

تتجلى قمةُ المأساةِ حين تتحول هذه النخبُ إلى أبواقٍ مستأجرة، وإنَّ الكرامةَ الفكريةَ هي أعزُّ ما يملكُه الإنسان لكنَّ "نخب الفقاعة" تقايضُ كرامتَها بفتاتِ الموائدِ الماديةِ والمعنوية، إنّ هؤلاءِ غدوا ببغاواتٍ بزيٍّ ثقافي يرددون ما يتمُّ تلقينُهم إيّاه في الغرفِ الخلفيّة، وهذا الارتهانُ هو أحد تفسيرات تفشي الرداءة في فضاءاتِنا الرقميةِ وإعلامِنا المرئي؛ فقد استُبدِلَ بالمفكر الرصين "المؤثر" التّافه، واستُعيضَ عن الأطروحةِ العميقةِ بـ"المنشور" الصاخبِ الذي يخاطبُ الغرائزَ؛ إنَّ الرداءةَ هنا ليست مجردَ ضعفٍ في الأداء ولكنّها منهجٌ مقصودٌ لتمييعِ القضايا الكبرى وتسطيحِ الوعيِ العام، بحيثُ يصبحُ من السهلِ سوقُ الجماهيرِ نحو غاياتٍ لا تخدمُ سوى سدنةِ الفقاعة ومن يقفُ خلفَهم.

تهاوي الأصنامِ الورقية

في نهايةِ المطاف لا يصحُّ إلا الصحيح، والتاريخُ -ذلك الغربالُ القاسي- لا يحتفظُ بالفقاعاتِ مهما علا شأنُها ولكنّه يلقي بها في غياهب النسيان، وإنَّ الصراعَ بين "نخبِ الفقاعة" وبين أبناءِ القضايا المخلصين هو صراعٌ بين الزيفِ والحقيقة وبين العَرَضِ والجوهر، ومهما انتفخت الفقاعة ومهما زاد ضجيجُ الأبواق فإنَّ جدارا واحدا من الصدقِ كفيلٌ بهدمِ تلك القصورِ الورقية.

إنَّ الأملَ معقودٌ على تلك البقيةِ الباقيةِ من أولي النُّهى الذين يرفضون السقوطَ في فخِّ الرداءة، ويصرون على أنَّ الكلمةَ أمانة وأنَّ طريقَ الخلاصِ يبدأُ بتسميةِ الأشياءِ بمسمياتِها الحقيقية؛ فالفقاعةُ يجب أن تسمى فقاعة مهما انتفخت والفكر الصّادق يبقى وحده المنارة.

x.com/muhammadkhm




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق