مبكّرًا، حدّد دونالد ترامب هدفه في إيران بإسقاط النظام ومساعدة الإيرانيين على التخلّص من مرشدهم، وإنشاء "إيران عظيمة" ترفل في نعيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم أعلن أنه يحمل الخير لإيران، ويفكّر في لقاء مرشدها الأعلى، ثم عاد وقرّر أنّ لا حوار إلا بالحرب المدمّرة، وأنّ لديه البدائل الجاهزة لإقامة نظام مُطابق لمواصفات واشنطن، ثم أخيراً قرّر شنّ حرب هي الأكثر إجراماً، بمعيار القانون الدولي واغتيال المرشد الشهيد علي خامنئي في سطر المأساة الأوّل، ثم بعد قليل اغتال البدائل التي كان قد حدّدها لحكم طهران: "حدّدنا مرشحين محتملين داخل هيكل الحكومة الإيرانية لكنهم قتلوا جميعاً في الضربة الأولى".
لاحقاً كشف ترامب عن مآرب أخرى هي أصل الموضوع في إيران: تجريدها من كلّ عناصر القوّة وملامح الدولة وتحويلها إلى غزّة جديدة يرتع فيها على راحته مع قطعان الصهيونية الدينية في واشنطن وتل أبيب، وتكون نقطة انطلاق الشرق الأوسط المرسوم في خرائط الكهنوت المُدجّج بالسلاح النووي. ومن أجل ذلك بالتحديد، كان الإصرار الأميركي الصهيوني على جعل الحرب حربيْن: واحدة بين التحالف الصهيوني وإيران، والأخرى بين الدول العربية، الخليجية وإيران، بالطريقة ذاتها التي وجد العرب أنفسهم معها يحاربون في محور أميركي واحد ضدّ العراق في زمن جورج بوش، الأب ثم الابن.
في التاريخ القريب، كان الإصرار الأميركي على وجود حالة صراع دائمة بين العرب وإيران مسألة جوهرية في تمكين الاحتلال الإسرائيلي وتوسعته، مع ظهور خافت لحلم الشرق الأوسط الجديد، كما يريده الأميركي والإسرائيلي، فكان إشعال الحرب الإيرانية العراقية، في افتتاح ثمانينيات القرن الماضي، بعد قليل من تدشين مسار "كامب ديفيد" الذي عزل مصر عن جلّ محيطها العربي، وألقى بها في الحضن الأميركي. في عام 1979 كانت "كامب ديفيد"، أعقبتها حرب العراق وإيران، القوّتين الإقليميتين الكبريين منذ بداية الثمانينيات حتى نهايتها، الحرب التي انتهت بإنهاك القوّتين وإضرام نار الصراع الطائفي، سنة وشيعة، على المستوى الشعبي، والتي لم تُخمد، وبقيت سلاحاً صهيونيّاً مضموناً، تستخدمه كلّما قرّرت الإغارة على دولة عربية، كما جرى في غزّة أخيراً.
انتهت الحرب العراقية الإيرانية، وسيق العرب بعدها مُجدّداً إلى المرحلة الأقذر في المسار الذي ابتدأه أنور السادات ب"كامب ديفيد"، جاءت "أوسلو" التي اقتضى الذهاب إليها التخلّص من قوّة العراق، العضو العربي الرافض للتطبيع المُنحاز للمشروع المقاوم، فكان استدراج صدّام حسين إلى فخ الكويت، لتقود الولايات المتحدة فيما بعد اصطفافاً استراتيجيّاً، عربيًاً وإسلاميًاً، لمحاربة العراق، في بداية التسعينيات "حرب تحرير الكويت/ تدمير العراق" ثم مرّة أخرى في عام 2003 لتصفية حسابات الغلّ والهمجية والإمبريالية التاريخية مع أكبر مراكز الحضارة العربية، والقضاء على مشروع قوّة عربية تهدّد الهيمنة الصهيونية على الإقليم.. وكانت إيران، من أسفٍ، جزءًا من مشروع إعادة العراق أكثر من مائة عام للوراء، تمامًا كما كان معظم العرب جزءًا من المشروع ذاته.
هذه المرّة يكرّر الحلف الأميركي الصهيوني العملية نفسها مع إيران، بوصفها القوّة الإقليمية الوحيدة التي تمثّل عقبة أمام المشروع الصهيوني، ومرّة أخرى، لا يترك لنا رؤوس تحالف الشر مجالاً للتخمين والبحث في منطلقاتهم العدوانية، يحاربون إيران، كما العراق، في بداية القرن، بأقذر أنواع الغلّ المُعبّر عن صهيونيتين، واحدة تختبئ في أحراشٍ إنجيلية والأخرى تعتلي سطح اليهودية السياسية.
هذه المرّة يفعلونها وقد اطمأنوا على نجاحهم في صناعة حالة انصهار لدى بعض العرب مع مشروعهم، لنكون بصدد مرحلة انتقال تعبير "المتصهينين العرب" من المجاز اللغوي إلى الواقع العملي، وهي الحالة التي تلمح فيها ما يشبه توقير الجناة وشيطنة الضحايا. وعليه، يمضي المنتحرون إلى حتفهم على أنغام موسيقى الروك الترامبية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق